الضم بين «أرخبيل فلسطين» و«إسرائيل الكبرى»

بقلم: أسامة خليفة

أسامة خليفة.jpg
  •  أسامة خليفة
  •    باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

قراءة في كتاب «صفقة القرن في الميدان»، يحمل الكتاب الرقم «39» في إطار سلسلة «الطريق إلى الاستقلال»، التي يصدرها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف».

الكتاب في أربعة فصول، الفصل الثاني منه بعنوان ما بعد 28/1/2020، وهو في ستة أبواب، عناوينها كالتالي: - «صفقة القرن» صفقة لتصفية القضية الفلسطينية – «صفقة القرن» المعركة الفاصلة مع المشروع الصهيوني – الضم أعلى مراحل الاحتلال الاسرائيلي - المواجهة الوطنية لإفشال خطة ترامب وإسقاط خطة الضم – انعكاسات خطة الضم على الاقتصاد الفلسطيني – انتخابات الكنيست الـ23.. 2/2/2020.

لقد أصبح الضم جزءاً أساسياً في الحياة السياسية داخل اسرائيل، واستقرت في قلب التوازنات الداخلية في المجتمع المتصهين المتطرف، وهي العنوان الأول على جدول أعمال مجالس المستوطنات وأحزاب اليمين، تطفو عنصرية هذه الأحزاب على السطح مع كل انتخابات كنيست، تتسابق في التغول ضد حقوق شعبنا عموماً، وتشطب إمكانية قيام الدولة الفلسطينية بمفاوضات أو دون مفاوضات، ففي انتخابات الكنيست عام 2020 أعلن نتنياهو شروع حكومته في إجراءات ضم الأغوار وشمال البحر الميت، وهذا أكسب الليكود المزيد من أصوات المستوطنين ومن جمهور أحزاب وجماعات دينية يمينية متطرفة، رأت جميعها أن نتنياهو يمضي بلا عقبات نحو إقامة دولة «اسرائيل الكبرى».

إن الاستيطان هو الاجراء العملي للضم يُختتم بإصدار قانون لإكسابه الشرعية، والأرض هي العنصر الجوهري في المشروع الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني، وكل استيطان هو في واقع الأمر خطوة في إنجاز الضم الزاحف للأرض، بإجراءاته اليومية في شتى أنحاء الضفة الغربية.

حسب القوانين الدولية، الضم هو إجراء إداري غير قانونيّ، يتعلّق بالحيازة القسرية لأراضي دولة من قبل دولة أخرى، بإلحاقها سياسياً وإدارياً وقانونياً بها وفرض سيادتها عليها، بحيث تغدو جزءاً من الدولة المحتلة، وليست أراضاً واقعة تحت الاحتلال، وهي عمليّة مختلفة عن احتلال أراضي الغير والسيطرة عليها، وإن كان الاحتلال سابقاً للضم وناتجاً عنه، مثل حال القدس الشرقية حين أقر الكنيست الإسرائيلي في 27 حزيران/يونيو 1967، ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل، كعاصمة موحدة، عقب أيام من الاحتلال العسكريّ لها، وهذا عمل انفرادي يخالف القوانين الدولية فيما يتعلق بوضع مدينة القدس كمدينة محتلة.

تضمن برنامج الحكومة الإسرائيلية المشكلة في 17/5/2020 تطبيق الضم الفعلي لما نسبته30% من أراضي الضفة الغربية، بما فيها مستوطنات الضفة الغربية إلى اسرائيل، وبما يشمل البؤر والجيوب الاستيطانية في قلب «الدولة الفلسطينية» المزعومة، وهذا يعني تقطيع التواصل الجغرافي للضفة الغربية، ومصادرة الأراضي التي يمكن أن تستوعب الزيادة السكانية الفلسطينية مستقبلاً، فيما يتم الاتصال بين المدن والتجمعات السكانية التي هي أشبه بـ«معازل» مع بعضها البعض عبر شبكة طرق تسيطر عليها سلطات الاحتلال، بدواع أمنية، إضافة إلى التحكم بحركة البضائع والأشخاص من وإلى «الدولة» الفلسطينية.

بينما اعتبر الكنيست أن قرار ضم جميع المستوطنات ليس أولوية الآن خشية تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، تتعارض مع فكرة الدولة اليهودية، والأمر مؤجل إلى حين معالجة مسألة إدارة شؤون السكان الفلسطينيين، تقليص عددهم، أو طردهم حسب الجهات الدينية الصهيونية المتطرفة، فقد تم ضم  القدس الشرقية منذ العام 1967 كعاصمة موحدة غير مقسمة لدولة اسرائيل ومازالت مشكلة سكانها لم تجد لها حكومات اسرائيل الحل المناسب، وتتردد في أن يصبح حاملو البطاقة الزرقاء مواطنين في دولة إسرائيل، وتعمل بشكل دائم على تجرّيد العديد منهم من حقهم في الإقامة لأسباب مختلفة وواهية.

والآن عملية الضم جارية باستيطان أراض قد تتجاوز مشروع نتنياهو بضم 30% وتصل إلى ما نسبته 60% من مساحة الضفة الغربية، وردود الفعل الدولية الخجولة على عدم شرعية الاستيطان، لن تثني اسرائيل عن الاستمرار في المضي بالإجراءات القانونية والعملية التي تستوجبها مرحلة الضم، لتحقيق مشروع «اسرائيل الكبرى» على حساب  الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتدمير اقتصاده وأسس وجوده، فالضم جريمة تتعدى الآثار الاقتصادية وتطال كل جوانب الحياة، وسكوت العالم عن جريمة الضم، وعدم مساءلة اسرائيل، ومحاكمة الاحتلال، وحرمان الشعب الفلسطيني من الحماية، يعني المزيد من القمع والظلم والتدمير والقتل والتهجير وعسف الاحتلال وجرائمه.

إن قيام دولة فلسطينية مستقبلية متصلة جغرافياً، وقابلة للحياة، غير ممكنة، بسبب سياسة الضم الزاحف، إذ ستجد هذه الدولة نفسها بفعل جريمة الضم أمام مشروع دولة مقطعة الأوصال، عبارة عن جزر متناثرة، أرخبيل ضيق المساحة بكثافة سكانية عالية، تسمى دولة وليست دولة، أو دولة بلا تنمية، محرومة من حقها في تطوير اقتصادها الذي يعاني تشوهاً في تركيبته وبنيته، ومن التبعية والتدهور والركود، مما سيقوض مرتكزات إقامة دولة بدعائم اقتصادية، وتتمتع بموارد تدعم استمرارها وتقيم أود سكانها، وبديهي أن دولة ذات سيادة لا تكون في ظل احتلال يحرم الفلسطينيين من استغلال أرضهم ومواردهم الطبيعية، ويمنع المزارعين والمستثمرين من استخدام الأرض والعمل فيها والانتفاع منها، وكل هذا من الحقوق الأساسية للإنسان يحميها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

من بين أهم المناطق المعلنة في مشروع الضم منطقة الأغوار التي تتمتع بأهمية اقتصادية وسياسية فائقة بالنسبة للفلسطينيين، سلة فلسطين الغذائية، تبلغ مساحتها720 ألف دونم، مساحة الأرض الزراعية فيها 280 ألف دونم، يسيطر المستوطنون على 27 ألف دونم من الأراضي الزراعية فيها.

يسيطر جيش الاحتلال على 400 ألف دونم من مساحة الأغوار بذريعة استخدامها مناطق عسكرية مغلقة يحظر على الفلسطينيين ممارسة أي نشاط زراعي، أو عمراني، أو أي نشاط آخر، مما يؤدي إلى خنق الأمن الغذائي للضفة الغربية بالكامل، فسلطات الاحتلال لا تحرم الفلسطينيين من الأرض الزراعية فحسب، بل أيضاً من المراعي المنتجة والحاضنة للثروة النباتية والحيوانية والمائية التي تشكل بعداً حيوياً للأمن الغذائي والاقتصادي في فلسطين، أيضاً هناك مصادر طبيعية أخرى تتمتع بها منطقة الأغوار الفلسطينية يمنع الفلسطينيون من الوصول إلى هذه المصادر، حيث وجود مقالع للحجر والرخام تستغلها الكسارات الإسرائيلية غير الشرعية، بالإضافة إلى مصادر الثروة في البحر الميت الذي يحفل بالكثير من المعادن وفي مقدمتها البوتاس والبرومين، ويعتبر البحر الميت معلماً سياحياً ومورداً اقتصادياً تقيم اسرائيل على شواطئه منتجعات سياحية تدر عليها عائدات كبيرة، وتحرم الفلسطينيين من القيام بأية استثمارات من أي نوع كان على البحر الميت.

شجعت الإدارة الأمريكية الحكومة الإسرائيلية لتمرير أطماعها وتنفيذ مشروع الضم، لقد تبنى ترامب العقيدة الصهيونية في الاعتراف بحق دولة الاحتلال في ضم ثلث أراضي الضفة الغربية، تشمل مناطق الغور وشمال البحر الميت والمستوطنات، لإقامة «اسرائيل الكبرى»، لم تتوقف الإدارة الأمريكية عن مباركتها للضم الذي وسعت دائرته، باعتراف أميركي بضم إسرائيل لهضبة الجولان العربية المحتلة منذ عام 1967، بل انتقلت إلى كونها شريكاً في رسم الخرائط من خلال اللجنة المشتركة الأمريكية- الإسرائيلية التي عهد إليها بدءاً من 15/2/2020 رسم خطوط الضم في أنحاء الضفة والفواصل بين مناطق اسرائيل الكبرى، وبين الكيان الفلسطيني المحتجز خلف قضبانها.

فأعدت لجنة أمريكية –إسرائيلية مشتركة، دراسة لضم أراض فلسطينية، وإعداد خرائط للضفة الغربية المحتلة، بالمشاورة مع رؤساء مجالس الاستيطان في الضفة الغربية لضمان إدراج جميع مناطق المستوطنات في الخطة التي تتصور تطبيق السيادة الإسرائيلية على جميع مناطق ونفوذ المستوطنات القائمة في الضفة الغربية مع تواصل جغرافي يربط بينها، تقرر اللجنة أيضاً مساحة المستوطنات والطرق المؤدية إليها، لتصميم خريطة دولة فلسطين المزعومة برسم خطوط وليس حدود لها، وتحديد مساحتها التي ستكون مساوية للمساحة التي احتلتها اسرائيل في عدوان 5 حزيران1967 بمساحات تعويضية عن أراض ترغب اسرائيل بضمها ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية، مقابل أراضي صحراوية قاحلة جنوب قطاع غزة وجنوب الخليل، أو مقابل أراض في المثلث، علماً أن الجوهري هو عملية نقل سكانها العرب إلى الرعاية الفلسطينية وتجريدهم من الجنسية الإسرائيلية وحرمانهم من أي حقوق، ورفض مواطني المثلث لحملة الترانسفير هذه ليس تنكراً للهوية الفلسطينية بل رفضاً لتجريدهم من أي حقوق سياسية ومدنية في ظل دولة فلسطينية تفتقر لمعالم السيادة، فبعد أن ضمت اسرائيل سابقاً القدس الشرقية عام 1967، تسعى حالياً لضم أجزاء من محيطها في سياق تنفيذ مخطط «القدس الكبرى»، بالإضافة إلى الأراضي التي صار من المعروف أنها تقع في إطار مشروع «اسرائيل الكبرى».  

الخريطة المقترحة تضع تصوراً لدولة فلسطينية ناقصة السيادة، مقسمة لمناطق عدة، بما يستجيب للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية حيث تبقى السيطرة الأمنية العليا بيد اسرائيل مع سيطرتها على المجال الجوي والبحري بالكامل، وبالنسبة للمناطق السكانية الفلسطينية المعزولة والغير متصلة جغرافياً، تربطها شبكة مواصلات من خلال الجسور والأنفاق، ويخضع بناؤها للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية، مع مواءمة جدار الضم والتوسع لينسجم مع الحدود الجديدة، وحسب الخطة لا تتشارك دولة فلسطين بحدود دولية شرقية مع الأردن، وتبقى السيطرة الأمنية على المعابر كافة من ضمنها المعابر مع مصر، كل ذلك دون مشورة أو حضور الجانب الفلسطيني، وسيكون بإمكان اسرائيل تطبيق السيادة على المستوطنات فور انتهاء اللجنة من أعمالها.

تشكل مساحة المستوطنات نحو 10% من مساحة الضفة الغربية، يضاف إليها أكثر من مليون ونصف مليون دونم هي مناطق نفوذ المجالس الإقليمية للمستوطنات تشمل مناطق واسعة لا تدخل في مناطق عمران أي من المستوطنات، وتبلغ مساحة الأراضي الواقعة تحت السيطرة المباشرة لإسرائيل نحو 60% من مساحة مناطق «ج»، وتحظر إسرائيل على الفلسطينيين دخول أو استغلال هذه المناطق الشاسعة دون تصاريح مسبقة من قوات الاحتلال، وعلى عكس من السياسة المتشددة التي تتبعها اسرائيل في تقييد بناء الفلسطينيين في هذه المناطق ومن أوامر الهدم على نطاق واسع، تحظى المستوطنات بالدعم الحكومي الكامل من أجل زيادة عدد المستوطنين على حساب السكان الفلسطينيين.

المشروع الأمريكي-الإسرائيلي يزوّر التاريخ ويشوه الحاضر والمستقبل، ويدعي أن أرض فلسطين التاريخية «أرض اسرائيل» هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، والوجود البشري الفلسطيني على هذه الأرض وجود طارئ له تطلعات، وهذه التطلعات لها سقف وحدود، ولكن يجب ألا تنتقص من الحق التاريخي لليهود، وتسليم اسرائيل بأي حق من حقوق الفلسطينيين المكفولة بقرارات الشرعية الدولية هو تنازل إسرائيلي.

كما يدعي المشروع الأمريكي-الإسرائيلي أن حرب 1967 كانت حرباً دفاعية، وأن من حق الدول التي تستولي على أرض في حرب دفاعية أن تستحوذ عليها، خلافاً لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، كما أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لا يحل بالقرارات الدولية، وإنما بالتفاوض والاتفاق بين الطرفين، ويتجاهل هذا المشروع أن الصراع نشأ بقرار دولي هو القرار 181، وكل الصراعات الدولية هدف التفاوض هو تنفيذ القرارات الدولية والقانون الدولي، وهو الحكم الذي يوجه عمليات التفاوض.

على امتداد العام 2017، اقتصر كلام الإدارة الأمريكية في موضوع صفقة القرن على العنوان، دون الكشف عن المضمون، ما جعل مركز القرار في السلطة الفلسطينية، بدافع الترحيب، ينساق وراء استعجال الإعلان عن الصفقة، ضمن تقدير ساذج، يراهن على انفتاحها على وجهة التسوية المتوازنة، المطلوب بإلحاح التوصل إليها، خاصة بعد أن توقفت المفاوضات الثنائية مع اسرائيل بالرعاية الأمريكية دون أن تثمر عن نتيجة.

استمر الوضع على هذا المنوال، إلى أن فجّر الرئيس الأمريكي في6/12/2017 قنبلة الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، وتأكد من خلالها أن الضم هو أهم بنود صفقة القرن، فتوحد الموقف الفلسطيني على رفض صفقة القرن، وخاصة بعد أن تتابعت مواقف وقرارات الإدارة الأمريكية وأتت مطابقة لموقف وأهداف سياسة الحكومة الإسرائيلية، ومن بينها:

-      إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني بما يؤدي إلى شطب حق العودة. 

-      إلغاء المساهمة الأمريكية في تمويل موازنة وكالة الغوث، والتحضير لإلغاء تفويضها الأممي، وتحويل وظائفها إلى الدول المضيفة.

-      الموافقة على مواصلة الاستيطان، والاعتراف بشرعية مستوطنات الضفة الغربية تمهيداً لقرار ضم الكتل الرئيسية، سيادياً إلى اسرائيل.

-      إدارة الظهر تماماً للتسوية المرتكزة أساساً على إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.

تم الكشف عن بنود صفقة القرن تباعاً، ولم تطلق الولايات المتحدة رسمياً نصاً كاملاً للصفقة، لأن الأهم في منظور الإدارة الأمريكية، هو توفير شروط تقدم المسار نحو بلوغ أهدافه، لكن الموضوع الذي يعنينا أن نسلط الضوء على العناصر الأساس التي ترتكز إليها صفقة القرن أهمها ما يلي:

-      تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا ترتكز إلى قرارات الشرعية الدولية، بل تستند إلى التسليم بوقائع على الأرض التي تشكلت خلال نصف قرن من عمر الاحتلال، وبالتالي المطلوب من العملية التفاوضية ترسيم هذه الوقائع، والانطلاق منها كنموذج يحتذى به لحل ما تبقى من قضايا لم تجد طريقها للحل بعد.

-      المشروع المطروح في صفقة القرن ليس للتفاوض بل للبحث في آليات تطبيقه، مما يفسح في المجال بأفضل الحالات بالنسبة للجانب الفلسطيني لتقليص سلبيات على هوامشه، إنما ليس في الأساسيات.

-      المدخل الرئيسي لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو التقدم نحو إنجاز التسوية في مدى الإقليم، والتي لن تقتصر على تطبيع علاقات اسرائيل مع دول المحيط وما يتعداها جغرافياً بل التقدم في مجال التعاون الاقتصادي والأمني في هذا المحيط، في إطار تحالف استراتيجي مديد بقيادة الولايات المتحدة، تتحدد فيه أوجه الصراع والمواجهة، بما يتفق وأولويات واشنطن وتل أبيب، سواء مع إيران أو سواها لاحقاً، تبعاً لما تمليه المصلحة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة.

-      في الحالة الفلسطينية يسبق المسار الاقتصادي المسار السياسي، أو افتتاح المسار السياسي بالمسار الاقتصادي.

مع إجراءات مشاريع الضم العملية المتضمنة في صفقة القرن دخلت قضيتنا الوطنية أخطر مراحلها، ونجاح مخطط الضم يعني حسم الصراع لصالح قيام دولة اسرائيل الكبرى وتصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية لصالح حكم إداري ذاتي محدود على السكان تحت الهيمنة الإسرائيلية.

رد الفعل الفلسطيني تمثل بقرار القيادة الرسمية في 19/5/2020 بالتحلل من الاتفاقات والالتزامات والمعاهدات مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، أعقبه خطوات محددة بوقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، ووقف العمل بالاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة دون قطع الاتصال معها بشكل تام، شكل هذا خطوة إلى الأمام على طريق تطبيق قرارات المجلس الوطني والمركزي من شأنها أن توسع مساحة القواسم المشتركة التي يمكن على أساسها إعادة بناء الاجماع الوطني، مما يتطلب دعمها وتطويرها، غير أن هذه الخطوة على أهميتها تشكو من ثغرتين رئيسيتين:

الأولى: أنها جاءت كرد فعل تكتيكي ضاغط من أجل التراجع عن مخطط الضم، ورهن قرار «التحلل» من الجانب الفلسطيني بالعودة عن مخطط الضم من الجانب الأمريكي-الإسرائيلي، أي أن خطوة 19/5 على أهميتها لا تنطوي على تبني استراتيجية وطنية جديدة بالتنفيذ الكامل لقرارات المجلسين الوطني والمركزي، بل هي تأتي في إطار تمسك القيادة الرسمية الفلسطينية باستراتيجيتها القائمة على انتظار الظروف التي تسمح باستئناف المفاوضات في إطار الرباعية الدولية. 

الثانية: الحديث عن تطبيق القرار19/5 وفق مفهوم «الرزمة الكاملة» لا يعبر عن «السقف العالي للقرار» كما تحاول السلطة الفلسطينية أن توحي به، بقدر ما ينسجم مع الوظيفة التكتيكية للقرار لأنه تحاشى التحديد الواضح للأولويات عند التطبيق، والتمييز بين الإجراءات التي تلحق الضرر بمصالح الاحتلال وتشكل ضغطاً عليه، والتي ينبغي أن تعطى الأولوية، وبين تلك التي يقتصر ضررها على الجانب الفلسطيني والتي ينبغي أن تعالج وفق مفهوم الانفكاك التدريجي.

إن الشرط الأول للانتقال من السياسات التكتيكية محدودة الفعل والتحرر من أوسلو وقيوده، إلى سياسة المجابهة الوطنية الشاملة هو في التوافق الوطني على تعريف المرحلة وسماتها، وبرنامجها، وأهدافها، ووسائلها النضالية، إن القضية الوطنية تمر بمرحلة التحرر الوطني في مواجهة احتلال استعماري استيطاني، يطمع بالأرض الفلسطينية، ويخطط للاستيلاء عليها، عبر كل الأساليب التي تحقق له هذه الأهداف، لذلك ينبغي التحرر من أوهام الانتقال من السلطة إلى الدولة في ظل الاحتلال، فمشروع الضم وتطبيقاته هو الحلقة المركزية لصفقة القرن بما هي إعلان حرب شاملة على القضية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبما أن مشروع الضم وتطبيقاته بات موضع إجماع إسرائيلي ولم يعد مشروع نتنياهو وحده، أو الليكود وحده وإن اختلفت الأطراف الإسرائيلية على توقيت تنفيذ قرار الضم ومداه.

إن البدائل لمجابهة صفقة القرن ومشروع الضم هي في المجابهة الشاملة في الميدان، وفي المحافل الدولية، أما الرهان على سوى ذلك فهو رهان فاشل، أثبت عجزه عن تلبية متطلبات المواجهة الوطنية، ولجم اندفاعة المشروع المعادي، ناهيك عن دحره.

صفقة القرن ومشروع الضم ليس موضوعاً معروضاً على الفلسطينيين للتفاوض عليه، بل هي مشروع أمريكي إسرائيلي للتنفيذ من جهة واحدة ووضع الحالة الفلسطينية والعربية والإقليمية أمام الأمر الواقع، بل وضع الحالة الفلسطينية أمام الفرصة الأخيرة، فإسرائيل لن تسمح لنفسها أن تفوت الفرصة التي أتاحتها لها صفقة القرن، لإقامة دولة اسرائيل الكبرى وهذه هي الفرصة الأخيرة والحاسمة في الصراع المفتوح بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل، لذلك يفترض أن تكون المواجهة الوطنية للصفقة مختلفة تماماً لكسرها وإلحاق الهزيمة بها، وبالتحالف الأمريكي الإسرائيلي، ومن شأن ذلك أن يلحق الهزيمة الحاسمة بالمشروع الصهيوني، ليس على الصعيد الوطني الفلسطيني فحسب بل وعلى الصعيد العربي والإقليمي، ما يفتح أمام القضية الوطنية مساراً جديداً يتوج حتماً بالانتصار والفوز بالحقوق الوطنية المشروعة.       

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت