صرخةٌ من القدسِ

بقلم: معتز عبد العاطي

أنَا القدسُ يداهُمنِي الأوغادُ ويعيثون فيّ الفسادَ والخرابَ، أنا أنينُ القبابِ التّي تُدنّسُ وتُهانُ، أنا الأبوابُ أغلقهَا بنُو صهيونَ أمامَ السّاجدين والركّعِ، أنا الزقّاقُ يركنُ إليه جنديّان مدججًان بسلاحٍ أمريكيٍ يمنعانَ سيّدة حرّة من العُبور، أنا الجسرُ المقطوعُ ما بين الشيخِ جرّاح وسلوان، أنا الطّفلُ الملقى على الأرضِ ينزفُ الدّمِ بطلقاتٍ غادرةٍ.

أنَا الأنفاقُ تحتي توغّلتْ إلى قلبِي وقطّعت شرايينِي، وهشّمت عظامِي، وما زالَ نبضُ الإيمانِ حيٌّ شارفَ على الموتِ، ينتظرُ إنعاشَ المسلمين، وصحوة النائمين، ووعي المغيّبين، وصيحات التكبيرِ تعلُو في ساحاتِي تمزّق حجابَ الصّمت، وتنتصرُ على العابرين المندثرين.

أنا المنعُ من البناءِ، أنا حاجزُ الصّلاةِ، والإغلاقُ والعذابُ تحتَ نيرِ الاحتلالِ، أنا الشيخُ المتعكّزُ على الأملِ يرنُو بعينيه الدامعتين صوبَ مئذنةِ القدسِ، يشكُو إليها وتشكُو إليه، ثم يرتفع ببصرِه نحو السّماءِ، ثم يمضِي متحسرًا على حالِ الأمّةِ الإسلاميةِ والعربيةِ.

أنا صوتُ الرصّاصِ يُؤذيني، رائحة قنابل الغاز تُغشِي حجارتي العتيقةِ، وتمتمات عبرية لا أطيقُها، تجولُ وتصولُ بين البيوتِ المقدسيّة، تنذرُ بالإعدامِ والتهجيرِ والطّرد والرّحيل، فأنّى لأجسادٍ أصبحتْ قطعةً من هذهِ الأرضِ أن تغادرَ، فإن كان لابدّ من المغادرة فعلى الغزاةِ الهروبَ من غضبٍ عارمٍ سيأتي يومًا مـا.

أنا ضراعةُ الفجرِ في الأقصى، أكفٌ ترتفع وألسنةٌ تلهجُ الفرجِ، أنّ رجالَ صلاح الدين ما زالوا يسرحون ويمرحون في بقاعِ الأرضِ، وسيأتون يومًا لتحريري من بغي الظلم والظلام، وسيوقدون شمعةَ الفجرِ، ويبدّون ليلًا حالكًا دام طويلًا، أنهكَ كل جدراني وبث الرّعب في أوصال أطفالي.

أنا الحواجزُ والسّدود تمزّق شملَ عائلتي، وترديهم نحو السّجن أفواجًا وأفواجًا، وتذيقهم كأسًا من الأحزانِ والآلام والأوجاع، أنا صوتُ السجّان على ممرّاتي يهدّد فلذات أكبادي وأولادي بأن الموتَ يرقبُكم يغازلكم يداعبُ خصلةَ الشّعر المتطايرة مع نسيم الأقصى كل صباحٍ ومساءٍ.

أنا بكاءُ الأمّ الثكلى على رحيلِ ابنها، أنا عبراتُ الشيخِ القعيد، ومهدِ الوليد، وكفنِ أمّة كثيرةٍ كغثاء السيلِ، أنا الحزنُ المخيّم على فلسطينَ وأهلها الشرعيين، ناديتُ كثيرًا على المسلمين ولا جواب، سوى صدى الصوت المدوّي، وصل الصوتُ إلى الدنيا إلى المعازفِ والطبول، إلى النائمين ولكن دون جدوى.

أنيني دّك مسامع الرّياض وأبو ظبي والجزائر وعمان والأردن والكويت والإمارات والسعودية وكل أبنائي المسلمين والعرب، ولكن لم يسمع ندائي، حتى ظننت أن العرب موتى في القبور، ولو أن الأموات يسمعون أنيني لاستفاقوا وأنقذوني.

أنا مرّ الزمانِ، أنتظرُ جيشَ الخلاصِ، أنتظرُ سيفَ عمرٍ ورمح أبي عبيدة، وحنجرة جعفرية، ونداءُ خالدٍ وصهيل خيل قطز وبيبرس، ودرع عليٍّ، أنتظرُ من دكّوا حصون خيبر وبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير، أنتظرُ الزحوف الهادرة، ما زال يقيني بالله عظيم بأن هذه الأرضَ تحمل الظاهرين لعدوهم قاهرين لا يهمهم من خذلهم وهم في رباطٍ إلى يومِ الدّين.

بقلم/ معتز عبد العاطي