“ثأر تشرين“ في خدمة دبلوماسية الصواريخ

بقلم: مركز أطلس للدراسات

"ثأر تشرين" هو الاسم الذي أطلقته حركة الجهاد الإسلامي على قصفها للمستوطنات من مساء الجمعة حتى صبيحة السبت، وذلك بعد جمعة دامية سقط خلالها خمسة شهداء برصاص قناصة الجيش أثناء مشاركتهم في مسيرات الجمعة الأسبوعية، وقد جاء في بيان حركة الجهاد - التي أعلنت مسؤوليتها عن تبني أكثر من خمسة جولات من القصف الصاروخي على المستوطنات القريبة من قطاع غزة - أن "المقاومة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار قتل الأبرياء بدم بارد من جانب الاحتلال الإسرائيلي، واستمراء سفك دماء المدنيين السلميين، وهي التي التزمت طويلًا بضبط النفس تقديرًا للجهود التي بذلت وتبذل لتثبيت وقف إطلاق النار. لقد حذرت المقاومة مرارًا من تكرار استهداف المدنيين، لكن الاحتلال لم يحترم القوانين والأعراف، وواصل تلاعبه بحياة الناس في ظل حصار مستمر".

لكن السؤال الذي أشغل بال المتابعين أن حركة الجهاد وبقية فصائل المقاومة صبرت كثيرًا على تغول الاحتلال ضد المتظاهرين، وفضلت تحييد السلاح الصاروخي لصالح التصعيد الشعبي المتنوع الأشكال والوسائل؛ فلماذا اختارت حركة الجهاد الثأر للشهداء في اليوم التالي لتسريب ما اعتبر بأنه اتفاق تهدئة نجح المصريون في التوصل إليه، ويقضي بتخفيف الحصار وتحويل رواتب للموظفين المدنيين وتحسين الكهرباء وتشغيل آلاف العمال، مقابل وقف البالونات وتخفيف حدة المسيرات؟ وهل انفردت الحركة بقرارها التصعيدي؟

دولة الاحتلال من جانبها سارعت إلى استغلال إعلان حركة الجهاد مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ باتهام إيران بالسعي لإشعال المنطقة ردًا على زيارة نتنياهو إلى سلطنة عمان، وتعطيلًا لمسار التهدئة. أرادت إسرائيل من ذلك صيد أكثر من عصفور بحجر واحد، شيطنة إيران والتغطية على الإحراج والارتباك الذي سببه لها إطلاق الصواريخ عبر مقارنته بالإنجاز السياسي الكبير لنتنياهو بزيارته التاريخية لسلطنة عمان.

ولكن، هل "ثأر تشرين" كان ثأرًا للشهداء الذين سقطوا يوم الجمعة ولم يكن مخطط له مسبقا؟ رسالة سرايا القدس التهديدية للعدو، التي نشرتها عبر مقطع فيديو بعنوان "لا تختبروا المقاومة"، يوم الاثنين، تشي بأن قرارًا مسبقًا ربما اتخذ بالتصعيد زاوج بذكاء بين ما هو خاص وعام، بحيث يخدم التصعيد الموقف الفلسطيني المقاوم والرادع للاحتلال، ويخدم بذات الوقت حركة الجهاد، وربما كان اسم العملية "ثأر تشرين" ثأرًا وتذكيرًا باغتيال مؤسس الحركة الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا في 26 تشرين 1995، والذي أصبح ذكرى انطلاقة الحركة، وبالمناسبة فقد انتهت الحركة من وقت قريب من انتخاباتها الداخلية للمكتب السياسي وانتخاب أمين عام جديد لها، لكننا نعتقد ومع كل الاحترام لوزن هذه الأسباب، ما كان من الممكن لها وحدها أن تشكل سببًا يدفع حركة الجهاد - وبما تحظى به من وزن وفعالية وعلاقات وتقدير محلي، وعلاقات ثنائية قوية وعميقة مع حركة حماس، وإحساس بالمسؤولية - بأن تنفرد بإطلاق صواريخ دون الاتفاق عليها، ودون أن تكون أولوية رسائلها تعزيز الردع وتعزيز الموقف الفصائلي في القطاع، الذي يصارع على جبهة مفاوضات التهدئة في ظل ضغط المقاومة الشعبية، ويمكن أن نضيف لها أيضًا في ظل دبلوماسية الصواريخ.

وما يزيد اعتقادنا بأن الحركة نسّقت عمليتها مع حركة حماس، أن تحليل مضمون البيانات والرسائل الإعلامية التي أصدرتها حركة حماس أو جاءت على لسان ناطقيها، ليس أنها لم تحمل أي نقد، بل ولا حتى تلميح خجول بالتحفظ، فعدا عن إدانتها للعدوان؛ حملت رسائل تهديدية واضحة، رغم تمسكها بالسعي لإنجاح جهود التهدئة.

ومن الواضح بتقديرنا أن إطلاق الصواريخ في ظل ما يُشاع من تقدم كبير على مسار التهدئة، لم يكن سلوكًا مجنونًا وعبثيًا وركضًا إلى المجهول؛ بل استثمار لإحجام العدو عن التصعيد بعكس خطابه التهديدي، وإرسال رسائل تؤكد ثبات المقاومة وتصميمها وعدم لهاثها على ما يقدمه، وعزمها على نيل حرية القطاع، وأنها تفاوضه من منطلق القوة، وأنها على استعداد كبير للدخول في جولات تصعيد طالما لم يُستجب لمطالبها.

ويبدو ان تقدير المقاومة الصحيح لإرادة العدو المرتبكة والعاجزة أمام القطاع هو ما أكسبها الثقة بنفسها وبقدرتها على تصعيد خطابها المقاوم، واليوم المقاومة وبمعيار النتائج المتمثلة بردة فعل الاحتلال على صاروخ بئر السبع المزلزل وعلى عملية "ثأر تشرين" تشعر بصحة تقديرها، ويكسبها ذلك ثقة أكبر بقدرتها على تحقيق إنجازات كبيرة، وأن سقف تنازلات العدو فقط سيرتفع أكثر فأكثر، لأن قراره الراهن هو شراء الهدوء بكل ثمن، وبما لا يتجاوز خطوطه الحمراء المتمثلة في حرية الملاحة المائية للقطاع، وبتقديرنا يعود قراره هذا لأسباب كثيره لسنا في معرض تفصيلها هنا، ولكن في مقدمتها سلاح المقاومة وامتلاكها لإرادة القتال، وتفضيل الاحتلال لعدم تشويش مسيرة نجاحاته وعدم الانحراف عن أولوياته وعدم وجود أهداف يستطيع تحقيقها من أي عدوان سوى القتل والدمار وعودة الأمور إلى ذات المربع مرة أخرى وخشيته من النتائج الكلية مثل إظهار إسرائيل العظمى كدولة لا تسطيع أن تحمى مدنها ومراكزها الصناعية والتجارية وظهورها كدولة فقاعة.

من جهة أخرى، فإن عملية "ثأر تشرين" يمكن لحركة حماس توظيفها إيجابيًا في مفاوضاتها مع الوسطاء، على اعتبار أن العملية فضلًا عن الثأر المعلن، تحمل أيضًا موقفًا متحفظًا من حركة الجهاد على المقترح المصري، وأن حركة حماس ليست وحدها من يقرر، وأنها لا تستطيع أن تفرض على جميع الفصائل اتفاقًا لا يمنحنا إنجازات تعادل نسبيًا حجم التضحيات، وهذا ما يسمى بالمعارضة الإيجابية؛ بحيث تمنح حركة حماس القدرة على التملص من ضغوط الوسطاء، وهو ما كانت تفعله إسرائيل عادة، حيث كانت تتذرع بمعارضة بعض أحزاب الائتلاف وبمحدودية قدرة رئيس الوزراء على إقناعها.

ومع كل ذلك، وبعد كل ذلك، سيبقى السؤال الأكبر: هل يمكننا رفع الحصار والإبقاء على مشروعنا الوطني في الحرية والدولة في ظل استمرار حروب الانقسام والاصطفافات الداخلية؟ وأليس ثمة خطر من توظيف هدف ضد الآخر؟!

أطلس للدراسات