ترتيبات «اليوم التالي» لغزة تنتقل إلى بروكسل: لجنة الإدارة تعرض خطة التعافي وتعلن جاهزيتها لتسلّم المسؤولية.. و«فريق غزة» يحشد نحو مليار دولار لإعادة الخدمات

الدكتور علي عبد الحميد شعث.jpg

مليار دولار لترتيبات ما بعد الحرب: لجنة إدارة غزة تطلب تفويضاً تنفيذياً من بروكسل.. والمانحون يربطون التعافي بالإصلاح وعودة السلطة

 دفعت اجتماعات مجموعة المانحين لفلسطين في العاصمة البلجيكية بروكسل بملف إدارة قطاع غزة والتعافي المبكر فيه إلى واجهة التحركات الدولية، بعدما عرضت اللجنة الوطنية لإدارة غزة برنامجاً شاملاً للانتقال من الإغاثة الطارئة إلى إعادة تشغيل الخدمات وإطلاق مسار إعادة الإعمار، مؤكدة جاهزيتها لتولي مسؤولياتها فور تهيئة الظروف اللازمة لذلك.

وشارك المفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة، علي عبد الحميد شعث، في الاجتماعات رفيعة المستوى والوزارية للدورة الثانية من مجموعة المانحين لفلسطين، التي عُقدت الاثنين 13 يوليو (تموز) 2026، برعاية المفوضية الأوروبية وبمشاركة 65 وفداً يمثلون دولاً ومؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية.

وترأس الاجتماع الوزاري بصورة مشتركة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا، بمشاركة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس. كما شارك للمرة الأولى الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، ورئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث.

اجتماع وزراء مجموعة الجهات المانحة لفلسطين في بروكسل.jpg


 

خطة للانتقال من الإغاثة إلى إعادة الإعمار

وخلال جلسات المانحين، قدم شعث عرضاً لبرنامج التعافي الشامل في قطاع غزة، متناولاً الرؤية التي وضعتها اللجنة لإدارة الانتقال من مرحلة الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى التعافي المبكر، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وصولاً إلى إطلاق عملية إعادة إعمار أوسع تشمل مختلف مناطق القطاع.

وبحسب بيان صادر عن اللجنة، يتضمن البرنامج ترتيبات تشغيلية وإدارية تهدف إلى ضمان إدارة فعالة وشفافة للموارد المخصصة للتعافي، وإخضاع عمليات التمويل والتنفيذ لآليات واضحة للرقابة والمساءلة.

وأكد شعث أن اللجنة «جاهزة فوراً» لتولي مسؤولياتها، داعياً المجتمع الدولي إلى تجاوز مرحلة إعلان المواقف والتعهدات، والانتقال إلى توفير تمويل فعلي وإجراءات قابلة للتنفيذ على الأرض، بما يلبي الاحتياجات الإنسانية والتنموية لنحو 2.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة، وفق تقديرات اللجنة.

ويحمل إعلان الجاهزية دلالة سياسية تتجاوز الجانب الإداري، إذ يأتي في وقت لم تبدأ فيه اللجنة ممارسة مهامها من داخل قطاع غزة، على الرغم من إعلان ولايتها الانتقالية ومسؤوليتها عن الملفات المدنية والأمن الداخلي والتعافي وإعادة الإعمار.

ولم تعلن اللجنة أو إسرائيل بصورة رسمية تفاصيل الجدول الزمني لدخولها إلى القطاع أو العقبات التي تحول دون مباشرة عملها ميدانياً، ما يبقي الفجوة قائمة بين الترتيبات السياسية التي تُبحث في العواصم الدولية والواقع التنفيذي داخل غزة.

«فريق غزة» بتمويل أولي يقارب مليار دولار

وتوّج اجتماع بروكسل بإطلاق المفوضية الأوروبية مبادرة «فريق غزة»، بوصفها إطاراً لتنسيق تمويل مشروعات التعافي المبكر الجارية والمخطط لها، ومنع تشتت جهود الدول والمؤسسات المانحة أو تكرارها.

وأعلنت المفوضية أن المبادرة تجمع مساهمات مالية أولية تبلغ 883.6 مليون يورو، بما يعادل نحو مليار دولار، بمشاركة 15 شريكاً دولياً، إلى جانب تأكيد البنك الدولي دعمه للمبادرة ومساهمته المالية فيها.

وتشارك في المبادرة حكومات إسبانيا والدنمارك والمملكة المتحدة وألمانيا والنرويج وفنلندا وإيطاليا وهولندا وفرنسا واليابان وسويسرا والسويد وبلجيكا، إلى جانب المفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي للاستثمار، فيما أعلنت دول أخرى، بينها أستراليا وكندا، اهتمامها بالانضمام لاحقاً.

وتركز حزمة التعافي المبكر على استعادة الخدمات الأساسية في قطاعات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام وإدارة النفايات الصلبة، والصحة والطاقة والزراعة والمنظومة الغذائية.

وقالت المفوضية الأوروبية إن المبادرة تستند إلى التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في غزة، الصادر في أبريل (نيسان) 2026 عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، وتهدف إلى تنسيق المشروعات وتسريع تنفيذها في جميع مناطق القطاع.

وشدد الجانب الأوروبي على أن «فريق غزة» ليس صندوقاً منفصلاً فحسب، بل منصة مفتوحة للتنسيق بين المانحين والجهات المنفذة، بما في ذلك تسهيل الاتصالات المتعلقة بتنفيذ المشروعات على الأرض.

ووفق التصور الأوروبي، يُفترض تنفيذ عملية التعافي ضمن مسار تقوده جهات فلسطينية، مع تنسيق وثيق مع الكيانات الانتقالية المكلفة بموجب الترتيبات الدولية، وفي مقدمتها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة التعاون مع السلطة الفلسطينية.

اجتماع وزراء مجموعة الجهات المانحة لفلسطين في بروكسل ...jpg


 

تنسيق بين السلطة الفلسطينية و«مجلس السلام»

وعلى هامش اجتماع المانحين، عُقد الاجتماع الرسمي الثالث لمكتب التنسيق المشترك بين السلطة الفلسطينية و«مجلس السلام»، لبحث الترتيبات السياسية والإدارية المرتبطة بإدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة.

وشارك في الاجتماع رئيس الوزراء محمد مصطفى، والممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، والمفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة علي عبد الحميد شعث، إلى جانب مفوض المالية في اللجنة بشير الريس، ووزير المالية والتخطيط الفلسطيني اسطيفان سلامة، ومستشار رئيس الوزراء عمر عوض الله.

ووفق بيان اللجنة، تناول الاجتماع آليات تسريع إيصال الخدمات الأساسية إلى سكان غزة، ودعم عمليات الإغاثة والتعافي المبكر، وتنسيق الأدوار بين الجهات الفلسطينية والمؤسسات الدولية والمانحين.

كما بحث المشاركون سبل الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة أكثر انتظاماً، تشمل إعادة تشغيل المؤسسات والخدمات العامة وتهيئة البيئة الإدارية والفنية اللازمة للشروع في مشروعات إعادة الإعمار.

وأكد المجتمعون أهمية توحيد الجهود الوطنية والإقليمية والدولية، وتسريع تنفيذ المبادرات المتفق عليها، لضمان استجابة مستدامة للاحتياجات الإنسانية المتراكمة في القطاع.

إعادة السلطة الفلسطينية إلى معادلة غزة

سياسياً، عكست اجتماعات بروكسل محاولة لربط تمويل التعافي المبكر بمسارين متوازيين: الأول يتعلق بتهيئة اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتولي مسؤوليات انتقالية داخل القطاع، والثاني يرتبط بتعزيز دور السلطة الفلسطينية وقدرتها المؤسسية والمالية، تمهيداً لاستعادة مسؤولياتها بصورة كاملة في مرحلة لاحقة.

وركز اجتماع مجموعة المانحين، إلى جانب ملف غزة، على الأزمة الاقتصادية والمالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، ومدى تقدمها في تنفيذ برنامج الإصلاح المتفق عليه مع الاتحاد الأوروبي.

وقالت المفوضية الأوروبية إن السلطة عرضت إجراءات إصلاحية تشمل إدارة المالية العامة والإنفاق الحكومي والحوكمة ورقمنة الخدمات، فضلاً عن إصلاح منظومتي الحماية الاجتماعية والتعليم وتطوير إدارة شبكات المياه والكهرباء.

كما شهدت الاجتماعات توقيع مساهمات جديدة بقيمة 41.7 مليون يورو عبر آلية «بيغاس» الأوروبية لدعم السلطة الفلسطينية، تضاف إلى 310 ملايين يورو التزمت المفوضية بتقديمها من خلال الآلية ذاتها خلال عامي 2026 و2027.

ويشير الجمع بين دعم السلطة وتمويل اللجنة الانتقالية إلى سعي أوروبي ودولي لمنع قيام مسار إداري منفصل ودائم في قطاع غزة، وضمان بقاء ترتيبات المرحلة الانتقالية مرتبطة بإطار سياسي فلسطيني أوسع.

لجنة انتقالية لم تدخل القطاع بعد

وكان قد أُعلن عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ضمن الترتيبات المنبثقة عن خطة إنهاء الحرب وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025، الذي رحب بإنشاء «مجلس السلام» بوصفه هيئة انتقالية تتولى تنسيق الإطار العام وتمويل إعادة إعمار القطاع، إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية برنامج الإصلاح وتمكنها من استعادة مسؤولياتها في غزة.

وعقدت اللجنة اجتماعها الافتتاحي في القاهرة في 15 يناير (كانون الثاني) 2026، وأُعلن بدء ولايتها لتولي المسؤوليات المدنية والأمن الداخلي والإشراف على الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار.

إلا أن اللجنة ظلت تعمل من خارج قطاع غزة، وسط غياب إعلان رسمي بشأن موعد انتقال أعضائها إلى القطاع والشروع في تسلم المؤسسات والملفات الحكومية.

وتزامنت تحركات بروكسل مع خطوات داخلية هدفت إلى تسهيل عملية انتقال الإدارة، من بينها إعلان رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس متابعة العمل الحكومي بالإنابة محمد الفرا استقالته، في خطوة قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إنها تأتي تنفيذاً للاتفاقات وتسهيلاً لتسليم إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية.

ومع انتقال النقاش من تشكيل اللجنة إلى تأمين التمويل ووضع برامج التشغيل، تبقى قدرة المبادرات المعلنة في بروكسل على إحداث تحول فعلي مرتبطة بالسماح للجنة بممارسة مهامها داخل القطاع، وضمان حرية حركة طواقمها، وإدخال المعدات والمواد اللازمة، ووقف العمليات العسكرية التي قد تعطل مشروعات التعافي.

وتضع مبادرة «فريق غزة» للمرة الأولى إطاراً مالياً دولياً واسعاً لمرحلة ما بعد الإغاثة، لكنها لا تحسم وحدها المعضلات السياسية والأمنية المتعلقة بصلاحيات اللجنة، وعلاقتها بالسلطة الفلسطينية، وحدود دور «مجلس السلام»، وموقف إسرائيل من عودة إدارة فلسطينية موحدة إلى جميع مناطق قطاع غزة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - بروكس