بيعٌ وخريف على سطحٍ عربيٍّ واحد!

بقلم: صبحي غندور

ثمانية أعوام مرّت على بدء ما أُصطلح غربياً على وصفه بـ "الربيع العربي"، والذي كان تعبيراً صادقاً عمّا حدث في تونس ومصر واليمن آنذاك، حيث الجموع الشـعبيـة خرجت للشـوارع بمسـيراتٍ سـلميـة مطالبـة بالتغيير السـياسـي، ومن دون أي تدخّلٍ خارجي يٌحرّكها أو ينحرف بها عن مسـارها السـلمي. لكن الحال كان مختلفاً عن ذلك في كلٍّ من ليبيا وسـوريا حيث الحراك الشـعبي فيهما ولد "خريفياً" بسـبب توظيفـه وتشـويهـه لصالح أجندات قوى إقليميـة ودوليـة، وهي القوى التي ساهمت عملياً بإنتاج الظروف المناسبة لظهور الجماعات المتطرّفة من خلال عسكرة الانتفاضات الشعبية والصراعات المسلّحة بين الجماعات التابعة لهذه الجهة أو تلك.

وتزداد الآن لدى معظم العرب حالات القنوط والإحباط ممّا يحدث على الأرض العربية وفي بعض الأوطان من قتلٍ وصراعاتٍ وانقسامات. وهي حالةٌ معاكسة تماماً لما ساد مطلع العام 2011 في المنطقة، حينما نجحت الانتفاضات الشـعبيـة السـلميـة في تونـس ومصر بإحداث تغييراتٍ سـياسـيـة هامّـة، وبتأكيد حيويـة الشـارع الشـعبي وطلائعـه الشـبابيـة، ومن دون الاعتماد على أسـلوب العنف في عمليـة التغيير.

وقد كثُر الحديث في السنوات الماضية عن مسؤولية حكومات أو عن مؤامرات خارجية أو عن الأسباب الموضوعية لضعف وتشرذم قوى التغيير، بينما المشـكلـة هي أصلاً في الإنسـان العربي نفسـه، إن كان حاكماً أو محكوماً، في موقع المسـؤوليـة أو في موقع المعارضـة. فالقيادة السليمة، حتّى لدُولٍ أو جماعات تحمل أهدافاً غير مشروعة، تنجح في تحقيق هذه الأهداف رغم ما قد يعترضها من صعوباتٍ وعقبات. وربّما المثال الحي على ذلك، والمستمرّ أمام العرب لأكثر من مائة عام، هو ما نتج عن وجود "المنظّمة الصهيونية العالمية" من تحوّلات خطيرة في المنطقة والعالم، كان العنصر الأساس في إحداثها هو وجود مؤسّسة/تنظيم جيد، وقيادات مخلصة لهذه المؤسّسة وأهدافها.

وقد نجد في الحالة العربية قياداتٍ شريفة ومخلصة لأوطان أو جماعات، لكن المشكلة تكون في طبيعة المؤسّسات التي تقودها، أو يحصل العكس أحياناً حيث سوء القيادات، أو انحراف بعضٍ منها، يؤدّي إلى ضعف وانحراف الدول أو المؤسّسات وإلى تفكّكها. فمصر عبد الناصر كانت مثالاً على النموذج الأول، ومصر السادات فيما بعد كانت مثالاً للنموذج الآخر. كذلك كانت النماذج في مسيرة "منظّمة التحرير الفلسطينية" وحركات وطنية عربية عديدة في مشرق الأمّة ومغربها.

هذا عن مسؤولية الإنسان العربي، أينما كان، فماذا عن مسـؤوليـة الطرف العربي الذي يسـتنجد بالخارج لحلِّ مشـكلاتٍ عربيـة داخليـة؟ إذ هل هو "ربيعٌ عربيٌّ" فعلاً ما شـهدتـه المنطقـة العربيـة، أمْ انتقالٌ من حال الاسـتبداد والفسـاد إلى مرحلـة التبعيـة والحروب الأهليـة؟! كلاهما انحطاط وتخلّف واسـتنسـاخ لماضٍ قريبٍ وبعيد عاشـتـه البلاد العربيـة منذ انتهاء حقبـة "الخلفاء الراشـدين"، فبعدها غاب الرشـد عن الحاكم والمحكوم، إلا في فتراتٍ عابرة لم تصمد طويلاً أمام جشـع جماعات الفسـاد في الداخل وقوى التآمر من الخارج. ومنذ ذلك "الزمن الراشدي" لا تتغيّر طبيعة الحكم، في معظم المراحل، إلا بفعل القوّة العسكرية المسنودة أحياناً بدعمٍ خارجي. ولا فرق هنا بين عربيٍّ وأعجمي، فهكذا أيضاً وصل الجيش الإنكشاري العثماني إلى سلطة "الخلافة"، وحكَم العرب لأربعة قرون انتهت عربياً بثورة الشريف حسين "العربية" المسلّحة المدعومة من الغرب! وهاهو "الغرب" وتركيا وإيران يعملون الآن جميعاً على العودة القويـة لأرجاء الأمّـة العربيـة التي ما زال ينبض في وسـطها قلبٌ إسـرائيليٌّ مصطنَع!

نعم تعدّدت الأسـباب، لكن النتيجـة واحدة. نعم أنظمـة الاسـتبداد والفسـاد مسـؤولـة عن تردّي أحوال الأوطان العربيـة وعن تبرير التدخّل الأجنبي بمصائرها، لكن هل سـيُغيّر ذلك الآن من النتائج؟! أليـس الاسـتنجاد بالأجنبي لتغيير حكوماتٍ وأنظمـة هو تكرارٌ لما حدث قبل قرنٍ من الزمن أيام "الثوة العربيـة الكبرى"..!!؟؟

صحيحٌ أنّ الانتفاضات الشعبية العربية قد حطّمت حاجز الخوف لدى شعوب المنطقة، لكن ما جرى أيضاً في عدّة بلدان عربية هو محاولات كسر وتحطيم مقوّمات الوحدة الوطنية وتسهيل سقوط الكيانات، كما سقطت أنظمة وحكومات، إذ لم تميّز بعض قوى المعارضات العربيـة ـــــ عن قصدٍ منها أو عن غير قصد ـــــ بين مشـروعيـة العمل السـياسـي السـلمي وبين محرّمات الارتباط بالأجنبي، (بل الإسـرائيلي أحياناً)، وتفكيك الأوطان ووحدة شـعوبها. وهذه المخاطر موجودةٌ في كلّ المجتمعات العربية، سواءٌ أكانت منتفضةً الآن أمْ مستقرّةً إلى حين.

الإدارت الأمريكيـة المتعاقبـة في واشـنطن هي التي أوجدت هذا المناخ المتأزّم عربياً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وفي ظلّ التهميـش المتعمّد على مدار عقود من الزمن لحقوق الشـعب الفلسـطيني.

فواشنطن هي التي دعت لمفاهيم "الفوضى الخلاقة" و"النماذج الديموقراطية" الجديدة في المنطقة، وهي التي جمعت في أسلوب تحكّمها بالعراق بين انفرادية القرار الأمريكي بمصير هذا البلد حينما احتلّته، وبين تقسيم شعبه إلى مناطق متصارعة تبحث كلٌّ منها عن نصيرٍ إقليمي داعمٍ لها، فكانت النتائج لغير صالح أمريكا أو العراق أو العرب!

وواشـنطن هي التي عجزت عن وقف الإسـتيطان في الأراضي الفلسـطينيـة المحتلـة، فكيف عن "إجبار" (إسـرائيل) على الانسـحاب وعلى بناء الدولـة الفلسـطينيـة المسـتقلّـة!؟ وواشـنطن هي التي تحترم "رأي" (إسـرائيل)، إن لم نقل دورها الفاعل، في تقرير مصائر العراق وسـوريا ولبنان، وهي الدول التي لم توقّع بعد إتفاقيات سـلام مع الدولـة العبريـة على جبهـة المشـرق العربي.

وهل هناك أصلاً من مصلحـة إسـرائيليـة في اسـتقرار وإعادة إعمار سـوريا والعراق، وبأن يكون كلٌّ منهما بلداً واحداً قوياً ديموقراطياً!؟ وهل كان (لإسـرائيل) مصلحـة في اسـتمرار وجود لبنان كدولـة ديموقراطيـة مسـتقرّة قائمـة على تنوّع طائفي، وكنموذج بديل لحالتها العنصريـة الدينيـة، وهي الحالـة اللبنانيـة التي عملت (إسـرائيل) على تحطيمها أكثر من مرّة منذ منتصف سـبعينات القرن الماضي!؟

فكلّما ازدادت الصراعات الطائفيـة والمذهبيـة والإثنيـة على الأرض العربيـة، كلّما اقترب الحلم الصهيوني الكبير من التحقّق في أن تكون (إسـرائيل) هي الدولـة الدينيـة الأقوى في منطقـةٍ قائمـة على دويلاتٍ طائفيـة. فالمراهنـة الإسـرائيليـة هي على ولادة هذه "الدويلات"، التي بوجودها لن تكون هناك دولـة فلسـطينيـة مسـتقلّـة ولا تقسـيم للقدس ولا عودة الملايين من اللاجئين الفلسـطينيين، بل توطين لهم في "الدويلات" المسـتحدثـة وتوظيف "سـلاحهم" في حروب "داحـس والغبراء" الجديدة بقيادة بعض "الثوّار الجدد"!

إنّ ما يحدث الآن على الأرض العربية هو ليس متغيّرات سياسية محلية فقط، تتدخّل فيها وتتجاوب مع تفاعلاتها قوى إقليمية ودولية، فهذه المتغيّرات قد تكون قطعة فقط من صورة مرسومة مسبقاً لتغييرٍ جغرافي وديموغرافي منشود لدولٍ عربية عديدة. ألم تكن الحرب على العراق في العام 2003، وما أفرزته من واقع حال تقسيمي للدولة والشعب والثروات، وما مثّلته هذه الحرب من تداخل بين الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، كافية لتكون نموذجاً عن الهدف الخفي المرجو لاحقاً من مزيج الحروب الأهلية والتدخّل الخارجي، وهو ما يحدث منذ العام 2011!؟

ثمّ ألم يكن درس تقسيم السودان في مطلع ذاك العام مؤشّراً عن المصير المرغوب لأوطان عربية أخرى!؟ وهل كانت نتائج التدخّل الأجنبي في ليبيا وسوريا لصالح البلدين ووحدتهما واستقرارهما!؟ رغم ذلك استمرّت بعض قوى المعارضات العربية بالمراهنة على دعم الخارج لمعاركها الداخلية، ويتواصل عربياً تهميـش القضيـة الفلسـطينيـة وتجاهل العامل الإسـرائيلي في حروب العرب مع بعضهم البعض، وفي نشـأة جماعات التطرّف والإرهاب بالمنطقـة..!!

15/01/2019

بقلم/ صبحي غندور

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن

[email protected]