يقطن منزلا اقرب للقصور في احدى كبريات المدن، انه نجل احد الاثرياء من ابناء الطبقة "المخملية"، شاب على اعتاب الثلاثين من العمر، يدير شركة تعود ملكيتها لوالده رجل الاعمال، مستهترا غير مبال بقيم او اخلاق، تشهد افخم المقاهي والمطاعم بكبرى المحافظات السياسية والاقتصادية عليه، استهواه الاستهزاء بمشاعر الآخرين خاصة العاملين في الشركة التي يديرها.
بمكتبه داخل الشركة تلقى اتصالا هاتفيا من والده رجل الاعمال مبلغا اياه بموعد قدومه من السفر، انهى الشاب حديثه مع والده بإخباره انه سيكون في استقباله بالمطار في الموعد المحدد، بعدها بلحظات دخلت عليه السكرتيرة لتبلغه عن بدء اجتماع اللجنة المكلفة لاختيار مديرا اداريا لقسم المشتريات بالشركة، حيث كان المنصب شاغرا منذ فترة بعد ان قام بفصل المدير السابق متهما اياه بالإختلاس، علما ان هذا المدير الذي تم فصله كان من الأكفاء وكافة العاملين في الشركة يعلمون انه انسان شريف وبريء من تهمة الاختلاس، ويعلمون جيدا ان هذه التهمة تم تلفيقها له من قبل صاحب الشركة بعد اعتراض الاخير على احدى الشركات التي تورد بعض المواد والمستلزمات بعد اكتشافه لتلاعب بالاسعار باتفاق مع صاحب الشركة.
وبالعودة الى اللجنة الخاصة تم اجراء المقابلات مع المتقدمين للوظيفة، فوقع الاختيار على احد المتقدمين، خاص انه شاب ذو ملامح طيبة، حديث التخرج، ولا يملك الخبرة الكافية في مجال العمل وذلك للتأكد من انه لن يعترض على ما يامره به.
مرت الايام وجاء موعد قدوم والده من السفر فركب سيارته متجها نحو المطار لاستقباله، وما هي الا لحظات بعد وصوله حتى خرج والده من احدى البوابات فحمل حقائب والده وانطلقوا نحو المنزل، وفي الطريق سأله والده عن امور الشركة كيف تسير، فقال: انها على خير ما يرام وقد قمت بتعيين مديرا جديدا لقسم المشتريات، بعد ان قام المدير السابق باختلاس المال، فقال له لما لم تخبرني، فقال له الا تثق بي يا والدي، سأعرفك غدا على المدير الجديد انه شاب كفؤ وطيب، ولا يرفض ما يؤتمر به.
في صباح اليوم التالي نادى الشاب على المدير الجديد وادخله الى مكتب والده وقال ياوالدي انه المدير الجديد، فالقى التحية عليه، وقال له تفضل بالجلوس، حيث كان الوالد يرغب باجراء حديث مع المدير الجديد ليرى مدى كفاءته، وبينما كان يوجه بعض الاسئلة، جاءه اتصال فالتقط الهاتف للرد فكان المتصل صديقه الوزير، فاشار بيده الى ابنه والمدير ان يذهبوا.
واكمل الوالد حديثه مع صديقه حيث ابلغه انه استطاع ان يرسي العطاء الخاص بتوريد مستلزمات الوزارة من اثاث لشركته، ففرح وقال له لا اعرف كيف اكافئك ايها الصديق فقال له بنفس المكافأة المعتادة والمتفق عليها بيننا يا صديقي ، وضحك الاثنان، وانتهت المكالمة، وبعدها قرر التوجه للمنزل حيث شعر ببعض الارهاق مبلغا سكرتيرته ان تخبر ابنه ان يترأس الاجتماع الخاص بالموظفين بدلا منه.
نفذت السكرتيرة ما طلب منها، مبلغة الابن ان الاجتماع سيبدأ بعد قليل، فخرج الابن الى قاعة الاجتماع فاذا بالممر فتاة فائقة الحسن والجمال تسأل عن مكتب المدير الجديد، فقال لها سيدتي ماذا تريدين منه؟؟ فقالت انا زوجته وجئت لاخبره ان والده مريض وادخلناه الى المشفى، حاولت الاتصال عليه لكن هاتفه يشير انه مغلق.
فقال لها لحظة من فضلك انا المدير العام لهذه الشركة، سآتي معك لأدلك على مكتبه، فنادى على السكرتير قائلا لها ان تؤجل الاجتماع لموعد آخر، وسار مع زوجة المدير الى مكتب زوجها ودخل عليه فقال لها ما الذي اتى بك الى هنا، هل حدث مكروه ما ، فاخبرته ان والده في المشفى، فاستأذن من الشاب لان يخرج لرؤية والده، فقال له طبعا وانا سآتي معك لأطمئن عليه ايضا، وسأقلكما في سيارتي، في حقيقة الامر كان يرغب في كسب مزيد من الوقت للبقاء والتعرف على الزوجة الجميلة، فهو لم يكن ليهتم بصحة أي انسان.
اصبح المدير الجديد من المقربين لذاك الشاب واخذ يغدق عليه بالاموال، واصبح مداوما على زيارته في منزله، وقام يتعيين زوجة المدير الجديد في وظيفة في الشركة براتب مغر، متذرعا الطيبة امام الزوجين، فلا يدري احد ما الذي يدور في خلد هذا الشاب المستهتر باعراض الاخرين.
مرت خمسة اشهر على تعيينه في منصب المدير، استدعاه على مكتبه قائلا له يا صديقي بحوزتي خبر سيفرحك وسيجعلك من الاثرياء، فضحك وقال له ما زالت الحياة امامي وصراحة لا اطمح لاكثر مما انا عليه، يا صديقي الا ترغب بسماع الخبر، ستحصل على ثلاثة اضعاف راتبك ومكتب فخم وسيارة ولكن يجب عليك ان توافق على ان تعمل في فرع الشركة في الخارج، ولكن ،، لكن ماذا يا صديقي؟؟ اتريد ان تحرجني مع والدي بعد ان اخبرته انك الشخص المناسب لادارة فرع شركتنا، لا عذر لك ستذهب، لقد اخذنا الكلام لقد قرر والدي زيادة راتب زوجتك لتفانيها في العمل واخلاصها، والسفر سيكون خلال ايام، لذا عليك ان تجهز كافة الاوراق الخاصة بك من اجل السفر.
خرج من المكتب ودخل على مكتب زوجته واخبرها بما دار ففرحت وقالت انها فرصة لن تتكرر، فقال لها حسنا، ولكن على ان نسافر سوية،ساذهب الى المدير واخبره لا اعتقد انه سيرفض فهو اصبح صديقا لنا وانا اعتبره مثل شقيقي، طرق باب الغرفة ودخل الى مكتب المدير واخبره انه موافق على السفر لكن اذا كان بالامكان ان تنضم زوجته الى العمل معه في فرع الشركة بالخارج، فقال له لا مانع من ذلك لكن ليس خلال هذه الفترة، فانت بحاجة الى ان تنظم امورك هناك، وبعدها بامكانها اللحاق بك، فرح وقال له حسنا استأذنك بالمغادرة انا وزوجتي حيث انني ساقوم بتجهيز ما يلزمني للسفر، فقال له لك ذلك.
مرت الايام بلمح البصر، وقال بينه وبين نفسه يا الله غدا يوم السفر سأذهب لزيارة والدي لاخبره بقراري بالسفر.
ابتسم لابيه المريض، فقال والده اتبتسم خوفا من غضبي عليك، لماذا لم تأتي لزيارتي؟ فقد انتظرتك طويلا ..
حسنا يا ابي، لقد تأخرت عليك من اجل تجهيز بعض الاوراق الخاصة بي من اجل السفر، وها أنا جئتك اليوم مودعا فغدا ستقلع طائرتي، فقال له والده: ان امرك لغريب الم تخبرني بزيارتك السابقة لي ان وظيفتك الحالية جيدة وانك تتقاضى اجرا مرتفعا، كما ان زوجتك تعمل معك بنفس الشركة فلما السفر يا ولدي، وكيف ستترك العمل بوظيفتك الحالية وتذهب للعمل بوظيفة اخرى قد لا تكون افضل من وظيفتك الحالية.
لا يا ابي لن اترك وظيفتي الحالية، فأنا سأشغل نفس الوظيفة بالخارج ، فالمدير العام في الشركة التي اعمل بها هو من رشحني للعمل في الخارج في احدى افرع الشركة في الخارج، وسيكون راتبها اضعاف ما اتقاضاه وانا هنا، لكن .. لكن ماذا ياوالدي ،يا بني يساورني خوف عليك وعلى مستقبلك من السفر الا انني اتمنى لك التوفيق..
عذرا منك يا والدي، انت انسان دائم الشعور بالانزعاج والقلق وما فتئت يوما تحاول ان تنقل لي هذا القلق، خاصة عند ذكر أي امر يتعلق بالمدير العام في الشركة التي اعمل بها لماذا يا والدي؟؟..
ولدي اعلم مدى انزعاجك من قلقي المتزايد عليك منذ ان كنت طفلا، بداية يا ولدي انا لم اشعر بارتياح تجاه هذا الشخص منذ ان جئت به لزيارتي وانا في المشفى، وهذا الشعور تملكني منذ اللحظة الاولى لرؤيته ، فهو لا يظهر ما يبطن بداخله، انه شعور الاب يا ياولدي، ولي من الخبرة في هذه الحياة ما جعلني مؤهلا وقادرا على اصدار حكمي تجاه أي شخص بمجرد النظر الى وجهه، متنمنيا من الله ان اكون مخطئا، وان يكون مديرا جيدا وصديقا وفيا.
ولقلقي المتزايد عليك يا ولدي ايضا سبب آخر وهو الخوف من ان يسيطر عليك حب المال، فتتنازل عن المبادىء التي التي تحملها وترعرعت عليها، يا ولدي اتمنى لك التوفيق، فنهض والده معانقا اياه، مرددا في نفسه اللهم اني استودعتك ولدي.
جاء الموعد المحدد للسفر، قام بوداع زوجته واستقل سيارة اجرة الى المطار..
هنا بدأت ملامح الخطة التي رسمها ذاك الشيطان نجل الثري بالظهور حيث بدأ التقرب الى زوجته ونصب شباكه حولها فوقعت بها، واخذ يغدق عليها بالمال، تشهد عليهما شوارع المدن التي جالوا فيها بسيارة المرسيدس الفارهة.
اخبر والده بانه واقع في عشقها ويرغب بالزواج منها فقال له والده، اعلم انك على علاقة بها، فكيف تريد الزواج منها، وانا اعلم بانك ستتركها كغيرها، لا يا والدي ان الامر مختلف فهذه هي المرة الاولى التي اعشق بها امرأة بجنون، وعليك ان تساعدني يا والدي، وكيف ذلك قال الوالد، قال يا ابي يجب الضغط على زوجها من اجل ان يوافق على الطلاق، وهذا الامر سأتركه لك وعليك ان تساعدني، خاصة انها رفعت دعوى في المحكمة للحصول على الطلاق.
علم الزوج بطلب زوجته الطلاق من والده فغضب غضبا شديدا واصر على رفض طلب زوجته، وغادر عائدا الى ارض الوطن، فاستقبله والده وقال ما الذي حدث يا والدي لتطلب الطلاق، فقال له يا بني انها على علاقة بالمدير العام للشركة التي تعمل بها، فجن جنونه فامسك والده يده صارخا في وجهه محاولا تهدئته، وقال له غدا سنذهب الى المحكمة لتلقي عليها يمين الطلاق، فقال لا لن اطلقها، وابعد يد والده وخرج باتجاه مقر الشركة ودخل على غرفة المدير العام وحاول الاعتداء عليه، فحضرت الشرطة واعتقلت الشاب.
وبالسجن دخل الوالد الثري صاحب الشركة وقابل الشاب وقال له: لك حرية الاختيار اما الطلاق واما البقاء خلف القضبان، فلا تنسى انك موظف غير نزيه، فقد قمت بسرقة اموال الشركة في الخارج، وهذه تهمة ستزج بها بالسجن لسنوات، انها مكيدة احيكت ضد الزوج بدهاء، فقام بتطليقها، واصبح اسيرا لزجاجات الخمر.
بقلم/ حسن عجوة
