أقوى ما ورد في بيان "مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس" المنعقد في القاهرة أخيراً، التشديد على أن القدس ليست فقط مجرد أرض محتلة، أو قضية وطنية فلسطينية، أو قضية قومية عربية، بل هي أكبر من كل ذلك، فهي حرم إسلامي- مسيحي مقدس، وقضية عقدية إسلامية- مسيحية، وإن المسلمين والمسيحيين، وهم يعملون على تحريرها من الاغتصاب الصهيوني الغاشم، فإنما يهدفون إلى تأكيد قداستها، ودفع المجتمع الإنساني إلى تخليصها من الاحتلال الصهيوني.
وحينما يحض مؤتمر الأزهر العالمي عقلاء اليهود أنفسهم للاعتبار بالتاريخ الذي شهد على اضطهادهم في كل مكان حلوا به إلا في ظل حضارة المسلمين، ويدعوهم إلى العمل على فضح الممارسات الصهيونية المخالفة لتعاليم موسى عليه السلام، فهذا يعد تحولاً جديداً واضح المعالم، لموقف عربي إسلامي وإنساني يتخذه الأزهر من قضية القدس.
ويلفت النظر في بيان مؤتمر الأزهر التأكيد على وجوب تسخير الإمكانات الرسمية والشعبية العربية والدولية كافة "الإسلامية، المسيحية، اليهودية"، من أجل إنهاء الاحتلال الصهيوني الغاشم الظالم لأرض فلسطين العربية. ولعلها المرة الأولى التي يدعو فيها مؤتمر عربي إسلامي حول القضية الفلسطينية بصورة عامة، وحول قضية القدس بخاصة، إلى إشراك الإمكانات اليهودية في العمل من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ولقد جاءت التوضيحات القاطعة الواردة في البيان في هذا الوقت العصيب الذي بدأت تتعالى فيه أصوات، بعضها مع الأسف عربي، تمعن في تزييف الحقائق التاريخية، بما يعزز الأطروحة الصهيونية التي تلغي الطابع العربي الإسلامي-المسيحي لهذه المدينة المقدسة. فعروبة القدس أمر لا يقبل العبث أو التغيير، وهي ثابتة تاريخياً منذ آلاف السنين، ولن تفلح محاولات الصهيونية العالمية في تزييف هذه الحقيقة أو محوها من التاريخ. هكذا تقول صفحات التاريخ المقطوع بصحته، بينما يردد بعضهم ما يتعارض مع هذه الحقائق قطعياً، ويصل بهم الأمر إلى تشويه شخصية البطل التاريخي صلاح الدين الأيوبي وتزييف تاريخه، وهو الذي حرر القدس من الاحتلال الصليبي الغاشم.
بهذا المنطق المتماسك، وبهذا الفهم المتفتح، يكون الدعم المعنوي القوى للشعب الفلسطيني، وتكون نصرة القدس، بالمفهوم العميق الفعّال للنصرة.
والواقع أن من الأهداف الرئيسَـة لهذا المؤتمر العالمي استعادة الوعي بالذات، واستعادة الوعي بحقائق التاريخ والجغرافية، واستعادة الوعي بضرورة الحضور المؤثّر في الساحة الدولية لنصرة قضية القدس وتحقيق السلام العادل، في إطار الشرعية الدولية.
ومن المؤكد أن استعادة الوعي حركة فاعلة ومؤثرة يقوم بها أصحاب الأرض المحتلة أساساً، ويقف إلى جانبهم ويؤازرهم ويساندهم المسلمون وأنصار الحق والحرية والسلام في مشارق الأرض ومغاربها، بمن فيهم اليهود من أنصار السلام.
وتتعدد مجالات العمل هنا من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير، من خلال مناهج التربية والتعليم، وبرامج الإعلام والتوعية، وأنشطة منظمات المجتمع المدني، وتحركات المنظمات العربية والإسلامية والدولية. ولكي ينجح هذا المسعى في تحقيق أهدافه، يجب أن ينتهي الخلاف بين الأطراف الفلسطينية، وأن تتوحد كلمتهم وتتراص صفوفهم.
وقد وردت فقرة في بيان مؤتمر الأزهر تستوقف القارئ، جاء فيها "مع حض أصحاب القرار السياسي في العالمين العربي والإسلامي على دعم ذلك كله (أي إجراءات حماية الشعب الفلسطيني)، من دون اتخاذ أي إجراء يضر بالقضية الفلسطينية، أو يصب في التطبيع مع الكيان المحتل الغاصب". وهذا يعني الـرد الموضوعي على ما يروج له تحت مسمى "صفقة القرن" المشبوهة، والتأكيد على الحقوق الشرعية والتاريخية للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ومنها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.
إن بيان مؤتمر الأزهر هذا يطرح مفهوماً حديثاً لنصرة القضية الفلسطينية، ولنصرة القدس، وهو بذلك جدير بأن يكون وثيقة عمل على المستويات كافة، الرسمية والشعبية، لجعل العام الحالي 2018 عاماً للقدس الشريف، وهو اقتراح الأزهر الذي اعتمده المؤتمر.
عبدالعزيز التويجري
* أكاديمي سعودي
