واصلت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 19 مايو/آيار 2026، خروقاتها اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار من الزوارق الحربية والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين في مناطق متفرقة من القطاع، في وقت تتصاعد فيه الخلافات السياسية بشأن تنفيذ مراحل الاتفاق، خصوصاً بعد تقرير صادر عن ما يُسمى «مجلس السلام» حمّل حركة «حماس» مسؤولية تعثر الخطة الشاملة.
وأفادت مصادر طبية في مستشفى الشفاء باستشهاد الشاب بدر خليل أهل، وإصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة، جراء غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية استهدفت مركبة مدنية في محيط برج فلسطين بشارع الشهداء في حي الرمال غرب مدينة غزة.
وفي حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، أصيب عدد من المدنيين، بينهم حالة وصفت بالخطرة، إثر استهداف تجمع للمواطنين بمسيّرة إسرائيلية انتحارية قرب مفترق السوافيري، وفق مصادر طبية في مستشفى المعمداني.
كما أصيب طفل فلسطيني برصاص قوات الاحتلال في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، فيما أصيب صيادان من عائلة النجار بنيران الزوارق الحربية الإسرائيلية قبالة ساحل خان يونس جنوب القطاع، بعدما أطلقت البحرية الإسرائيلية النار بكثافة تجاه مراكب الصيادين.
وفي خان يونس، استشهد الطفل محمد صلاح محمد الرقب، البالغ من العمر 14 عاماً، متأثراً بجروح أصيب بها في قصف إسرائيلي سابق قرب شارع صلاح الدين قبل ثلاثة أيام. كما قصفت طائرات الاحتلال منطقة مواصي خان يونس المكتظة بخيام النازحين، بعد ساعات من اتصالات طالبت عدداً من النازحين بإخلاء المنطقة، في مشهد بات يتكرر خلال الأسابيع الأخيرة، ما يزيد من معاناة المدنيين في مناطق النزوح.
وشنت طائرة مسيّرة إسرائيلية غارة أخرى على منطقة شارع الطينة في مواصي خان يونس، بالتزامن مع تنفيذ قوات الاحتلال عمليات نسف في المناطق الشرقية من المدينة، وإطلاق قنابل إنارة شرق بلدة جباليا، وغارة جوية استهدفت منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إلى 881 شهيداً، إضافة إلى 2605 إصابات و776 حالة انتشال، فيما بلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نحو 72,773 شهيداً و172,707 إصابات.
سياسياً، دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس» مرحلة جديدة من التوتر وتبادل الاتهامات، في ظل تعثر المفاوضات الخاصة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً بعد مباحثات غير حاسمة جرت في القاهرة.
ووفق تقرير رفعه «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي، فإن وقف إطلاق النار في غزة صمد سبعة أشهر رغم الانتهاكات والتحديات اليومية، إلا أن المجلس اعتبر أن «العقبة الرئيسية» أمام تنفيذ الخطة الشاملة تكمن في رفض حركة «حماس» نزع السلاح والتخلي عن السيطرة على القطاع.
وأشار التقرير إلى أن الاحتياجات الإنسانية في غزة لا تزال هائلة، رغم ارتفاع إدخال المساعدات بنسبة 70% منذ بدء الهدنة، وإدخال نحو 300 ألف طن من المساعدات. كما تحدث عن دمار واسع طال نحو 85% من مباني القطاع وبناه التحتية، وقدّر حجم الركام المطلوب إزالته بنحو 70 مليون طن، إلى جانب تعهدات مالية بقيمة 17 مليار دولار لإعادة الإعمار.
في المقابل، رفضت حركة «حماس» ما ورد في التقرير، واعتبرته متضمناً «مغالطات» تعفي حكومة الاحتلال من مسؤولياتها عن الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، وتغفل استمرار القيود على المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء والمعدات اللازمة لإصلاح البنية التحتية.
وأكدت الحركة أنها أبدت مراراً جاهزيتها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى لجنة وطنية، داعية إلى دخول اللجنة وتمكينها من مباشرة مهامها فوراً، ومشددة على أن الاحتلال هو من يعرقل تنفيذ هذه الخطوة. كما اعتبرت أن التركيز على ملف نزع السلاح يمثل تبنياً للشروط الإسرائيلية ومحاولة لخلط الأوراق وتعطيل مسار الاتفاق.
بدورها، رفضت حركة الجهاد الإسلامي تقرير «مجلس السلام»، واعتبرته منحازاً للرواية الإسرائيلية ومتجاهلاً الانتهاكات المتواصلة في قطاع غزة، مؤكدة أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الكاملة عن تعطيل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار من خلال استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول اللجنة الإدارية وتفاقم الكارثة الإنسانية.
ويأتي هذا التوتر في وقت تؤكد فيه فصائل فلسطينية أن «سلاح المقاومة» شأن فلسطيني داخلي، وأن بحثه يجب أن يرتبط بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه، لا باستخدامه شرطاً مسبقاً لمنع الإعمار أو تعطيل إدخال المساعدات.
ويرى محللون أن الخلاف بين ملادينوف و«حماس» يهدد بتعميق تعثر الاتفاق، خصوصاً مع استمرار الخروقات الإسرائيلية وغياب ضمانات تنفيذ واضحة. ويذهب خبراء إلى أن إسرائيل تدير الوضع في غزة عبر سياسة «اللا حسم المنظم»، من خلال إبقاء التهديد بالحرب قائماً، وتنفيذ عمليات محدودة ومتكررة، واستخدام الضغط العسكري والميداني لتحسين شروطها التفاوضية.
وفي السياق، قال مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، آجيت سونغهاي، إن وقف إطلاق النار خفف من حجم العنف وفتح هامشاً إنسانياً محدوداً، إلا أن عمليات القتل وتدمير البنية التحتية والانتهاكات لا تزال مستمرة بصورة شبه يومية، فيما يبقى الوضع الإنساني العام في قطاع غزة كارثياً.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الجهود المصرية للدفع نحو مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة عملها من داخل القطاع، ونشر قوة الاستقرار الدولية، في محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وسط خشية من أن يؤدي استمرار الخروقات وتعثر المسار السياسي إلى إعادة القطاع نحو موجة جديدة من التصعيد.
