قصة قصيرة: أبو شلبي ... والحيَّة

بقلم: عبد الحليم أبوحجاج

(1-17)

مالت الشمس إلى الغروب تجُرُّ وراءها أذيالها والقمر يطاردها ولا يُدركُها، فيتوقَّف عن ملاحقتها لاهثَ الأنفاس وقد حفَّت به النجوم اللوامع تتضاحك منه وكأنها حبَّات لؤلؤ في جِيد حسناء غانية، ويبتسم ثغر السماء ويزفُر بطِيب الرياح المُعَبَّق بأريج الأزهار البريَّة. فيسكُن الليل وبسكونه وسكوته يسبت الأحياء ويهجعون، فتُضاء مضارب الحي بالنور الإلهي، وبألسنة النيران في المواقد التي يتجمَّع حولها أبناء العشيرة في مقاعد شيوخهم، بينما تصارع القناديل الزيتية عتمة الأخبية التي يسكن فيها الوادعين من النساء وصغارهن.

   جلس أبو شلبي أمام خِبائه في ليلة تأخر فيها القمر عن إرسال ضيائه، وكان كل شيء حوله ينبئ عن هدوء أهل الكهف، فأحس هَمَّاً ثقيلاً يجثم على صدره، وانتابه حُزن دفين حين شعر بمنغِّصات الحياة اليومية، فأخذ يسيح في تفكير عميق، يقلِّب الرأي في هذه الحياة القاسية التي يحياها مع زوجه مريومة وولده شلبي وابنته غزالة. وكان يتألم لحالهم الفقيرة، ولما كان يراه عليهم من ثياب بالية مرقَّعة، ويتألم أكثر من هذا الشُّح في مدخول المال الذي لا يسدُّ حاجة الإنفاق وتوفير الاحتياجات اليومية من طعام وشراب وملبس. وشرد عقله يجول في متاهات الفكر، فتأمَّل في أحواله المهلهَلة مقارنةً بالآخرين من أهل الحي، فأيقن أن الأرزاق مُقدَّرة من عند الله-سبحانه، ورأى أنه في معاشه أفضل من غيره، وغيره أفضل منه، فالناس طبقات. وعزم على أن يحاول مضاعفة العمل وبذل الجُهد لتحسين معيشته والانتقال من حياة الكفاف إلى حياة الكفاية. ولكن كيف يكون ذلك؟ إنه ينشد الحياة الرغدة، ويُؤمِّل نفسه بالثراء الذي لا يعرف طريقه، فهل يسرق؟ هل يخون ولي نعمته؟.        

أحس بالإرهاق الجسدي والنفسي ، فقام من مكانه، ونفض بيديه ما علق بثوبه من غبار وعفار، وطوى بقايا حصيرة مُرَقَّعَة، ودلف إلى داخل خبائه، فوجد زوجه وأولاده قد سبقوه إلى النوم، فأدار مفتاح القنديل فانخفض ضياؤه، وألقى بجسده على فراشه ولم تفارقه أفكاره التي سلبت النوم من عينيه، وأقضت مضجعه، فأخذ يتقلب على جنبيْه ويغلق عينيه، وطال تقلبه على فراشه وهو يستدعي النوم، فلم تُفلح محاولاته إلا بعد أن استنفذ طاقاته؛ وأنهكه التعب الذي أطاح برأسه وغفا. ولكن أحلامه المزعجة تقتحم عليه نومه وتعطيه ما يتمناه من مال وثراء. 

   صاح الديك معلناً ولادة يوم جديد، فأيقظه من نومه، فنهض وتوضأ فصلى، وتناول ما تيسر من طعام الإفطار، وحين تهيأ للخروج جاءته زوجه وناولته " صُرَّة " فيها طعام الغداء وقِربة ماء، وخرج أبو شلبي إلى حظيرة الأغنام يسوقها إلى بئر القرية فسقيها ثم يسوقها إلى أرض فسيحة ترعى ما تركته مناجل الحاصدين من أعواد وسنابل القمح والشعير، وحين يصل إلى المراعي يترك أغنامه ترعى وترتع على سجيتها، ويتخذ لنفسه مكاناً على تلة عالية بحيث يمكنه احتواءها ومتابعتها بناظريْه . كان يسأم ويصيبه الملل، فيتحايل على ساعات النهار في أيام الصيف الطويلة، ويقضيها بين نيام وقيام، ويُسرِّي عن نفسه باللعب على الشبابة بألحان شعبية موروثة. وما إن يحل المساء وتُهرع الشمس إلى مخدعها يلملم أبو شلبي أغنامه ويعود بها إلى حظيرة صاحبها الشيخ عجلان.       

   كان الشيخ عجلان رجلاً ثرياً، واسع الثراء، إذ بسط الله له في رزقه، وأتمَّ عليه نعمة الصحة والمال والولد، وقد ضمَّ أبا شلبي وألحقه في خدمته لما أُذيع عنه إخلاصه وأمانته وحرصه على مال مخدومه، فاستخدمه راعياً لأغنامه بأجر زهيد يكفيه سؤال الناس. ولم يكن الشيخ عجلان يبخل على مخدوميه بالعطايا والمكرُمات الماليه والعينية في المواسم والأعياد والمناسبات الاجتماعية التي تُلِمُّ بداره. كان أبو شلبي يعيش في كنف سيده وحمايته ورعايته دونما نكد أو تنغيص، حياة هادئة ولكنها لم تكد تخلو من هَمِّ واضطراب بسبب الفاقة برُغم ما كان يصيب من نعيم سيده ما يسُدُّ الرمق دون كفايته وكفاية أُسرته من الاحتياجات اليومية ومتطلباتها. وكم كان الألم يعصر قلبه ويَحُزُّ في نفسه عنما ينظر إلى زوجه فيراها في ثوبها البالي المُرَقَّع؛ فهي إنْ خاطته من جانب انفتق من جانب آخر، ولكنها تتحايل على رتقه وهي صابرة على حياة الكفاف، وكان عزاؤها أنها تعلم فقر زوجها الذي لم يكن يوماً يبخل عليها بشيء إنْ كان لديه هذا الشيء، فقد خبرته كريماً، وخبرت يديه مبسوطتيْن عليها.

   قالت له زوجه يوماً بعد أن تناولا طعام العشاء:

    - يا أبا شلبي ... ثوبي قد اهترأ بحيث لا ينفع معه رفو ولا ترقيع، وإني لأستحيي منه وأنا بين النساء حين نلتقي على البئر أو حين نجتمع في حوش الشيخ عجلان للعمل.

   ترك إبريق الشاي ولم يكمل صبَّه في الأكؤس الموضوعة أمامه على صينية مصنوعة من سَعَف النخيل، ورفع عينيه ونظر في وجه زوجه، ثم خفضهما، وقال بصوت يشيع منه الأسى والألم:

    - اصبري يا أُم شلبي.

    - إلى متى يا رجل؟.

    - إلى ما بعد العيد.

    - إنه ما زال بعيداً، ثم إني لستُ طفلة لتشتري لي في العيد ثوباً جديداً.

    - ليس هكذا يا امرأة، وإنما بالعيدية التي يُعطينيها الشيخ عجلان أشتري لكِ ولابنتنا غزاله ولشلبي ما تحتاجونه من ثياب، هانت يا اُم شلبي.

    - لو أن الله هداك ووافقت على تزويج غزالة من ابن أخي الشيخ عجلان ، لانتهت مشاكلنا،

وعاشت هي وعشنا نحن معها في بحبوحة بدلاً من هذا التقتير.    

    - البنت صغيرة يا اُم شلبي.

    - البنت كبرت وأنا أُمها، أعرفها أكثر منك.

    - أنا لا أبيع ابنتي مقابل المال.

    - إنه زواج وليس تجارة .

    - أريد صهري من طبقتي ولا يكون أعلى وأكبر مني.   

    - أنت غاوي فقراً.

    - أنا غاوي كرامة.

    - أنسيتَ أنك راعي غنم أم تحسب نفسك شيخ عرب؟.

    - دعينا من هذا الموضوع، وخوضي في حديث غيره.

   قالت تستعطف زوجها:

    - أيرضيكَ حالها وهي شبه عُريانة، أيرضيكَ حال ابنكَ شلبي مقارنة بأترابه، أيرضيك ما نحن فيه من فقر وعوَز.   

    - انتظري الفرج.

    - ومن أين يأتي الفرج إذا لم تسعَ إليه.

    - من عند الله .          

   خيَّم الصمت على الجلسة وأخذ كل منهما يتلهى بشُرب الشاي، وجالت الأفكار في رأسيهما، يختلط فيها الأسى بالتحسر،  وضيق الحال بضيق النفْس، وانبرت أُم شلبي تخاطب زوجها بتودد لا يخلو من تردد:

    - ما رأيك يا ابا شلبي لو أني بعتُ ما يزيد عن حاجتنا من بيض وفراخ صغيرة، واشترينا بأثمانها  ثياباً لي ولغزالة، وبالعيدية القادمة تكسو نفسك وابنك شلبي.

   رفع رأسه إليها بينما خفضت هي عينيها ونكَّست رأسها، وقال مستنكراً طلبها:

    - ومن أين نأكل يا اُم شلبي أنْ أنتِ بعتِ الفراخ والبيض؟. لا يا أُم شلبي...لا.

   وحاولت إقناعه بقدرتها على التدبير والتوفير، ولكنها لم تُفلح.

    - قلتُ لكِ اصبري ولا تُكثري من الإلحاح في الطلب.

   قالت مستسلمة استسلام المغلوب على أمره:

    - فوَّضتُ أمري إلى الله... سأصبر، وسأنتظر العيد كما تريد، وإنْ  كنتُ في ريب مما تأتي به الرياح.

    - استبشري خيراً يا امرأة، وقولي يا رب!.

    - يا رب!.

* * * * *

   خرج أبو شلبي كعادته مبكراً يسوق أغنام سيده إلى مراعيها، وكانت الأغنام سلسة القياد، تعرف طريقها عند الغُدُوِّ والرَّواح، ولم تكن تشاكسه أو تخالف انضباطها بصحبته،  وإنما كانت كلها تنقاد له انقياد الصديق لصديقه، تُنفِّذ رغباته من غير أن تُرهقه، ومن غير أن تضيف له هَمَّاً فوق همومه، تتقاطر أمامه وهو يمشي وراءها في سهومه وإطراقة رأسه  في تفكير متصل. ولم يكن يصيبها بأذى أو يوجعها بعصاه، إذ كان يكفيها منه التلويح بها إلى الجهة التي يريها أن تنسرب فبه. وحين يصل إلى المراعي يتركها تنتشر في ذلك المكان الفسيح الذي تتناثر فيه بقايا الأعشاب الجافة وبقايا السنابل، فيتركها ترعى على سجيتها، ويذهب ليتخذ لنفسه مكاناً فوق تلة رملية عالية، تتبعثر فيه بعض الحجارة الصخرية ، فيقعد في مكان يشرف منه على أغنامه، ويقضي يومه بين قيام وقعود ، وبين إغفاءة لا تطول، وبين يقظة يتخللها تناول طعامه وشرابه، وكلما أحس الملل؛ قضى عليه بالعزف على الشبابة التي لا تفارق حزامه كعادة الرعيان في البوادي.

   في أحد الأيام وكان الوقت عصراً أحس أبو شلبي برغبة في الغناءـ فارتفع صوته الرخيم  يغني :" (جفرا ياهالرَّبِعْ بصيح  دِلُّوني      )

        (غشيم بنوم الحُضُن ياخَلْق دِلّوُني  )

        (وانْ كان مني خَطا في البير دَلُّوني)

        (وقْطَعوا فيَّ الحَبِل كُلُّه جَزا لَيَّا .    )".

   واستحكم فيه الطرب فأمسك شبابته ونظر إلى السماء في هتاف خفي هامس : يارب!. واستغرق في عزفه لدرجة أنه غاب معها عن نفسه، وكان صوت الشبابة يُرَقِّص الحجر الكبير، فإذا بشيء يتحرك من خلف ذياك الحجر الذي لا يبعد عنه سوى بضع خطوات، لم يتبين في البداية حقيقة الأمر لانصهاره باللحن التراثي، ولكن الحجر يتحرك ويرتفع من ورائه شيءٌ يشبه القصبة، فلما استيقن مما يرى تراخت أصابعه عن فتحات الشبابة، وتهدَّل نغمها الشجي، فرفعها عن شفتيه وتوقَّف عن العزف وهو ينظر مشدوها من هذه القصبة التي تتمايل بالرقص على إيقاع ألحانه. مدَّ بصره إلى أمام وحدَّق ملياً فإذا به يُصاب بالذهول ومُلِئ قلبه رعباً، وكاد يولِّي منها فراراً لولا أنها استمهلته بصوت يبعث على الاطمئنان:

    - لا تبرح مكانك يا عزيزي.

   فسألها على خوف منه:

    - مَن أنتِ؟.

    - كما تراني.

    - إنس أم جان؟.

    - لا إنسِيَّة ولا جِنِّيَّة... أنا حيَّة.

    - ولماذا خرجتِ عليَّ؟.

    - أطربني النغم فرقصت.

   ارتعـدت فـرائصه، واصطـكـت أســنانه خــوفـاً، وتحـتَّـم عــليه أن يـدافـع عــن نــفسه من هــذا الخطـر

الذي فاجأه، فـرفع عـصاه وتأهـب لضربها إذا اقــتـربـت منه لإيذائـه، فـقـالـت له بـصوت يبعــث عـلى

الاطمئنان:

    - دعَكَ من العصا، فأنا لا أنوي بكَ شراً... بل خيراً.

    - وماذا تريدين مني؟.

    - أن تستأنف العزف على شبابتك، فلقد سمعتك كثيراً وكنت أتردد بالخروج إليك، ولكني عزمتُ اليوم على الظهور، فإن ألحانك الجميلة أطربتني، واستهوتني أغانيك كثيراً. فنحن– معشر الحيَّات- لا ننسجم إلا مع فنوننا.

    - ومَن يضمن لي سلامتي من أذاكِ؟.

    - لا تخف ما دمتَ لا تبادر بإيذائي.

    - وهل لكُنَّ أمان يا معشر الحيَّات؟.

    - لا يأتي الشر إلا منكم يا بني آدم.

    - أنا لستُ على يقين من تطميناتك.

    - لن يصيبك مني مكروه، اطمئن.    

    - سنرى.

    - ما رأيك أن نتفق؟.

    - على ماذا؟.

    - أن تعزف لي كل يوم لحناً يطربني ويرقِّصني.

    - مقابل كف أذاكِ عني وسلامتي منكِ.

    - بل مقابل ليرة ذهبية بعد كل تشبيبة منك ورقصة مني.

   تراخت قبضة يديه عن العصا حين سمع بالذهب، وتساءل مبهوراً:

    - ماذا تقولين؟!.

   ولم ترد على سؤاله، ولكنها استأنفت قائلة:

    - على أن نتعاهد أمام الله ألا يغدر أحدنا بالآخر.

   رمى أبو شلبي عصاه جانباً، واتكأ على مرفقه وقد عادت الحياة تدب في عروقه من جديد لمَّا سمع هذا العرض المُغري، وكاد يبتسم ولكنه أخفى ابتسامته وقال متشككاً :

    - ومن أين لكِ الذهب أيتها الحيَّة، أم أنك تتوهمين أني أحمق فأُسرع إلى تصديقك؟.

   هزت الحية جذعها وشهقت شهقة أفزعته، فانزوى يختبئ منها وراء حجر كبير بجواره، وراح يراقبها من وراء الحجر، وسرعان ما زفرت ولفظت من فمها قطعة صفراء بلون الذهـب، لها رنين

طروب كرنين الذهب، وتدحرجت بقربه أمام عينيه، وقالت الحية بصوت يحمل الود والصفاء:

    - مُدَّ يدكَ يا أبا شلبي، وخذها  إنها لك... عساكَ أن تُصَدِّق.

   مدَّ أبو شلبي يده بحذر شديد، وعندما أمسك القطعة واستقرت في كفه، أخذ يقلبها وهو غير

مُصَدِّق، وسمعته الحية يقول مندهشاً كمن أصابه مسٌ في عقله:

    - ذهب... ليرة ذهب ... فعلاً ليرة ذهب،(وأخذ يغني وينشد كإنشاد الممثلين على المسرح):

    - " الذهبُ... الذهبُ... يكاد عقلي يَذهَبُ " .

   فابتسمت له الحية، وقالت:

    - سلامة عقلك يا...

   فردَّ عليها بلهوجة:

    - محسوبك : أبو شلبي.

    - يا أبا شلبي.

   - الله يسلمك!

    - هل صدَّقتَ.

   وردَّ وهو ما زال يقلب القطعة الذهبية بين أصابعه، يحاذر أن تسقط من كف يده فتضيع في الرمال:

    - نعم!.

    - إذن، هيَّا نتفق ونتعاهد.

    - فأوما برأسه، ولسانه يقول:

    - نتفق ونتعاهد.

    - لا خيانة ولا خداع.

    - لا خيانة ولا خداع.

    - والله على ما نقول شهيد.

    - نعم، شهيد.

     - الفاتحة.

   وقرأ كلاهما الفاتحة، وكانت فاتحة خير ومودة.

    - إذن، هيَّا أطربني بالعزف على الشبَّابة، وأسمعني لحناً تراثياً يراقصني.    

   وأمسك أبو شلبي بشبابته وأخذ يعزف أجمل ما يحفظ من ألحان، وقد بدأها بلحن " يا زريف الطول": ( يا زريف الطُّول وقِّف تاقلك ... رايح عالغُربة وبلادك أحسنلك .)

         ( خايف يالمحبوب تروح وتتمَلَّك ... وتعاشر الغير وتنساني أنا. )

   فـطربـت الحيَّة أيما طرب ، ورقصت حـتى كادت تــقع من التعــب والطَّرب، وبعـد أن تـوقَّــف أبو

شلبي عن العزف وتوقَّفت الحية عن الرقص، قالت:

    - ميعادنا غداً وكل يوم في مثل هذا الوقت.

    - إن شاء الله.

    - تذكَّر دائما العهد، لا خيانة ولا غدر، ومَن يفعل يلقَ آثاما، ومصيره الموت... أتفهم؟.

    - قولي لنفسكِ أولاً.

    - وأقولها لكَ ، لأن الغدر والخيانة من طبائعكم يا بني آدم.  

   وانسحبت الحية ودخلت جحرها، وحين اختفت عن ناظريه، قام يلملم أشياءه ويتحسس الليرة الذهبية التي لفَّها في مِحرمته ووضعها في جيب قمبازه، واتجه إلى أغنامه وعاد بها إلى حظيرتها. كان بادياً عليه الفرح والسرور، وقد أثار غناؤه في الطريق كثيراً من المارة الذين عَجِبوا له دون أن يعرفوا سرَّه. أمَّنَ الأغنام في مبيتها ، ومال إلى بيته، فرأى زوجه في انتظاره تُعِدُّ له الطعام وتهيئ له مجلسه، فقعد وهو منشرح الصدر، وجاءت بالعشاء وقعدت معه، فرأته متوهجاً على غير عادته، فابتسمت له ولم تسأله سبب انشراحه، ومال ناحيتها وأخذ يغني بما يحفظ من غناء شعبي. فنظرت إليه زوجه بعين الرضا التي لا تخلو من الريبة ، وقالت:

     - ما لك؟ أراكَ على غير ما عَوَّدْتَنا أن نلقاكَ عليه كل مساء؟.

    - الدراهم مراهم تشفي النفوس العليلة يا مريومة.

    -  هذا مثل شائع ، ولم تأتِ بجديد.

    - بل جئتُ إليكِ بخبر جديد وسعيد.

    - قُل وفرِّحني؛ الله يفرِّح قلبك!.   

   تلفَّت يميناً وشمالاً وقال بصوت خافت:   

    - أتحفظين السر؟.

    - سرُّك في بئر، ما هو؟.

    - لدي كنز من الذهب.

   ضحكت ملء فيها، وقالت:

    - حِلْم الجوعان عيش.

    - لا جوع ولا عُري بعد اليوم.

   وسايرته في الكلام تطبيقاً لقول المَثَل" لاحق العيَّار لباب لبدار":

    ومن أين جاءك هذا الكنز يا فالح؟.

    - من الحيَّة.

   قالت بتهكُّم ظاهر:

    - وهل من وراء الحيَّات إلا العضَّات.

   لم يأبه لتهكُّمها، واستأنف:

    - وسآتيكِ منها كل يوم بليرة ذهب.

   فعادت لتهكُّمها وقالت:

    - سلامة عقلك يا زلمة، أراكَ تُهَلْوِس. ( ثم وضعت ظاهر يدها على جبهته تتحسسها، وقالت): - هل أنت محموم؟.

   فهزَّ رأسه وقال: معك حق. ( ثم دسَّ يده  في عِبَّه وأخرج الليرة الذهبية من محرمته، وألقى بها في حِجْر زوجه، وقال):

    - هل صدَّقْتِ؟.

   المفاجأة أكبر من قدرتها على الاحتمال، فوجمت وانعقد لسانها، وامتدَّت يدها بحذر شديد وبحرص أشد، وحين استقرت الليرة الذهبية في يدها أخذت تتحسسها وتقلِّبها، فزاغ منها البصر وشهقت، وكاد يُغمى عليها، لولا أن زوجها أدركها وردَّها إلى الواقع برشَّة ماء على وجهها، فأفاقت على لسانها يردد في خفوت وهي ذاهلة عن نفسها:

    - ليرة ذهب ... ذهب حقيقي... يا إلهي شكراً لك!.( ثم حين غادرتها المفاجأة وسكنت قليلاً، قالت وهي تتفرَّس في وجه زوجها):- أبا شلبي! من أين لكَ هذه الليرة الذهبية؟.

   قال لها معاتباً:

    - أما زلتِ في ريب مما رويته لك؟.

    - نعم !.

    - إنه رزق ساقه الله إلينا، فاطمئني.

   قالت وهي تُلَوِّح بأُصبع سبابتها في وجهه:

    - أبا شلبي ! إياكَ والمال الحرام.

    - أعوذ بالله...أنا أُدخِل بيتي المال الحرام، وأُطعمكم وأسقيكم من مال حرام.

   ارتاحت أُم شلبي واطمأنَّ قلبها قليلاً، ولكنها عادت إلى سيرتها الأولى من الريبة، وقالت:

    - حدِّثني من طُقطُق إلى السلام عليكم.

   وحدَّثها عما كان وجرى بينه وبين الحيَّة من طُقطُق إلى السلام عليكم. ولكنها نظرت إليه بعين الشك من جديد :

    - إني أراكَ قد اختلقتَ قصتكَ لتمررها عليَّ، وتضحك بها على عقلي...(مُحَذِّرة):- أخبرني بالحقيقة  وإلاَّ فضحتك.

   خرج أبو شلبي عن طوره الهادئ، وصرخ فيها:

    - ماذا تقولين يا هَبْلَة! وهل من عادتي الكذب عليك.

   فتراجعت عن قولها بابتسامة، وقالت:

    - ما علمتُ منكَ كذباً قط، فأنت عندي من الصادقين.

   فارتاحت أسارير وجهه، وطابت نفسه لشهادتها فيه، وقال:

    - إذن لماذا ترتابين فيَّ.

   - اعذرني يا أبا شلبي ولا تَلُمِ، نفسي أُصدقك، ولكنَّ قصتَكَ مع الحَّية غريبة وأغرب من الخيال، فلم أسمع يوماً عن حيَّة تختزن في بطنها كنزاً من ذهب، أليست قصتكَ تُذهِبُ العقل يا رجل؟.

     - معكِ حق، وإذا بقيتِ على شكوكك، فلن أذهب غداً إليها، وستكونين السبب في انقطاع هذا الذهب عنَّا، أنتِ مَرَة غاوية فقر ومرمطة.

   أحسَّت غضبه وتبرُّمه منها، فأسرعت أم شلبي تردد بصوت المعتذر:

    - لا ... لا ... يا أبا شلبي، خلاص صدَّقتك، ولا تتخلف عن موعدك مع الحيَّة، فهو رزقنا جاءنا يسعى، فلن نرُدُّه.

    - إياكِ وبَوْح السر لأحد، وإذا سأَلكِ أولادي عن شيء، فلا تخبريهم لئلا يفشوا الأمر لأصحابهم، وقولي إن الشيخ عجلان ضاعف من أجرنا عنده.

    - إلى متى نُخفيه عنهم؟.

    - إلى وقت مناسب، بعد أن أجمع ثروة كبيرة من الحيَّة، حينها لا تثريب علينا إن أطلعناهم على الحقيقة  .

   توقَّفَ لحظة حين سمع زوجه تقول بصوت مفعم بالحب والقلق:

    - ولكن احذرها يا أبا شلبي، واحترس منها، وكن أنت وفياً بعهدك معها، وربنا يحميك!.

   رفع أبو شلبي يديه ضارعاً، وتزامن لسانه ولسان زوجه: 

    - يا رب!.

* * * * *

   ومرت الأيام والشهور وأبو شلبي يأتي لزوجه  كل مساء بليرة ذهبية، فتغيَّرَت أحوال الأسرة ، وظهر النعيم على أفرادها، فلم تعُد أُم شلبي تظهر على النساء بثوبها المرقَّع، إذ ابتاعت لنفسها ولابنتها غزالة ثياباً جديدة ، ولم تنسَ زوجها وابنها شلبي من القنابيز التي امتلأ بها صندوق الملابس، ولم يخفَ ما طرأ عليهم من النعمة التي أخرجت الحسد من مكامنه، وكثر القيل والقال، ومع هذا ظل أبو شلبي على وفائه للشيخ عجلان ولي نعمته، كما كان وفاؤه للحيَّة، فلم يتكبَّر، ولم يخرج من خدمته، بل زادت رعايته للحظيرة، وزاد حرصه بالأغنام التي كانت سبباً في  التعرُّف إلى الحيَّة مصدر ثرائه.

   تكاثرت الأغنام وزادت بركتها، وكان الشيخ عجلان يردد على سامعيه من جلسائه:

    - ما أصابني من خير فمن الله ثم بفضل إخلاص الراعي أبي شلبي وأمانته.

   وذات يوم ناداه الشيخ عجلان، وقدَّم له هدية وقال:

    - يا أبا شلبي، أنت رجل مخلص في عملك، وأمين على مالي، وإني أُكافئك بهذه النعجة،

هدية من عندي.

    - بارك الله فيك ، وكَثَّر الله خيرك.

   وساق النعجة فرِحاً بها، فهي عنده بمثابة وسام على صدره، ولم يسأله الشيخ في يوم من الأيام عن التغيرات التي ظهرت عليه وعلى أهل بيته ، فالأثرياء لا يلتفتون لنعمة الآخرين، ولا يسألون عن أسبابها، وإنما يسأل عنها الجوعى والمحرومون.

   فرحت أم شلبي بالنعجة حين دخل بها زوجها الخباء، وأخبرها عن المكرُمة (العجلانية)، وقالت مبتسمة:

    - ما شاء الله! حين يأتي الخير يأتي من جميع الجهات... لك الحمد والشكر يا رب!.

   وهكذا تنعَّم أبو شلبي وأسرته، فزادت نفقاتهم وكثرت تنقلاتهم، واشترى لأم شلبي حمارة فتيَّة لتنقلاتها الخاصة وهي في زينة لم تُرَ بها من قبل، ما لفتَ إليهم العيون وألسنة الحسد بتآليف القصص عن مصدر هذا الثراء الذي ظهر عليهم فجأة.

   قالت إحدى النسوة لصويحباتها وهن على البئر يملأنَ الجرار:

    - هل سمعتنَّ آخر الأخبار؟.

   فيتساءلن بصوت واحد:

    - خير يا طير.

    - غزالة بنت أبي شلبي ستتزوج من ابن أخي الشيخ عجلان.

   قالت واحدة منهن تُؤَمِن على صحة الخبر.

    - علشان هيك ظهر عليهم الثراء فجأة.

   قالت الثالثة :

    - طبعاً، تلاقيه قبض منهم مبلغاً كبيراً مهراً لابنته، هذا عدا الهدايا.

   قالت الرابعة بلسان حسود :

    - لو كان كلامك صحيح  لسمعنا " الهاهاويات " والزغاريد وطلقات البارود تتصاعد إلى عنان السماء. ولكني سمعت خبراً مختلِفاً.

    - وماذا سمعتِ؟.

    - أن أبا شلبي حرامي ، يسرق من مال سيده عندما يذهب إلى السوق ليبيع بعض الأغنام، فيعطي الشيخ جزءاً من المال ويأكل الباقي، وهكذا دواليك.   

   قالت امرأة تخاف الله وتتقيه:

    - يا ناس حـــرام عــليكـم، لا تـــتــقــولـوا عــلــيهـم، ولا تُردِّدوا ما تسـمعـون دون بيِّنَة، واتـركـوا الـناس

بحالها، والله مُقَسِّم الأرزاق، وكل واحد يأخذ نصيبه.

   وتمضي الأيام على طبيعتها هادئة دون كَدَر، والوفاق موصول بين الحيَّة وبين أبي شلبي دونما خلل، إلى أن جاء يوم مرض فيه أبو شلبي، وأحس بألم في بطنه، فرُؤي يتلوى من شدة

المغص، وتصاعدت الأوجاع  إلى رأسه وهبطت إلى ساقيه، فتراخت مفاصله، وضعفت قوته، فلم يكن قادراً على النهوض من فراشه أو الوقوف على رجليه في ذلك الصباح، حينها تداركته المصيبة وعزَّ عليه أن يتباطأ أو يتغيب يوماً عن موعده مع الحيَّة، وكان يُحزنه تفكيره في فقدان الليرة الذهبية التي يحصل عليها عصر كل يوم، فتنبَّه أن الوقت يمر بسرعة وأن العصر قريب، وجالت الأفكار في رأسه يريد حلاً، فتمنى لحظتها لو أن امرأته تجيد العزف على الشبابة لقُضي الأمر وظل السر دفيناً، وأخذ يفكر حتى أعياه الفكر وأضناه  المرض، وصحا يقول لنفسه دون سابق تخطيط: الحل بيد شلبي.

   أرسل غزالة تستدعي أمها من حوش الشيخ عجلان حيث تعمل هناك، ولمَّا حضرت في الضُّحى ورأته على حالة شديدة من الإعياء، قامت لتحضير الدواء من الأعشاب التي تُجيدها ولكن بلا فائدة.

   انتصف النهار والعصر يزحف بطيئاً ولكنه قادم، وليس هناك مجال للتأخير،  فشاوَر امرأته وهو يئن تحت سطوة المرض:

    - نحن في ورطة يا مريومة، فإما أن أذهب إلى لقاء الحيَّة وإما أن تضيع الليرة الذهبية، وينتقض العهد، وقد تتحوَّل الحيَّة إلى أحد الرعيان الآخرين ليحِلَّ محلي.

    - وماذا ستفعل وأنت لا تقوَ على المشي بضع خطوات؟.

    - هناك حلٌّ واحد وحيد.

   قالت متلهفة على سماع هذا الحل:

    - ما هو؟.

    - شلبي.

   نزل عليها اسم شلبي كالصاعقة، فقالت:

    - إن به لنزَق، وإني لأخشى عليه من نفسه الأمارة بالشر.

    - ليس هناك غيره ، فهو عازف ماهر على الشبابة والأرغول، وإن كنت أعلم بنزقه وطيشه.

    - لا أدري ماذا أقول، الرأي رأيك، والشُّور شُورك.

    - حتى لا يضيع الرزق الذي يأتينا من الحيَّة.

    - لا قَدَّرَ الله.   

    - إذن استدعيه إليَّ فأكلمه.

   أرسلــت أمه في طــلـبه وجـاء ولم يتأخــر، وحـــين قــعــد بجــوار أبـيه راعـه ما رأى من ســوء حـالـه،

فالتفت إلى أمه يسألها عن السبب، أخبرته بما تعرف، ولكنَّ أباه قال له من بين أنَّاته وتوجعاته:

    - شلبي، أريد ان أحدثك حديثاً لم تسمعه مني من قبل.

   توجَّه شلبي إلى سماع أبيه بكل اهتمام، وقال:

    -  تفضَّل يا أبتِ، إني مُصغٍ إليك.

    - يا ولدي، أنت اليوم رجل، وعليك أن تتحمل أعباء البيت من بعدي.

    - أطال الله في عمرك يا أبتِ.(يتوقَّف لحظة): - مُرني بأي عمل أكنْ طوع أمرك.

    - بارك الله فيك.

   تتدخل الأم فتخاطب زوجها برفق:

    - أَوْجِزْ ولا تُطِلْ في الحديث، فإني أراك بحاجة إلى الراحة.                

   نقل شلبي بصره بين أمه وأبيه، وقد شعر أنَّ في الأمر سراً، وقال:

    - أظنكما تخبئان عني أمراً حان أوان إذاعته.

    - يا شلبي! إني مُحدِّثك بسر ما كنت أريد أن أطلعك عليه ما دمتُ حياً قادراً على السعي والعمل. أما اليوم فأراني مُضطراً إلى البوح به لك، ولا أريد أن يطَّلع عليه أحد غيرك.

   تفرَّس شلبي في وجه أبيه، ثم نقل بصره إلى وجه أمه يستقرؤه، ثم أعاده إلى أبيه قائلاً:

    - يا ساتر يا رب. ماذا يا أبتِ ، لقد شوَّقتني وأفزعتني.

    - لقد تساءلت يا شلبي عن اليسار الذي استجدَّ علينا، ولم نخبرك عن مصدره، أما اليوم فقد آن الأوان أن تعرفه أنت وأختك غزالة، وليكن سراً من أسرارنا لا يَطَّلع عليه أحد غيركما. 

    - تفضَّل يا أبتِ.

    - يا ولدي ... إنه رزق ساقه الله إلينا وخصَّنا به دون سائر البَشر، هذا الرزق هو ليرة ذهبية من حيَّة تعيش في جُحر خلف حجر صخري كبير على سفح التلة من جانب الوادي الأيسر.

   قال شلبي باستغراب يكاد يصل إلى عدم التصديق:

    - حيَّة!.

    - نعم، حيَّة.

   كادت تنفلت من بين شفتي شلبي ضحكة استنكار وتعجب، لولا أنه أدرك نفسه فكتمها، وقد داعبه رأي أن أباه يُهلوس نتيجة ما به من الحُمَّى:

   والله ، هذا شيء غريب!.

    - هذا شعور ينتابك لأول وهلة كما انتاب أمك ساعة حدثتها به، ولكنك سترى إنْ قُدِّر لكَ أن ترى.

   التفت شلبي إلى أمه ، فرآها تهُزُّ له رأسها، تحثُّه على التصديق، فقال:

    وماذا عليَّ أن أفعله أكثر من حفظ السر.

    - هذا ما استدعيتك بشأنه، فأنا يا ولدي مريض ويعلم الله كم يطول مرضي أو يقْصُر، لهذا فإني أُنيبك عني بسوق الأغنام للمرعى هناك، واقعد قريباً من الحجر الصخري الكبير على سفح التلة من جانب الوادي الأيسر.

    - وبعد.

    - اعزف على شبابتك بأحلى ما لديك من ألحان، حينها ستخرج إليكَ حيَّة من خلف الحجر الكبير وهي ترقص طرباً ، لا تخف منها ولا تؤذيها، دعها ترقص حتى تتوقف هي ، حينها ستنقدك ليرة ذهبية ثم تنسرب إلى جحرها.

   لوى شلبي شفته السفلى عَجباً ، فلو لم يكن المتحدث أباه لكذَّب بالحكاية، كما أنه لو لم تكن أمه حاضرة  لقال إنَّ أباه يهذي. وعاود الأب مُحذِّراً:

- إياكَ ... ثم إياكَ! أن تتعرض لها بسوء، فإنَّ للحيات  قدرة فائقة على استلهام النوايا التي في الصدور، فتؤذيك وينقطع عنا هذا الرزق الذي ساقه الله إلينا.  

   ليس لشلبي إلا الإذعان ، فقال مُكْرَهاً:

    - حاضر يا بتِ سأذهب وأفعل كل ما أمرتني به.

    - جهِّز نفسك، فقد اقتربت الساعة.

   أعقبت أُمه تستعطفه وتتودَّد إليه:

    - احترس يا ولدي، ولا تكن كالذي قتل نفسه.

*****

   ساق شلبي أغنامه، يحمل صُرة طعامه ويتوشَّح بشبابته في خاصرته اليمنى بينما يتدلى سيفه من حزامه من جانبه الأيسر؛ وصوت أُمه يُشيِّعه بالحذر والتحذير، حتى انعطف إلى طريق الوادي، ووصل إلى المراعي وترك الأغنام ترعى على هواها، وصعد التلة حسب تعليمات والده، وجاء موعد اللقاء، ميعاد الطرب، وبدأ العزف على الشبابة بلحن أغنية تراثية:

                 "( ليَّه وليَّه يابْنَيَّه ، يا واردا عالميَّا                 )  

                  ( إنتِ الجمال بهواكِ ، وارخِي الدلال عليَّا         )

                  ( قُومِي العبي ما بلعب ، من كُتر اشغالي بتعب  )  

                  ( والله لارُوح عالمركب ، واعمل ريِّس بحريَّة      )

                  ( قُومِي العبي فَرد وجوز، يا معَتَّره مالك جوز     )

                  ( بِيعِي الفرشِة واشْتريلِك جُوز ، يدفيكي بالشتويَّا. )".

   وبينما كان مشغولاً في إخراج أحلى النغمات كانت عـينه عـلى الحجر الكبير كما وصفه أبوه،

الذي بدأ يتحرَّك وترتفع من ورائه الحيَّة تتمايل طرباً واغتباطاً، وظل شلبي يعزف ما دامت الحيَّة ترقص، ولم يتوقَّف إلا بعد أن توقَّفت الحيَّة من بعد تعب شديد. قالت:

    - أين أبو شلبي؟.

    - أنا شلبي ابنه.

    - أين أبوك؟.

    - مريض، وقد أرسلني نيابة عنه لإسعادِك، مُحمَّلاً بالسلام إليكِ.

    - شفاه الله ، خُذ أجرك، وإلى اللقاء.

   لفظت الحيَّة من فمها الليرة الذهبية ودخلت جُحرها، وزاغ بصر شلبي من بريق الذهب

المتوهج، واقترب شيئاً فشيئاً وتناول الليرة بحذر وهو بين  مُصدِّق ومُكذِّب ، ثم بعد أن هدأت نفسه قام يلملم أشياءه وشياهه، وعاد بها إلى ديارها.

   كانت أُمه تنتظره قلقة على باب البيت عندما قدِمَ إليها مبتسماً مسروراً ، وتلقَّفته هي الأخرى بالسرور والحبور بعودته سالماً ومعه الغنيمة، ودخلا الخباء حيث يرقد أبوه، فأخرج الليرة ووضعها في كف أبيه الذي ناولها الأخير إلى زوجه، وأتبع قائلاً:

    - ألم أقل لكِ إن شلبي أصبح رجلاً يعقل، فلا تخافي عليه.

   مضى على لقاء شلبي بالحيَّة ستة أيام دون مشكلات أو عراقيل، وقد أنس كلاهما للآخر، وشاع بينهما الاطمئنان. وفي ليلة اليوم السابع طرأت على عقل شلبي فكرة جهنمية استبدت به فأخذ يُقلبها على وجوهها المتعدِّدة وهو على فراشه يتقلَّب، ذلك أنه قرر أن يُعفي نفسه من تعب المشوار كل يوم من غير أن يُحرَم الليرة الذهبية، وقال لنفسه : لو أني قتلتُ الحيَّة لحصلتُ على الكنز كله، فهو إما في جرابها وإما في جحرها. فكَّر ملياً وخطط واستعدَّ للتنفيذ، واطلق في اليوم التالي لملاقاة الحيَّة ، وما إن وصل إلى المكان المعهود حتى قعد وجرد سيفه من جرابه، ومدَّده أمامه، وانطلقت نغمات شبابته تستخرج الحيَّة  فخرجت تتراقص على أنغم الدلعونا:"

                              ( على دلعونا على دلعونا     )

                              ( يا ليلي طَوِّل ع اللي يحبونا )

                              ( يا ليلي طَوِّل عالاسمراني   )

                              (أسمر سباني بغمز لعيونا.   )".

   رمت الحيَّة من فيها الليرة الذهبية ، فالتقطها شلبي مسرورأ وعينه على السيف، وسألته:

    - كيف أبوك؟.

    - بخير.

    - وهل أنت راضٍ عني يا شلبي؟.

    - ما دمتِ أنتِ راضية عني يا عزيزتي.

    - هل يعجبك بريق الذهب؟.

    - إنه يعمي البصر.

   ضحكت وقالت:

    - هل تأمرني بشيء؟.

    - سلامتك.

    - سلِّم على أبيك، إنه رجل صادق أمين.

   وبينما كانت تودِّع بالانصراف، صاح فيها وهو يشير إلى ما خلفها:(احذري أن تصيبكِ

العصا)، وما إن التفتت إلى الخلف لتتلقى ضربة العصا الوهمية، حتى عاجلها بضربة من سيفه فقفزت إلى أعلى، فقطع السيف جزءاً من ذنبها، وحين أحست الخطر يتهددها،  كانت أسرع من سيفه، إذ قفزت بقوة إلى عنقه وانقضَّت عليه تفرغ سمها في دمه، ومات شلبي، ولملمت الحيَّة جراحها، ودخلت جُحرها. 

   غابت الشمس... الليل أرخى سدوله وعمَّ الظلام على مضارب الحي كله، ومضى من الليل ثلثه ولم يعد شلبي ، بل عادت الأغنام بدونه. هنا ساور أباه الوسواسُ الخناس، وأظهر قلقه على ابنه، ولكن زوجه كانت تُهدِّئ من روعه وتخفف عنه قلقه:

    - لا تقلق يا أبا شلبي وتُقلقنا معك، إنه ابني وأعرفه جيداً،، تراه أوصل الأغنام فقابله بعض الصحاب يغرونه بالخروج معهم إلى مواطن اللهو والسمر. إنه سيعود.

   لم تنم الأم ليلتها وهي تتقلب على فراشها، وكلما سمعت نبأة قامت وقالت: إنه شلبي، إلى أن غلبها النوم فنامت. أما أبو شلبي فمن أين له أن ينام ، فقد بقي سهران في جفن الليل يتوجع من آلامه، وينتظر أوبة ابنه إلى أن صاح الديك معلناً ميلاد يوم جديد، قام فتوضأ فصلى وخرج قبل أن تخرج الشمس من مخبئها، وحمل عصاه يتوكأعليها  ومشى في طريقه إلى جانب الوادي حيث تقيم الحيَّة، وما إن وصل إلى المكان المعهود رأى شلبي ممدداً على ظهره يحسبه الرائي نائماً، ذلك أنه طريح الرمال دون دماء أو أي مشهد عنف فيه، اقترب منه وركع بجواره يحرِّكه ولسانه يتلعثم:

    - شلبي... شلبي... قُم يا ولدي، لقد أضحى النهار.

    - شلبي مات يا أبا شلبي.

   التفت جهة الصوت فكانت الحيَّة، فسألها مفجوعاً:

    - ماذا تقولين؟!.

    - شلبي مات.    

    - من قتله؟، ولماذا؟ وكيف؟ .

   وقصَّتْ عليه الحكاية بما جرى منه ومنها. وأنهت قولها وهي تشير إلى جسده الممدد:

    - وهذا جزاء الغدر والخيانة. (ثم أشارت إلى الجزء المقطوع من ذنبها تتكاثر عليه أرتال النمل، وقالت حزينة):- أنظر ما فعله بي ابنك يا أبا شلبي؟!.

   بكى أبو شلبي على ابنه، وعلى الليرة الذهبية، وقال من بين نهنهاته:

    - إنه طيش شباب.

    - بل هو الطمع يا أبا شلبي، ولا تمارِ.

   عاد أبو شلبي إلى البكاء بحُرقة، فقد خسر الاثنين : المال والولد، وكلما تذكَّر خسارته الفادحة يشتعل قلبه بكاءً حتى ابتلت لحيته بالدموع ، وتركته الحيَّة يغسل صدره بها، ولكنها قالت بشيء من العزاء:

   - البكاء لا يُحيي الموتى يا أبا شلبي.

   فكَّر أبو شلبي قليلاً وقال في نفسه: " فعلا ، لقد صدقت، ذلك أن البكاء لا يُحيي الموتى،  فماذا أفعل؟ هل أنتقم من الحية؟ وإذا أنا حاولت قتلها وفشلت ، فما النتيجة ؟. لا لا لا، مَن مات  يرحمه الله، المهم التفكير في الأحياء وفي الذهب الذي يُحيي أشباه الأموات من الأحياء.  لقد أخطأ شلبي ونال جزاءه، وعليَّ أن أُصلح ما أفسده، وأن أعتذر لها، عساها أن تقبل اعتذاري" .

    - إني أعتذر لك من فعل شاب طائش،  لم يكن يُحسن تحمُّل المسئولية. ماذا تقولين؟.

   ردَّت الحيَّة ببرود:

    - وماذا تريد؟.

    - المسامح كريم.

    - لقد كنتُ كريمة معكم ، ولكنكم خنتم العهد.

    - إن ما حصل قد حصل ، وهي إرادة الله.

    - طريق الشر ليس من الله، بل من صنعكم.

    - لقد نال جزاءه ومات، وها أنتِ باقية على قيد الحياة.

    - يؤسفني سماع هذا القول من إنسان أحسنت إليه.

    -  ما رأيك أن نفتح صفحة جديدة من العلاقة؟.

    - القصد؟.

    -  أن نبقى أصحاباً، ونجدد العهد بيننا، ونتواصل كما كنا وزيادة.

    - أنا لا أستطيع أن أثق بمن خدعني ، ولو مرة واحدة.

    - جربيني مرة واحدة. ودعينا ننسَ مآسينا ونتصالح.

   هزت الحيَّة ذيلها الذي ما زال ينزف دماً:

    - مستحيل أن تصفو نفوسنا ونتصالح.

    - لماذا ؟.

    - لأنك لن تنسى شلبي ما حييت ، وأنا لن أنسى ذنبي ما بقيت.

   وغـادرت الــمكان وانـسربـــت في جُـحــرها تـاركة الجــــزء الـمـقـطـوع من ذنــبها تـتهاوى عــليه أســراب

الذباب، وجحافل النمل، بينما تكاثرت على جثة شلبي صراخات أُمه وأخته غزالة القادمتين مع هبوب الريح، أما أبو شلبي فقد ظل يخبط رأسه بيديه، ويولول نادباً حظه إذ انتابته حسرتان: حسرة على شلبي الذي ذهب، وحسرة على ضياع الليرة الذهب .***  

للكاتب/عبدالحليم أبوحجَّاج