لم يسبق أن كان وضع إسرائيل الأمني سيئاً إلى هذا الحدّ

بعد كشف وتدمير نفق حركة حماس في غزة، عزّز المشروع الهندسي الكبير والمعقد لمشروع القضاء على الأنفاق الانطباع بالعثور على حل لما كان يعتبر، حتى الفترة الأخيرة، التهديد الاستراتيجي المركزي المتوقع من القطاع. وحقيقة أن تدمير النفق سبقه ثلاث عمليات مشابهة، وردّ حركة حماس المدروس، والحذر على التدمير المنهجي لوسيلة قتالية مركزية بالنسبة إليها، والوعود بإزالة هذا الخطر خلال أقل من سنة، كل هذا زاد أكثر فأكثر من الشعور بأننا نسير على الطريق الصحيح. كما أن كلام منسق الأنشطة في "المناطق" أمام وسائل الإعلام العربية بأن "العبقرية الإسرائيلية والعقل اليهودي أوجدا حلاً لكل أنفاق الإرهاب"، أعطى الجمهور الإسرائيلي شعوراً بأنه حقاً لا يوجد مثلنا. إن الجمع بين الانجازات الأمنية في غزة، وبين الضرب المنهجي لأرصدة عسكرية تابعة لإيران و"حزب الله" في سورية من دون رد حقيقي يثير الانطباع بأنه ولا مرة كان وضعنا الأمني أفضل. يُضاف إلى ذلك إدارة أميركية هي الأكثر تأييداً لإسرائيل، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكلام الرئيس الفلسطيني المثير للاحباط واليائس. وإذا كان تقدير المعلق آري شبيط في "هآرتس"، في أيلول 2016، أن وضعنا الأمني لم يكن ولا مرة أفضل، فالأحرى أن يكون وضعنا قد تحسن منذ ذلك الحين.

يتجاهل هذا الانطباع المتفائل أحد المكونات المهمة: مخزون الصواريخ الضخم الذي يملكه "حزب الله"، الذي يضع إسرائيل في مواجهة خطر لم يسبق أن واجهته قط. وبحسب تقديرات المؤسسة الأمنية خلال الأيام الأولى للمواجهة المقبلة مع "حزب الله" سيطلق الحزب على إسرائيل نحو 3000 إلى 4000 صاروخ، جزء منها يحمل رؤوساً تدميرية كبيرة وله قدرة على الإصابة الدقيقة. إذا تحقق هذا التهديد، فإن ذلك لن يؤدي إلى سقوط مئات آلاف الضحايا، بل إلى تعرض البنى التحتية للدولة، محطات الكهرباء، ومنشآت تحلية المياه، والمرافئ البحرية والجوية، وتقاطع الطرق وغيرها لضربات قاسية. ولدى "حزب الله" ما يكفي من الصواريخ ليس فقط لضرب مقر وزارة الدفاع (الكرياه) في تل أبيب، بل أيضاً الأحياء الراقية حوله. إن الرد العسكري على التهديد هو جزئي، ولا يستطيع منع التدمير.
بكلام آخر، ولا مرة لم يكن وضعنا الأمني سيئاً إلى هذا الحد. وإذا كان رأي ديفيد بن غوريون في سنة 1948، عندما قصفت الطائرات المصرية تل أبيب وقتلت عشرات الناس، أن "الجمهور سيصمد"، من الصعب اليوم رؤية جمهور تل أبيب المترف والمدلل يصمد في مواجهة قصف أكثر قساوة كثيراً. في سنة 1948 كنا نعرف من أجل ماذا نقاتل. اليوم الموضوع أقل وضوحاً. ويمكن أن يسفر ذلك عن أخطر أزمة في تاريخ إسرائيل، قد تكون أخطر من حرب "يوم الغفران".
إن هذا الوضع ليس قدراً من السماء. وسر عظمة الصهيونية يكمن في قدرتها على إيجاد حلول عملية لتحديات تبدو غير قابلة للحل. والمشكلة أن إسرائيل اليوم تمضي قدماً فقط في تقديم ردود أمنية على تحدّ لا يوجد له رد عسكري. إن زيادة التسلح بالوسائل الاعتراضية للصواريخ لن تستطيع الحؤول دون تعرض عمق الدولة لإصابات كثيفة، تماماً كما أن الحماسة للحلول التقنية لمشكلة الأنفاق لا تقدم حلاً للتحدي المتمثل في أكثر من مليوني شخص من سكان غزة، الذين يجعلهم كل تدمير لنفق أكثر يأساً. وكل قصف إضافي في سورية أو تدمير نفق في غزة يزيدان في الضغط على الطرف الثاني للرد، إلى حد يمكن أن يصل إلى الانفجار. من دون الخطر الباليستي الذي لدى "حزب الله"، فإن انفجاراً كهذا ليس مخيفاً، لكن مع وجوده، يمكن أن تكون النتيجة أصعب بصورة لا يمكن تصورها حالياً.
إن حل هذا الخطر المتفاقم متوفر لدينا منذ زمن طويل، لكن القيادة ليست مستعدة حتى لدرسه. لقد وقّع رئيس إيران، الدولة التي تقف وراء التهديد الباليستي الذي تتعرض له إسرائيل، في 13 كانون الأول 2017، وثيقة تضمنت التالي: "نؤيد قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 4 حزيران 1967، عاصمتها القدس، ونؤيد سلاماً يستند إلى حل الدولتين. وستقرر حدود القدس في مفاوضات...، ونؤيد - كخيار استراتيجي - مبادرة السلام العربية العائدة إلى سنة 2002، والتي تبنتها القمة الإسلامية سنة 2005".
لقد وقّع حسن روحاني الوثيقة أثناء انعقاد القمة الإسلامية في اسطنبول. لكن باستثناء مقال المعلق عكيفا ألدار في الموقع الإخباري "المونيتور"، لم تتطرق وسائل الاعلام الإسرائيلية إلى التغير في الموقف الإيراني، الذي امتنع حتى الآن من تأييد مبادرة السلام العربية. إن هذا التغير ثوري، وهو يعكس أيضا روحية الشعارات التي برزت في موجة التظاهرات الأخيرة في إيران، والتي طالبت القيادة الإيرانية بأن توظف أموالاً أقل في "حزب الله" وفي غزة وسورية، وأكثر من أجل الحاجات الداخلية. من دون العصا التي لدى "حزب الله"، ليس من السيئ أن تتجاهل إسرائيل الجزرة الإيرانية الجديدة، لكن مع وجود هذه العصا، فإن الاستمرار في تجاهل مبادرة السلام العربية عمل غير مسؤول.
عشية حرب "يوم الغفران" اعتقدنا أن وضعنا الأمني لم يكن أفضل من قبل. وهذا ما نعتقده اليوم. ونحن نعرف إلى ماذا انتهى هذا آنذاك. ويمكن هذه المرة أن تكون النهاية أسوأ كثيراً.

عن "هآرتس"
* أستاذ في قسم العلاقات الدولية في جامعة حيفا.

المصدر: بقلم: أوري بار يوسف* -