إلى رجال المناسبات والمواسم

بقلم: عبد الحليم أبوحجاج

عبدالحليم أبوحجاج
  • للكاتب الصحفي/عبدالحليم أبوحجاج

أيام قليلة ويحتفل كثير من شعبنا في فلسطين بالذكرى (56) لانطلاقة حركة " فتح " المباركة (1965/1/1 - 2021/1/1) . التي تتجسد بها الثورة الفلسطينية .

وكنتُ أتمنى أن أكون أحد المحتفلين بهذه المناسبة الوطنية تخليداً لذكرى الرصاصة الأولى ، وإحياءً لمآثر الزعيم ياسر عرفات ورفاقه الأوائل من شهداء فلسطين وأسرى فلسطين وجرحى فلسطين ، وعزاءً للنفس على بيوت فلسطين وحجارة فلسطين وأشجار فلسطين ، وترحماً على الطير الأبابيل . ولكن ....

أين هي الثورة الفلسطينية الآن ؟ ، بل أين هي فتح الآن التي نحتفل بتجديد ذكراها ؟ أم هو مظهر كيدي من قبيل المناكفات السياسية بين الضرتيْن لنرضي حُكامنا ؟. لقد كانت فتح عملاقة العمل الفدائي يوم أن فرضت وجودها على الأرض ، وزرعت حبها في قلوبنا ، وحازت احترام العالم لبندقيتها المشرعة ، وجذبت إليها ثوار العالم يؤيدونها ويدعمونها لتضحياتها وانتصراتها ، فآزرناها وأيدناها وهتفنا لها بدوام الاستمرار وتحقيق النصر . نعم ، كانت ثورة مستمرة حتى النصر ، فماذا هي اليوم؟ .

هل الثورة الفلسطينية تعيش اليوم حقا وصدقاً حتى نجدد لها العهد والوفاء والانتماء أم هي في لفائف الذكريات في زنزانة النسيان؟ . إنه من عدم الوفاء لها أن نذكرها يوم مولدها فقط ، ولا نترحم عليها يوم مماتها .

هل فتح - وغير فتح من الفصائل الأخرى - الآن قائمة بالفعل الثوري ولها حضورها النضالي العسكري على تراب الأرض المحتلة لمقاومة المحتل الغاصب لحقوقنا الوطنية؟ .

هل مازالت الثورة الفلسطينية - بكل مكوناتها ذات الأذرع العسكرية والسياسية والإعلامية والثقافية - موجودة فعلاً ، ومرئية ومحسوسة ولها ذلك الحضور ونفس الأثر الذي كانت عليه منذ أن انطلقت الرصاصة الأولى إلى أن غادرنا قائدها الشهيد أبو عمار - رحمه الله ؟.

هل لكلمة ( التحرير) مكان على خريطة النضال الفلسطيني كما هو معلن في عناوين الثورة ( حركة التحرير ، منظمة التحرير)؟ .

أقول لرجال المناسبات وصيادي المواسم : أرجوكم تخلوا عن نفاقكم او عن جهلكم ، ولا تتسابقوا برفع الشعارات الكذابة التي توهم أصحابها أنهم ثورجيون ، أولئك الذين يظنون أنهم قادرون على إيهامنا وخداعنا ، وكفى تضليلاً أنكم مع الرئيس عباس ، تجددون له البيعة ، ليس حباً فيه ، ولكن خوفاً على الراتب والمناصب .

رحم الله قادة ثورتنا الفتحاوية العظماء ، فكلهم ماتوا ، ولم يبقَ منهم أحد ، أما كهنة السلطة المتربعون بكروشهم على الكراسي السلطوية فهم قادمون إليها من خارج العاصفة ، وهم خصوم الكفاح المسلح ، وهم مؤيدو الاستسلام مع العدو من دون ثمن وطني . بل إن بعضا ممن يحكمون ويتحكمون باسم فتح ، ليس لهم صلة بفتح ، ولكنهم انتقلوا إليها من تنظيمات وأحزاب مختلفة إبان صعودها وتألقها بعد عودة عرفات إلى أرض الوطن ، وركبوا الموج العالي وتمسحوا بها بغية المناصب والمكاسب ، وادعوا أنهم فتحاويون ، وساهموا في تخريبها من الداخل لأن بقاءها معافاة لا يعنيهم . فهل بقي من الثورة شيء ما تستحق به الاحتفال بذكراها؟ .

سيغضب من صراحتي بعض القراء ، ولكن ثقوا أيها الأعزاء أننا ازددنا ذلاً ، وضاعت هيبتنا ، وقلَّ مؤيدونا ، وتجرأ علينا الجرذان والمساخيط في كثير من بلاد العرب العجم ، وانزوى احترام العالم لنا منذ أن تخلينا عن البندقية وأطفأنا بأيدينا العاصفة الملتهبة المتوهجة في ذلك الزمن الثائر الجميل ، وجرينا على بطوننا وراء أوهام السلام وإقامة الدولة. وإني لأذكر أيام أن كنا ونحن في ديار غربتنا التي طالت عشرات السنين ، نفاخر الأقوام الأخرى ونتباهى بفلسطينيتنا وبالعمل الفدائي الذي تغنى به الشعراء والمغنون . أما اليوم فقد أصبحنا أضحوكة لهم ، فنراهم يسخرون منا ويستهزئون بنا ، بفضل ضعف قيادتنا وانهزام أولي السياسة فينا ، وبفضل انقسامنا إلى دولتين عظميين ، تسعى كل واحدة منهما لتهزم الأخرى ، وكأني بهم يعتقدون أن تحرير الأرض المنهوبة يتحقق عن طريق الصراع الدموي الفلسطيني - الفلسطيني ، ولعل هذا هو السر الذي يفسر حال غزة " السبيَّة " بعد الغزو العسكري القبائلي ، إذ باتت المدينة مهملة ومهمشة ، وأضحت منسيَّة لا مكان لها في الضمير الفلسطيني والعربي الرسميين ، فتُرك أهلها الغزيون يتامى بلا أب وبلا أُم ، وبلا مُعين أو مُعيل ، يمتهنون التسول في الطرقات ، ويستجدون الصدقات على أبواب المؤسسات الخيرية .

وأختم مُرحباً بقدوم سنة ميلادية جديدة، وأقول مهنئاً : كل سنة أنتم طيبون أيها الفلسطينيون ، وإن شاء الله نراكم في السنة القابلة قد أفقتم من غفلتكم ، وصحوتم من سكركم . وتخلصتم من حزبيتكم التي زاد تعدادها عن خمسة عشر فصيلاً بلا جدوى ولا نفع منها ، بل هي جلاب للضرر . *.

المصدر: -