يلا نحكي: البنك الوطني يشتبه بقيام الحكومة بجريمة غسل الأموال

بقلم: جهاد حرب

جهاد حرب
  • جهاد حرب

على غير العادة وبطريقة فجة، تلقت احدى مؤسسات المجتمع المدني الأسبوع الفارط اتصالا من البنك الوطني للحصول على معززات "بتهمة" تلقيها منحة صغيرة (حوالي 1500 دولار) من الحكومة الفلسطينية وفقاً لمتطلبات تعليمات غسل الأموال، بل الادهى مطالبة المؤسسة بتقديم معززات لكيفية إنفاقها والجهات التي ستستفيد من هذه المنحة الصغيرة قبل ادخلها لحساب المؤسسة وتحت طائلة إرجاع هذا المبلغ إلى مصدره. ما ينذر بوقوع مؤسسات المجتمع المدني تحت سياط البنوك وعنجهيتها، وتحكمها بالنظام المالي باعتبارها الطريق اللازم لإدخال الأموال لهذه المؤسسات، وذلك بعيدا عن غايات حوكمة عمل المؤسسات الأهلية ومتطلبات الحكومة الفلسطينية لسلامة إنفاقها لمنع إتاحة فرص للفساد في عمل هذه المؤسسات. في ظني "وأغلب الظن ليس إثما " يعود هذا الصلف البنكي إلى ثلاثة سياقات؛

الأول: تخلف تعليمات سلطة النقد المتعلقة بغسل الأموال لتشددها غير اللازم الذي يثير الامتعاض، وبدون وجود مبررات بل بعيدة كل البعد عن العناية الواجبة، ولا تنسجم مع قدرات الاقتصاد الوطني وثقافة الفلسطينيين وتزيد من الأعباء عليهم. بالإضافة إلى أن كاتب تلك الأنظمة والتعليمات والتعاميم يشعرك أنه يريد أن ينتقم من جميع الفلسطينيين بالتضييق عليهم دون وجه حق إما خضوعا لإجراءات خارجية أو تعسفا باستخدام السلطة. إن منح البنوك (شركات خاصة) صلاحيات واسعة في هذا الإطار لا يضعف دور الحكومة فقط بل تصبح خاضعة لأهواء مدراء هذه الشركات ومصالحهم الذاتية وغاياتهم الربحية أكثر من حرصهم على الدولة والمواطنين والنظام العام ومكافحة الجريمة.  

والثاني: غياب الرؤية لدى البنوك العاملة في فلسطين لكيفية التعامل مع إدارة المخاطر بإسقاط التعليمات الخاصة بالأشخاص المعرضين سياسيا للمخاطر على جميع من شملتهم تعليمات رقم 1 لسنة 2018 دون تدقيق أو تمييز خاصة بعد إصدار التعميم رقم 128 من سلطة النقد في حزيران/ يونيو 2020 الذي يتطلب إعادة النظر في مفهوم إدارة المخاطر المتعلقة بمؤسسات المجتمع المدني. فقد أشار التعميم إلى وجود مخاطر مرتفعة لدى 3% فقط من مؤسسات المجتمع المدني وهي الأكثر تعرضا للاستغلال في تمويل الإرهاب من إجمالي عدد منظمات المجتمع المدني وفقا لدراسة تقييمية على المستوى الوطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب في قطاع المنظمات غير الهادفة للربح في شقيه (1) الهيئات الأهلية والجمعيات الخيرية و(2) الشركات غير الربحية.  

وكما يقول التعميم ذاته إن نتائج التقييم أظهرت الحاجة لتعزيز ممارسات الرقابة والإشراف على هذا القطاع وتوجيه الموارد باتجاه المجموعة الفرعية ذات المخاطر المرتفعة أي العناية الواجبة. ووضع ذات التعميم معايير لتصنيف درجة تعرض المنظمات غير الهادفة للربح لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وحدد أن تصنيف درجة مخاطر مرتفعة تنطبق على تحقق واحدة أو أكثر من المعايير المرسومة فيه وهي: (1) أن تكون فرع لمنظمة أجنبية مقرها الرئيسي في دولة مرتفعة المخاطر أو لديها فرع فيه. أو (2) ترتبط بعلاقة مالية مع دول مرتفعة المخاطر أو تحت المتابعة المعززة أو تحت تحديد مراقبة مستوى التقدم في الالتزام بمعايير العمل المالي. أو (3) يكون حجم إيراداتها أكثر من مائة ألف دولار ويندرج عملها ضمن الأنشطة الخدماتية؛ الإسكان والخدمات الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية. أو (4) رفع المصرف تقرير اشتباه لوحدة المتابعة المالية أو ورد حولها طلب استفسار ومعلومات من جهات الاختصاص.

هذه الشروط أو المعايير الأربعة الواضحة تعني أن أي مؤسسة ينطبق عليها أيا منها يقع في خانة المخاطر المرتفعة، وأن أي منظمة لا ينطبق عليها أيا من هذه الشروط تكون في خانة المخاطر المنخفضة خاصة إذا ما كان تمويلها يأتي من جهات دولية ممولة للحكومة الفلسطينية أو تعمل بموجب ترخيص ممنوح من الحكومة "وفق أحكام القانون الفلسطيني" أو أن تمويلها يأتي من جهات فلسطينية داخلية مثل الحكومة ذاتها.  

وثالثا: التضييق على مؤسسات المجتمع المدني حيث ما فتئت البنوك العاملة في فلسطين تثير القلق في سلوكها تجاه مؤسسات المجتمع المدني باتخاذ إجراءات تضييقية لإجبار هذه المنظمات على مغادرة البنوك واغلاق حساباتها غير آبه بمصالح المواطنين المستفيدين من أعمال هذه المؤسسات من جهة، والنظام المالي الذي سيكون خارج نطاق النظام المصرفي من جهة ثانية، واعدام مصدر رزق العاملين في هذه المؤسسات من جهة ثالثة، ناهيك عن توجيه "تهمة غسل الأموال" لهذه المؤسسات ممن ليس لديهم الحق بذلك "البنوك".

ينطبق على الحكومة المثل القائل "جنت على نفسها براقش" لما أقدمت عليه الحكومات الفلسطينية بمنح الشركات الخاصة سلطة التحقيق في أموال الحكومة وكيفية إنفاقها تحت شعار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ فقد باتت الحكومة مجبرة اليوم وفقا لما يطالب به البنك الوطني تقديم تعزيزات في حال رغبت الحكومة تحويل أموال إلى شركات أو مؤسسات أو أشخاص، وقد يطلب غدا التحقق من الأموال التي تأتي إلى الحكومة عبر البنوك ما يشير إلى سلب الحكومة حتى من قدرتها على تمويل ذاتها والإنفاق على احتياجات المواطنين.

اليوم مطلوب من سلطة النقد العودة إلى رشدها وإعلاء مصالح المواطنين بإعادة النظر في جميع الأنظمة والتعليمات والتعاميم المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب بعقلانية وقلب وطني يراعي التوازن بين أضلاع مثلث الحاجات الوطنية، والتدابير الواجبة لحماية الدولة من الجريمة، والضغوطات الخارجية.

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت