معاريف: ترامب قسّم القدس وأشعل حريقًا وأنقذ أبا مازن

أزقة القدس شرعت بالاستعداد لعيد الميلاد، بعض المصابيح والأوسمة وسانتا كلوز منفوخ على مدخل أحد الدكاكين في البلدة القديمة، لا جليد ولا مطر، ولا يوجد أشجار عيد ميلاد ولا أجواء عيد الميلاد، أنغام أجراس الكنائس تردد صداها الشوارع الفارغة التي كان يفترض في هذا التوقيت أن تضج بالحجاج.

سطح فندق "كازانوفا" في قلب المربع النصراني يعطي لمحة أساسية عن القدس العليا، في صورة بانورامية يمكنك مشاهدة أطراف الصراع القديم في العالم: القبة البيضاء لكنيس "الخرابة" والقبة السوداء للأقصى والقبة الذهبية على طرف المكان، ومن فوقهم تطل القبة الغامقة لكنيسة القيامة. المساجد والصلبان والأجراس، ومن تحتها ميدان السوق فارغًا. الفندق هو مشروع استثماري أساسي للنظام الفرنسيسكاني، فندق للحجاج الذي يمكن إنسانًا بـ 40 دولار من غرفة بسيطة وسطح رائع ووجبتان، الصفقة مغرية ولكن الفندق فارغ، السواح لا يأتون ولا حتى إلى الفنادق في بيت لحم، حيث أغلق اثنان منها هذا الأسبوع.

الحكومة تتهم الفلسطينيين بأنهم شرعوا بأعمال الشغب والمظاهرات، بينما يتهم الفلسطينيون دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو الذي أقنعه بالإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، مؤتمر رؤساء الدول الإسلامية في تركيا خلق تمديدًا آخر للمواجهة. دون الاستهانة بالحماس الشديد من إعلان الرئيس ترامب، فقد فعل شيئًا آخر، وعلى ما يبدو دون أن يقصد: لقد قسّم القدس وأشعل حريقًا.

اشتعال قابل للانفجار

منذ ان أعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، انطلقت أعمال العنف السياسي على شكل تظاهرات وإطلاق عدد من الصواريخ، وعلى ما يبدو لا زال مراقبًا ومضبوطًا وتحت السيطرة، لكنهم في الأجهزة الأمنية يستصعبون تقدير مآلاته: إلى الانخفاض والتلاشي أم إلى التدحرج والانفجار، ويقدرون بأن الوضع اليوم يشبه عشية حرب 2014، حيث لم يكن أيّ طرف يريدها، لكن حدث التدحرج إليها بدون رغبة أي من أطرافها. حماس كانت تخطط لعملية اختطاف جنود في الضفة، وهي في غزة لا تبذل جهدًا كافيًا كما في السابق لمنع إطلاق الصواريخ، والتوتر يزداد بما يصعّد قابلية الانفجار، رغم الشعور لدى الأطراف بأن الوضع مسيطرًا عليه.

تقسيم القدس

هذا ما يحدث عندما يطلقون النار، ثم بعد ذلك يستعدون للعمل ويبحثون عن استراتيجية؛ ترامب أطلق الاعتراف بالقدس مبكرًا للغاية دون أن يجهز أي أحد تقريبًا، ودون غطاء سياسي. ونحن لم نصغِ لأي كلمة ولم نحلل أي نص ولم نولِ أي اهتمام كافٍ إلى حقيقة أنه قسّم المدينة. باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، أكد ترامب على الجزء الغربي من المدينة، وأوضح ان الحدود ستقرر بين الطرفين، وأكثر من ذلك فقد قسم المدينة من الناحية الدينية: أكد على ان اليهود يصلون في حائط المبكى (البراق) والمسلمون في الأقصى، وماذا عن "جبل الهيكل"؟ في هذا الإعلان ليس هناك "جبل هيكل" لليهود.

الآن تعالوا نفترض أنه مجرد تصريح آخر، لكن في السياسة الكلمات تخلق أهمية، تخلق خطوات. وربما هنا أنقذ ترامب أبا مازن من نفسه، في الأشهر الأخيرة وقف أبو مازن أمام واقع سياسي كئيب: الولايات المتحدة أعدت خطة سياسية - حسب كل الدلائل والتسريبات السابقة - من شأنها ان تكون خطة خفيفة ومتقطعة فيها سيادة محدودة والقليل من الأرض مقابل السلام. أكثر من ذلك، الولايات المتحدة سخرت روافع الضغط الثقيلة في العالم السني من أجل إجبار أبي مازن على الموافقة، سافر إلى القاهرة، إلى الرئيس السيسي ومن هناك إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي أخبره بأن عليه أن يقبل الخطة دون تقسيم القدس - حسب التسريبات - ومن دون التجمعات، بل وربما من دون إخلاء المستوطنات.

أبو مازن كان في "الكورال" كما كان يصفه شارون يصلح المعدن الضيق الذي يقود الأبقار إلى المسلخ، أوشك ان يقبل بخطة أمريكية مفروضة، كان رفضها يعني أنه سيقف مرة أخرى موقف الرافض النظامي ويعطي نتنياهو نصرًا حاسمًا في لعبة الاتهامات. أبو مازن نظر إلى طاقم ترامب: جارد كوشنير الذي كان نتنياهو ربيب أسرته، والوزير ديفيد فريدمان الذي كان أحد المساهمين في مستوطنة "بيت ايل"، وجيسون غرينبلات الذي التقط الصور في الأنفاق وقواعد الجيش الإسرائيلي في الجنوب؛ لقد رأى طاقمًا يهوديًا مسخرًا ومنحازًا لإسرائيل.

إعلان ترامب حظي بمعارضة واسعة وتوحد إسلامي من الجدار إلى الجدار: الشيعة والسنة، السعوديين والإيرانيين والاتراك والمصريين؛ جميعهم وقفوا ضد الإعلان. عادت النضارة إلى وجه أبي مازن، استغل الخطوة ليعلن ان الولايات المتحدة وسيط غير نزيه وأنقذ نفسه من انتظار الخطة، من جهته ترامب اغتال بإعلانه فرصة عملية سياسية مع إسرائيل، لذلك قاطع زيارة نائب الرئيس مايك بنس، وقطع علاقته مع القنصل الأمريكي في القدس الشرقية، وأجرى صلحًا متعثرًا مع حماس؛ لأن الأسهل هو ان يعارضوا معًا.

ربما في الولايات المتحدة يعتبر ترامب رئيسًا مشتتًا، لكن في الشرق الأوسط فالأمر معكوس تمامًا: وحدة المعارضة باسم ترامب. غير ان المعارضة لها ثمن، والسؤال: من سيدفع هذا الثمن؟، خطوات أبي مازن من شأنها أن تجعل الولايات المتحدة ترغب في تليين موقفها من أجل إعادة الفلسطينيين إلى اللعبة السياسية، وربما ينفضوا يدهم منه ويدفع هو الثمن.

ما أسهل أن يكفوا عن إرسال الأموال إلى السلطة، لكنهم بذلك يقوون حماس التي كانت قد عرضت على أبي مازن عدم الرجوع إلى المقاطعة قبل ان ينجح بقلب القرار؛ ليس مؤكدًا أن أبا مازن يفكر بهذا المقترح المغري بجدية، فرحلة سياسية الى مقرات الأمم المتحدة في نيويورك أكثر جاذبيه من مواجهة المتظاهرين في رام الله والفنادق الخاوية في بيت لحم.

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -