جحا يحكم غزة

بقلم: أشرف صالح

اشرف صالح
  • اشرف صالح

ونحن أطفال سمعنا حكايات جحا الشهيرة من آباءنا وأمهاتنا , ومن ضمن هذه الحكايات , حكاية الحريق الذي إندلع في القرية التي يسكن فيها حجا , فعندما قالوا الناس لجحا أن الحريق دمر القرية , قال لهم جحا : مش مهم بس تسلم حارتي , وعندما قالوا الناس لجحا أن الحريق وصل لحارتك , قال لهم جحا : مش مهم بس يسلم بيتي , وعندما قالوا الناس لجحا أن الحريق وصل لبيتك , قال لهم جحا : مش مهم بس تسلم..... , إن ما تعلمناه  من قصة جحا هو التنازل بشكل تدريجي عن الهدف الأساسي , والقبول بما يفرضه الواقع , وتفضيل المصلحة الشخصية عن المصلحة الكلية , وهذا ما نعاني منه كفلسطينيين الآن , حيث أصبحت حكاوي حجا تنطبق علينا بالتفصيل .

كنت طفلاً في الإنتفاضة الأولى وكنت أسمع اغاني الثورة الفلسطينية , وكان أشهرها "ما بدنا طحين ولا سردين , بدنا قنابل لنحرر فلسطين" وكانت فلسطين بالنسبة لي من البحر الى النهر كما كنت أسمع "الفدائيين" ولكن مع مرور الوقت تحولت فلسطين الى أقل من الربع بحسب "أوسلوا" ومع ذلك خرجنا في الشوارع والميادين لنحتفل بقدوم السلطة وكنا فرحين بالدولة الجديده والمستقلة , والتي كانت تحمل إيجابيات قد تعوضنا عن مساحة ثلاث أرباع فلسطين , ومن ضمن هذه الإيجابيات هو تلاحم الأرض والشعب والقيادة معاً , ليحكم الفلسطيني نفسه بنفسه , ومع مرور الوقت إنسحب الإحتلال من إتفاق أوسلوا وترك الشعب الفلسطيني بين شهوة السلطة ونار الثورة , ومع مرور الوقت إنتصرت شهوة السلطة على نار الثورة , ومع مرور الوقت أصبحت السلطة سلطتين , وأصبحت الثورة كلاعب الإحتياط الذي لا ينزل الملعب إلا لسد الثغرات , ومع مرور الوقت أصبح لكل سلطة ثوابتها الخاصة , فهناك سلطة تسعى جاهدة  لتجميد مشروع الإستيطان قبل البدء بالمفاوضات التي ستستغرق سنوات طويلة , فالإستطيان أصبح من الثوابت بفضل ما أوصلنا إليه الإحتلال , وهناك سلطة تسعى لبناء ميناء ومطار ومنطقة صناعية في غزة مقابل هدنة عشر سنوات على الأقل "تسوية" ورغم ذلك الإحتلال يماطل , ومع مرور الوقت أصبح إعمار غزة بعد الحرب من الثوابت التي تحتاج الى مفاوضات لسنوات طويلة .

أصبحنا نتنازل ونتنازل حتى وصلنا الى أقل القليل , أصبحنا وكأن جحا يعيش بيننا ويحكمنا بعقليته الضيقة والمحدودة ,  وأصبحت مطالبنا الشرعية من الثوابت التي تحتاج مفاوضات , أصبحت غزة تدار بعقلية جحا , بل وكأن هناك ألف ألف جحا في غزة , فاليوم كل فصائل المقاومة تجتمع وتهدد وتقرر , وكل هذا من أجل إدخال بعض السلع , وبناء البيوت المدمرة من الحرب , فاليوم وللأسف لا يوجد ثابت من الثوابت على لسان الفصائل في غزة والتي تدار بعقلية حجا .

أنا أعتقد أن حكومة الإئتلاف الجديدة في إسرائيل , ستعيد الأمور على ما كانت عليه في السابق في غزة , بل وستزيد من الإنعاش الإقتصادي لغزة كنوع من التسوية , مثلما كان يفعل نتنياهو تماماً , ولكن هذه الحكومة الجديدة تريد تنزيل سقف مطالب غزة أقل من الحكومة السابقة , بحيث يكون الإنعاش الإقتصادي لغزة هو إنجاز سياسي تاريخي بالنسبة للفصائل في غزة , مستغلة بذلك عامل الوقت التي تراهن عليه , فكلما مضى الوقت أكثر كان لصالح الإحتلال , وخاصة أن الفصائل تقف بلهفة كي تحصل على نتيجة واحدة من نتائج الإنتصار الوهمي التي تسوقه للرأي العام الفلسطيني , فاليوم الفصائل في غزة تنتظر بناء برج الجلاء وبرج الشروق كي تحتفل مرة أخرى إنتصارها  وتسوقه للرأي العام على أنه إنتصار حقيقي , ولذلك تنتظر حكومة الإئتلاف الجديدة كي يمضي الوقت أكثر وأكثر لكسب مزيد من تنازلات الفصائل .

للأسف لا زالت عقلية جحا القديمة والمحدودة تحكم غزة , وقد ساعد على نمو هذه العقلية سياسة الحشر في الزاوية مما نتج عنها التفرد بالقرار , فحماس اليوم والفصائل التي على شاكلتها تعتقد أن هناك مؤامرة تحاط بها من كل الجوانب , وبناء على هذا الإعتقاد تتصرف وكأنها أصبحت لا تملك إلا غزة , وستعمل كل المستحيل كي تحافظ على حكمها في غزة حتى لو كان على حساب الآخرين , فالتنازلت تلو التنازلات هي نتيجة التمسك بخيار دولة غزة المفروض على أرض الواقع , ومن هنا فالتنازل في غزة أصبح أمر شرعي ومتاح بالنسبة لمن يحكم غزة , لأن غزة  أصبحت وبحسب رؤية الحاكم  منطقة جغرافية صغيرة باليد , أفضل من دولة كاملة على الشجرة , وهذا بالضبط منطق جحا الذي فضل الخاص عن العام .

كاتب ومحلل سياسي

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت