"وهيب نديم وهبة في طريق الجلجلة" مفاتيح السماء

بقلم: رشدي الماضي

الشاعر رشدي الماضي
  • الشاعر: رشدي الماضي

(1)

 

أمام عبقرية دموع الصليب تتعملق أعمدة الفراق، ويخضوضر الحزن المعتّق في كرمة المأساة وآلام المُعلّم، كيف لا، وكلماتك مفاتيح لأبواب جراحه المقفلة، وشاهدة فجّرت حواجز حول الخيانة كي نرى الموت، نراه يبرز أمامنا عاريًا مغتسلا بدم نتن صديد، لكنك يا شاعري وأنتَ العارف اسراره، رجوته أن يناديَهم ففعل، ولبّى الأولاد وأتوْا إليه ينشدون "قدر الإنسان أن يحيا على نبض الجراح، إننا ميلاد شعب ردّ للكون الحياة"، فامتدّت يد المخلص؛ "يده الشافية" وعمّدتهم بماء صبح طاهر طهور، وما الغريبُ وأنت يا شاعري وهيب كنت على موعد مع ألم المعاناة، تحلّق بسموّ ممهور بقطرات فيرونيكا المقدسة، تحلق بعدما عشت حاملا أثقال المعاني تتلوّى حتى تلد في مكان قصيّ "الكلمة" التي تمجد الأمل، وتتفاءل فتجده في طريق الجلجلة،

عَلَّقُوكَ عَلى خَشَبِ الْخَطَايَا

أَنِينُ صرخَاتِ الْخَشَبِ وَالْحَديدِ

كَمَرَايا شَمْسٍ

سَطَعَتْ.

جِراحَاتُكَ..

آلامُكَ عَبَرَتِ الْمُستَحِيلَ

لْمَعَتْ نَازِفَةً مِنْ بَينِ الْمَسَامِيرِ

وَحدَكَ أنتَ الْمُنفَرِدُ بِالْعِشقِ

الْمُتَوَحِّدُ بِالْألوهيَّةِ..

دَمُكَ مَسَحَ خَطَايَانَا...

أَغمَضَ الصُّوفِيُّ عَينَيْهِ وَقَالَ: أَظلَمَتِ الدُّنيا،

سَحَبَ اللهُ مِنَ الأَرضِ غِطَاءَ الضِّياءِ..

وأنَارَ النُّورَ فَوقَ خَشَبِ الصَّلبِ.. عِندَهَا،

كَانَ شَدْوُ الظَّلامِ عَالِيًا فِي أرجَاءِ الْمَكَانِ..

وَكَانَتِ الأُغنِيَةُ: مَسيحُ يَا مَسيحُ يَا فادي الْبَرَايَا.

تصويرك لألم الواقع جاء شفافا جليًّا، لأنّك الشاهد الوحيد والحقيقيّ على جريمة هكذا زمن لئيم رديء،

صحيح أنّ كلماتك أتت المعلم تشكو وهي مؤرقة ومنهكة، لكنّها أبت أن تهيم في شوارع المهد العتيقة صوتًا يُردّد: "كم مرّة سأموت بعدك، وكم سيقتلني رحيلك؟"

نعم يا شاعري.. كلماتك جاءت محمّلة بأجراس أقانيم الآب والابن والروح القدس وهي تقول: "صار موت المعلم مفتاحًا لأبواب الحياة، وها هو النهار يبزغ من شرايين دماه، ومن عينيه يطلع القمر، وها هي القيامة تحملها يداه".

 

حقا يا شاعري وهيب أنت أعلنت ولاءَك لقدس أقداس جرح الصليب، فانعصرت حسرة ولوعة، فأثريتنا بهذه الملحمة محمّلة بحقول الدلالات والمعاني الرمزية، ترْشَحُ حرارة وعاطفة وتتلألأ وميضًا، وتحلّق خيالا...

 

هنيئًا لك مفاتيحك... لم تترك أبوابًا للسماء مغلقة، لأنها ابنة وفيّة نديّة فتيّة لليلة قدر الفتح المبين، وسأظلّ أردّد معك: "الحقّ الحقّ أقول لكم، قدرُ الإنسان أن يحيا على نبض الجراح، وقدَرُ الجلاّد أن يهلك في زحف الصباح".

 

(2)

وهيب وهبة كلمة وصلاة أمام جدول عبقريّة دم الصليب، يكتمل الفداء قيامةً و"حداد العشاء سِرًّا"، ويخضوضر الدمع المُعتّق في جلجلة منفى الرب خمرًا، خمّرَ آلام "المعلم" روح قدس، تجلّت "ابنًا" يده أبدًا تمتدّ خلاصًا في ليل الخيانة والخطيئة... خلاصًا أنوار حروفه تلجُ عتبات الجراح النازفة، حاملة أكثر من مسرّة ترتل في هيكل الإيمان: الآن نافذة جديدة، الآن عنوان جديد، الآن حائط عنيد لأعلق المصباح والوطن السعيد. هذا ما انكشفت أمامك حُجبُه وأنت في شطحات فتوحاتك، فقرات قدر الإنسان في هذا الزمن الخؤون "حياة على وتر الجراح جراح ليد شافية منتظرة"، ولأنك يا شاعري كنت دومًا على موعد مع الأمل الوضّاء الذي لا تعرف حتى ثمالته، حلقت بسموٍّ لتطفئ غليل القصيدة بسحابة ممهورة بقطرات "منديل فيرونيكا" و"حجارة المجدلية". حلقت تحمل وجع المخاض "كلمة" حروفها، وتمرّ المعاني تبحث في الجغرافية الذبيحة عن "مكان قصيّ" وعن "جذع نخلة"، كلماتك يا شاعري نجمٌ أرجوانيّ وصلاة، حتى إن أتت مع صدى الريح ومن بقية حنجرة، لترتفع أجراسًا في معابد اللازورد، أجراسًا تغني هللويا. صار موت "المعلم" مفتاحًا لأبواب الحياة، ها هو النهر يبزغ في شرايين دماه، ومن عينيه يطلع القمر، والقيامة تحملها يداه.

عِندَها.. صَدَحَ النَّهرُ بِالْغِنَاءِ

وَاستَيقَظَ الزَّهرُ فَوقَ شِفاهِ الْمُعَذَّبينَ   -

أُغنِيَةً للْحَيَاةِ

مبدعي وهيب وهبة... أنت واهب وهاب ومهيب وموهوب، أعلنت ولاءك لقدس أقداس جراح الصليب، فأثريْتنا بهذه المرثية المَلحمة سفرا في المطلق، ذابت فيه الحدود والأمكنة والأزمنة يجترح المناطق الصعبة، ولكنه يتنفس الحياة شمعة صباح تسهد في سماء القصيدة، لتزداد نورًا على نور. هنيئا لك ولنا يا مبدعي، ملحمتك غوص في نهر القصيدة، ترفض أن تُقايَض بالنوارس، لتظلّ مَعين صدق يلمّ شتات الأبجدية من براري التيه والترحال، فتنساب فيضًا رقراقًا يعطينا تسبيحة وفيّة فتيّة نديّة تنادي: الحق الحق أقول لكم... قدر الإنسان أن يحيا ولو على نبض الجراح، وقدر الجلاد أن يهلك في زحف الصباح.

 

هُوَ الآنَ أمَامي

يَسِيرُ بَينَ النُّجومِ..

حَامِلًا فِي يَدَيْهِ مَفَاتِيحَ السَّمَاءِ

 

إشارة:

هذه المقالات والدراسات التي تنشر الآن، بمناسبة الطبعة الفلسطينية الخاصة  2022 لمسرحية القصيدة العربية – مفاتيح السماء - عن مكتبة ودار الشامل للنشر والتوزيع- فلسطين.

بإدارة- بكر محمد زيدان رمضان

تصميم الغلاف- معاذ عبد الحق

غلاف مفاتيح السماء


 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت