جنين غراد ... الاحتلال واغتيال الرمز

بقلم: عدنان الصباح

عدنان الصباح
  • بقلم عدنان الصباح

 اعترف اولا ان الملائكة يعيشون في السماء وفي احلامنا وان الشياطين يزرعون الارض طولا وعرضا فلا يوجد هناك مجتمعا نقيا بالمطلق وكذا هو حال جنين كما هو حال أي مجتمع على وجه الارض وفي الفترة الاخيرة يتصاعد الحديث عن الفوضى وفلتان السلاح في جنين دون غيرها من المدن الفلسطينية ويحاول البعض تصوير جنين على انها الشيطان الاكبر وان مشاكل فلسطين جميعها سيتم حلها ان تمت السيطرة على جنين ولست معنيا هنا بالحديث عن أي منطقة اخرى على الاطلاق فكما جنين عزيزة على قلبي هي القدس ورفح والخليل وحيفا هي الضفة وغزة والنقب والجليل والمثلث والساحل هي شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ووسطها لكن الامر فيما يخص جنين يحتاج لمعالجة هادئة من ابنائها ومن الجميع اولا وقبل كل شيء وقبل ان نطأطئ رؤوسنا ندما ونصبح كمن يداه اوكتا وفوه نفخ.
 فجنين التاريخ تميزت دوما عن غيرها من المحافظات في كل فلسطين فلها صعوبة الاحداث دون غيرها وكأنما هو قدرها دون غيرها ان تبقى محط انظار الجميع وجنين التي تحتل مساحة تساوي 10% من مساحة الضفة الغربية والتي تعتبر شبه خاليه من المستوطنات في اوساطها فيما عدا ما تم ابتلاعه من محيط مدينة يعبد على اطراف الخط الاخضر الا ان باقي المحافظة وامتدادها الطبيعي في محافظة طوباس تعتبر شبه خالية من المستوطنين وهي تعتبر من اقدم المدن الفلسطينية اذ تم انشاؤها في العام 2500 قبل الميلاد وهي اكثر المدن صراعا مع الاعداء وقدرة على الصمود امامهم فهي المدينة التي تحررت من الصليبيين عام 1244م وعلى اطرافها خسر المغول امام العرب في معركة عين جالوت وهي المدينة التي امر نابليون جنوده بحرقها ونهبها انتقاما من صمود اهلها في وجه جنده بعد ان هاجمها بالمنجنيق وبحشود كبيرة من الجيش الفرنسي ومع ذلك فقد صمدت كما كل فلسطين في وجهه الى ان تم دحره كليا وجلائه عن فلسطين وهي التي حملت اسم الشهيد عز الدين القسام الذي استشهد على ثرى يعبد وهي المدينة التي تمكنت من اعادة تحرير ذاتها من الاحتلال الصهيوني في 4 حزيران سنة 1948 وتكبيده خسائر جسيمة بلغت 1241 قتيل ومفقود من أصل 4000 جندي كانوا يحاصرون المدينة ويستذكر الفلسطينيون شهداء الجيش العراقي الذين سقطوا وهم يشاركون اهلها دفاعاً عن جنين حيث توجد مقبرة للعشرات منهم بالقرب في منطقة مثلث الشهداء على بوابة جنين الجنوبية ويذكر الاحتلال الصهيوني جيدا المقاومة الباسلة لأبناء المحافظة والجيش العربي الاردني مما دفع بجيش الاحتلال لإقامة نصب لقتلاه ايضا على اسوار مقبرة الجيش العراقي ووضع عليه الدبابة الاردنية التي قاومتهم بشراسة لا نظير لها دون ان ننسى مقاومة جنين الباسلة للاستعمار البريطاني والاجراءات القمعية الشديدة التي تعرض لها اهلها من قبلهم.
هذه هي جنين ربيع 2002 التي سجلت ملحمة تاريخية في مقاومة الاحتلال حتى استحقت لقب جنين غراد وتحدث العالم اجمع عن بسالتها وبطولات اهلها وخصوصا في مخيمها البطل مما جعل اسم جنين ملهما حقيقيا للفعل الكفاحي في كل مكان وجاب اسمها العالم رمزا للصمود والمقاومة وتحولت في نظر العالم الى اسطورة تقلق مضاجع العدو الصهيوني كانت ولا زالت ولعل الاحداث الاخيرة وسقوط عديد الشهداء في مواجهات مع جيش الاحتلال جعل اسمها يعاود الصعود من جديد كرمز ونموذج يحتذى للمقاومة وهو ما لا يرغب به الاحتلال ولا باي حال من الاحوال بل ان المصلحة الحقيقية له هو تحطيم هذا الرمز وتحويله الى نموذج يجب اجتنابه لا الاحتذاء به وبذا بات هدف الاحتلال تحويل جنين من رمز للمقاومة الى رمز للفلتان.
 لست اغمض عيني عن بعض الحالات وعن بعض الفوضى بالسلاح لكن المطلوب رؤية الحقيقة بدل التعامي عنها وعدم الاعتراف بها فلماذا هي تجارة السلاح واستخدامه والتعاطي معه ليس للمقاومة فقط ولكن للاسترزاق ايضا وبدل ان تسعى السلطة لإيجاد حلول حقيقية لأسباب هذا الحال يبدو ان هناك من يدفع بها لتكريس هذا الحال بل وتعميقه وتطويره الى حد تحويله الى تمرد ومع ان السلاح ليس في جنين فقط الا ان هناك اسباب لا بد من الاعتراف بها قبل تجريم حامليه جميعا على حد سواء فأولا ان علينا ان لا ننكر ابدا ان هناك سلاح مقاومة حقيقي والشهداء الذين لم يتوقف نزيف دمهم بعد في مخيم جنين وبرقين وغيرها من مدن وبلدات وقرى المحافظة دليل على ذلك. لماذا جنين الاشد حاجة لرفع الظلم عنها دون غيرها من المناطق بعد غزة طبعا فلان جنين المقاومة هي المحافظة الاشد فقرا بين محافظات الضفة الغربية وحسب تقرير الفريق الوطني الفلسطيني فان جنين " وباستثناء قطاع غزة تكون محافظة جنين في المركـز الأول مـن حيـث ارتفاع معدل الفقر فيها، وذلك بمعدل 5.20 % " كما ان هذا التقرير يقول ايضا ان نسبة الفقر في المخيمات تصل الى 33% وهو ما يشمل مخيم جنين كما ان جنين وحسب بيان صحفي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تتقدم سائر محافظات الضفة الغربية بعد محافظة بيت لحم من حيث نسبة البطالة التي بلغت 22% والى جانب ذلك فان عديد القضايا العشائرية والثأرية العالقة حتى اليوم تسهل انتشار السلاح فالمطلوب اولا وقبل كل شيء التفريق بين انواع السلاح وثانيا انتزاع كل فتيل جاهز للانفجار لمنع أي كارثة قد تقع ان لم نصحو فعلا على ما نحتاج من محاربة حقيقية للفقر بالتنمية والبطالة بإيجاد فرص عمل لا تعتمد على الاحتلال وتصاريح عمله واستعادة السلم الاهلي بإنهاء كل عوالق الثارات والنزاعات العشائرية التي تظهر بين الحين والحين ومنها الكثير لا زال بلا حلول منذ سنوات طويلة والجميع يعرف انه قابل للانفجار بين لحظة واخرى والاعتقاد السائد لدى سكان المحافظة هو ان هناك اهمال وتهميش لها فدد اسرة المستشفى الحكومي الوحيد في جنين تشكل ما نسبته 7% من عدد اسرة في مستشفيات الضفة الغربية بينما تحتل جنين مساحة 10% من مساحة الضفة الغربية و12% من عدد السكان.
ان حضور القانون في كل مناحي الحياة والاهتمام العملي الملموس بقضايا الناس خصوصا قضايا الفقر والبطالة والصحة والتعليم والخدمات البلدية وتطويرها هي الاساس المادي لخلق سلم مجتمعي حقيقي قائم على التكاتف والمساواة بين جميع الناس امام قانون عادل وسلطة خادمة للشعب تعمل وبشفافية عالية على قاعدة الشعب اولا ومصالحه وقوت يومه وسلمه الاهلي والا فان ازدياد هوة الفوارق الاجتماعية وتفشي البطالة وغيرها من الآفات الاجتماعية الاخرى ستبقى اساسا صالحا لفوضى السلاح وتطورها اجلا ام عاجلا المطلوب من السلطة والمجتمع المدني جميعا لا تجريم جنين ولا استخدام الحلول الامنية بل استعادة مكانها واسمها كرمز عبر ادوات الحوار المجتمعي والحفاظ على السلم الاهلي بوابة للنهوض الوطني المقاوم بكل اشكاله ليس في جنين فقط بل وفي سائر جهات الوطن الذي تنخره حمى الصراعات والنزاعات العشائرية ووحده سلاح المقاومة ووحدها فصائل المقاومة الفلسطينية جميعها سواء في منظمة التحرير الفلسطينية او في حركة حماس وحركة الجهاد هم الاقدر على كشف السلاح المنفلت وعزله وتحييده ولجمه قبل اية جهة اخرى فالسلاح المنفلت خطر على المقاومة قبل غيرها وبالتالي فان مهمة فضح هذا السلاح من اجل حماية رمزية جنين ومخيم جنين وقباطية ليصبح بالإمكان لجم السلاح المنفلت الذي لا ينتمي للمقاومة وعزلة هي مهمة المقاومة نفسها في المقام الأول وقبل أية جهة اخرى.

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت