الثوار والمجاهدون التجار

بقلم: طلال الشريف

طلال الشريف.jpg
  • د. طلال الشريف

منحوا أنفسهم لقب ثوار أو مجاهدين وسرعان ما تحولوا إلى تجار ، كنا نعيب على الحكام والسلاطين الذين تاجروا بنفوذ سلطتهم عندما تحولوا للتجارة عبر عصور قريبة مضت بعد أن سبقهم بعصور رجال الدين الذين كانوا أول المتاجرين بالدين وسلطته وسكوك الغفران وبيع مقاعد الجنة والنار، ولا أدري كيف نفهم أن تجارة الجنس والدعارة كانت أول التجارة كما يقال في التاريخ إلا من خلال أنها سلطة أيضا أي سلطة الغريزة الغريزة والمضحك المبكي أن كلها سلطات.

 أما أن يتحول الثائر والمجاهد  إلى تاجر فتلك كارثة الكوارث خاصة ثوار ومجاهدي الدول المحتلة أو المستعمرة من إحتلال أجنبي ليصبحوا مستعمرين رقم اثنين لشعبهم بعد الأجنبي الذي جاء يحتل الأرض والثروات ويتاجر بما طالت يداه وسلطته، فيفقر تلك الشعوب ويؤخر نموها وتقدمها.

 الثائر التاجر مثله مثل المحتل  يستغل ثروات ومصالح شعبه وبنفس الطريقة حين يصبح تاجرا يستكرد شعبه بدل أن يحميه ويحرره من الإحتلال رقم واحد.

مع بدايات السلطة الوطنية  جنح الثوار لنموذج الشراكة مع التجار وأصحاب المشاريع من أصحاب رأس المال وفرضوا ذلك بالقوة وذلك بالتحكم في التراخيص وأذونات الاستيراد والتصدير وفرض الجمارك والضرائب والموافقات الأمنية والتدخل القصري بحجة عدم مطابقة  المواصفات أو أي شيء يعيق حركة او سفر التجار أو دخول المنتجات وخروجها بحجج عدم الصلاحية أحيانا حتى أصبح الثوار شركاء في كل تجارة أو مشروع يريد أي تاجر أو رأسمالي إقامته.

مرحلة ما بعد الانقسام جاءت سلطة حماس لتقدم نموذجا أكثر جشعا من شراكة ثوار السلطة الاولى وأصبحوا هم التجار وأصحاب رأس المال في كل مشروع أو منتح أو صنف تحتاجه حياة الناس في قطاع غزة ونافسوا تجار السوق الأصليين حتى أضعفوهم وطردوهم بالافقار من المنافسة في السوق وأخذوا مكانهم وأصبحت الدورة الإقتصادية في قطاع غزة ملكهم ومكاسبها تؤول لهم ولحركتهم فتحولوا لأغنياء وموسرين وأصحاب الطبقة العليا والأثرياء وفرضوا الضرائب حتى دون أن يستفيد المواطن منها والتي في أصلها أي الضرائب حين تجبى يجب أن تعود للمواطن في شكل منشآت أو خدمات أو تحسين الصحة والزراعة والتعليم والرواتب، وبدلا من ذلك تراجعت الخدمات والوظائف ولم تقف الأفكار الجهنمية عن مال حماس لحماس بل أصبح مال الشعب الفلسطيني أيضا لحماس فضاقت حياة سكان قطاع غزة وهرب الكثيرون من التجار السابقين والمواطنين للخارج ليجدوا فرص عمل أو تجارة ومنهم من يغرقون في البحر للحصول على عمل وكذلك هربت رؤوس المال وهرب الاستثمار والكفاءات وزادت المعاناة ...

هكذا أدمن الثوار والمجاهدون التجارة ونسوا أننا تحت الإحتلال واتسعت الفجوة بينهم وبين شعبنا سياسيا واجتماعيا وماليا ولذلك تجد طبقات المسحوقين والفقراء والشحادين تشكل غالبية من سكان قطاع غزة وتكاثرت مشاكلهم وتعقدت مثال  إدمان المخدرات والتدخين وتفاقم الامراض والطلاق والجريمة والأمراض النفسية والطوش اليومية في الأحياء الفقيرة وهجرة الشباب والكفاءات  الذين فقدوا سبل الحياة الكريمة والحماية وفقدوا الأمن والأمان بعد أن تلبسهم الاكتئاب  والنكد اليومي والإحباط الذي حول المجتمع لمجتمع كراهية وهذا  التفاوت الكبير في الدخل وتوزيع المقدرات وحتى المساعدات وفقدان العدل الاجتماعي في الخدمات والوظائف والمساعدات وعسر الرسوم الجامعي في هذه الظروف الكارثية والتي  يجب أن يتحول التعليم الجامعي والخدمات الصحية بالمجان بدل احتكارها لصالح المتنفذين في السلطتين وحزبيهما وحتى في القطاع الخاص لأننا في كارثة وطنية وليس في وارد استثمار واستكراد وتجارة فالعلم أهم من الأمن وحتى أهم من المقاومة غير المنتجة ...

 هذا ما فعله الثوار والمجاهدون في مجتمع قطاع غزة حين تحولوا لتجار  وتجار جشعين لديهم المسكن الفاخر والطعام الفاجر والسيارات الفارهة وحسابات البنوك المتضخمة ومولدات الكهرباء الضخمة وحمامات السباحة والمكيفات المركزية والملابس الفاخرة والاكسسوارات ومنتجات التجميل  وكل وسائل الترفيه والفقراء والمسحوقين إن وجدوا رغيف الخبز فلن يجدوا ماء الاستحمام ولا كهرباء الإضاءة ولا رسوم الجامعة وعندما يوجه النقد لهم يسقطون على الناس أنهم محاصرون في غزة وفي الضفة ليس لديهم دخلا أو تمويلا كافيا.  

ملاحظة؛
أتمنى ألا يكون لهم أي للثوار والمجاهدين دور في شبكات تهريب وتجارة البشر أو التغطية عليهم، التي تحدث عنها الاعلاميين والصحفين بالأمس وما قدمه الاعلتمي عبد الحميد عبد العاطي  بعد تهديد تلك العصابات للصحفي أحمد سعيد في قطاع غزة على خلفية تقديمه برنامج عن عصابات الهجرة من قطاع غزة والتي أودت بحياة الكثير من الشباب وغرقهم في البحر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت