إنه «الضم» .. يا ذكي !

بقلم: فهد سليمان

فهد سليمان.jpg
  • فهد سليمان / نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

 

(1)

إسرائيل ... تنفيذ مخطط الضم

لم تَحُلْ إحتجاجات المعارضة الإسرائيلية، في تظاهراتها الأسبوعية المتواصلة، دون أن تُقدم حكومة التحالف اليميني المتشدد والفاشي، برئاسة نتنياهو، على خطوات عملية، قانونية، (دستورية) وميدانية، لوضع برنامجها موضع التطبيق، تحت عنوان «(فلسطين) ملك للشعب اليهودي حصراً»، ما يعني ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، في الضفة الغربية (بعد ضم القدس الشرقية رسمياً – 1980، والجولان السوري المحتل- 1981)، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل (الكبرى)، بعاصمتها القدس.

فالحكومة الإسرائيلية الحالية، تفترض أن الأوضاع العامة، توفر الشرط اللازم لحسم المعركة مع الفلسطينيين، دون اللجوء إلى أية مفاوضات، ودون انتظار التحرك الأميركي، الذي لا يتجاوز حدود الكلام المجاني، والذي ترتهن له السلطة الفلسطينية، لإطلاق ما بات يسمى بـ«الأفق السياسي»(!).

فالسلطة الفلسطينية في حسابات الجانب الإسرائيلي، بضعفها المستحكم، باتت عاجزة عن إطلاق أي تحرك سياسي محلي أو إقليمي، يتحدى السقف السياسي المرسوم إسرائيلياً، أو يتجاوزه، وهذا ما تقرأه حكومة نتنياهو الحالية (وما كانت تقرأه أيضاً الحكومة التي سبقتها، حكومة الثنائي لابيد - غانتس)، في خطابات التذلل والاستجداء كما تطلقها السلطة الفلسطينية مستنجدة بالمجتمع الدولي، الذي تدرك إسرائيل أن ضمانات الولايات المتحدة لها، كفيلة بلجم أي تحرك دولي، يتعاكس بشكل جدي مع مصالحها السياسية الأساسية، وأن هذا هو التعبير العملي للمبدأ الأميركي الثابت عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

كما تفترض إسرائيل أن الأوضاع في قطاع غزة، لا تختلف في الجوهر العملي عن الأوضاع في الضفة الغربية؛ فالسياسة الانتظارية لـ «سلطة الأمر الواقع» بغزة، بقيادة حركة حماس، مؤشر على موقف ضمني ينزع إلى تجنب الدخول في معارك، أوضاع حركة حماس نفسها - بحسب تقديراتها- ليست مجهزة بعد، لتحمل تبعاتها.

 ■لذلك تمعن إسرائيل في تغولها على كافة محاور العدوان دون أي اعتبار لأي رد فعل فلسطيني أو إقليمي، إذ تلاحظ حكومة إسرائيل أن الوضع الإقليمي لم يكن في أي وقت، أكثر إستعداداً للذهاب مع إسرائيل في خطوات إضافية نحو توسيع دائرة التطبيع، في إطار «تحالف أبراهام»، خطوات تجاوزت حدود التطبيع التي سبق أن رسمتها معاهدتا السلام مع القاهرة وعمان، وهو ما تؤكده الاتفاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والتجارية والمالية والأمنية والعسكرية، وغيرها، الموقعة مع دولة الإمارات العربية ومملكة البحرين، والمملكة المغربية؛ كما ترى إسرائيل في الضغوط الأميركية على العربية السعودية، وباقي دول مجلس التعاون الخليجي (الكويت، قطر وعمان) لتوسيع «تحالف أبراهام»، مؤشراً إيجابياً، يشجعها على المضي قدماً في إعلاء مشروع الضم في تطبيقات يومية، لا يمكن النظر إليها إلا في سياق رؤية عبرت عنها بوضوح الالتزامات التي تضمنتها نصوص الاتفاقات الائتلافية، التي وقعها «الليكود» مع كل من سموتريتش (عن حزب «الصهيونية الدينية») وبن غڤير (عن حزب «قوة يهودية»)، لدى مباحثات تشكيل الحكومة 37-  29/12/2022، التي إنبثقت عن الكنيست 25- 1/11/2022.

وبالفعل، فمن خلال مراجعة هذه الإتفاقات الإئتلافية، نلاحظ أن البند 21 في الاتفاق مع الأول (سموتريتش) ينص على أن «الوزير في وزارة الدفاع يتولى مسؤولية كاملة عن مناطق منسق نشاطات الحكومة في المناطق والإدارة المدنية»، كما ورد في البند 90 من الاتفاق مع الثاني (بن غڤير)، إنه خلال 90 يوماً من تشكيل الحكومة، ستتخذ الحكومة قراراً «بفصل حرس الحدود عن الشرطة وتحويله إلى جهاز مستقل، بمكانة مشابهة لمصلحة السجون، وإخضاعه لوزير الأمن الداخلي (أو القومي، كما بات يُسمى) وتنفيذ تعديلات قانونية طبقاً لذلك».

كما نلاحظ توسيع صلاحيات وزير الأمن القومي، لتحديد عمل الشرطة وسياساتها الائتلافية الآنف ذكرها، بين حزبي «الليكود» و«الصهيونية الدينية»، إنطلاقاً من أن الحكومة ستعمل على فرض السيادة في «يهودا والسامرة»، وتفصل (أي تعتمد) طرقاً مختلفة لترسيخ مشروع الاستيطان وتوسيعه وتقويته. وبالتخصيص، فإن البند 119 يؤكد على ما يلي: «تتخذ الحكومة خلال 60 يوماً من تشكيلها قراراً بشأن تسوية أوضاع المستوطنات الشابة» (أي البؤر الاستيطانية).

وغني عن القول أن هذه التغييرات، لجذريتها، ولكونها تستحدث مرجعيات وزارية أخرى غير تلك التي كانت تنحصر بوزير الأمن، إنما تؤدي إلى كسر سلسلة القيادة ((Chain of Command التي كانت تتسق بسلاسة في القضايا المدنية كما الأمنية وصولاً إلى وزير الأمن، كان لا بدَّ لهذه التغييرات أن تثير معارضة واسعة في قيادة جيش العدو، ما استدعى إجتراح تسويات بين سموتريتش (الذي بات يجمع بين يديه مسئولية وزارة المالية، كما وزارة شئون الاستيطان المقيمة في وزارة الأمن) وبن غڤير (الذي باتت الوزارة التي تسلم مقاليدها تسمى بوزارة الأمن القومي – أو الوطني - بعد أن كانت تُعرّف بوزارة الأمن الداخلي)، من جهة، وبين وزير الأمن (الجيش) يوآف غالنت، من جهة أخرى.

غير أن هذه التسويات لم تُبدّل من حقيقة التغيير الجوهري الذي وقع على نوعية العلاقة الحاكمة لعلاقة إسرائيل، الدولة القائمة بالإحتلال، بالضفة الغربية لجهة إنتقال مرجعية السيطرة والتحكم بأوضاعها – تراكمياً - من المستوى العسكري (الجيش) إلى المستوى المدني (أي وزارات الحكومة)، ما يترتب عليه فتح الطريق أمام مخطط الضم، بآلية تطبيق المنظومة القانونية الإسرائيلية على المستوطنين، وكافة القضايا المدنية المتعلقة بالمناطق ج (62% من مساحة الضفة).

وفي هذا السياق أيضاً، نشير إلى ما تنص عليه البنود 118 – 127 من الاتفاق الإئتلافي، خاصة في كل ما يتعلق بإجراءات التحقيقات على أنواعها (أمنية، جنائية، ...)، حيث تم إقحام مرجعية وزير الأمن القومي، بعد أن كانت هذه المرجعية تقتصر على مدير الشرطة.

 ■إن الشروع بتقليص صلاحيات الجيش الإسرائيلي، عن الضفة تمهيداً لإلغائها، أو ما يقترب من الإلغاء لاحقاً، إنما يندرج – على المستوى القانوني – في مسعى نزع صفة الاحتلال عن الضفة الغربية، بما في ذلك عن المستوطنات، إذ بموجب القانون الدولي، تخضع المناطق المحتلة في العادة لإدارة جيش الدولة القائمة بالاحتلال، الذي يحدد إدارته لها بموجب قرارات (أوامر) يصدرها الحاكم العسكري، تعطيه صلاحيات إدارة شئون المناطق المحتلة (بما فيه المقيمون عليها)، لكنها لا تشكل ضماً لهذه الأراضي إلى الدولة القائمة بالاحتلال.

بالمقابل، فإن الشروع بتسريع إحالة إدارة هذه الأراضي (بما فيها المستوطنات) إلى المؤسسات المدنية في الحكومة الإسرائيلية، أي إلى وزير الشئون المدنية (بما فيه الاستيطانية) المقيم في وزارة الأمن، إنما يحولها إلى مناطق تخضع للسيادة الإسرائيلية، عبر القوانين نفسها، التي تطبق على تل أبيب وغيرها من مدن إسرائيل، ما يعني ضم هذه الأراضي – بما فيها المستوطنات – بالمعنى السيادي والقانوني للمصطلح، إلى دولة إسرائيل.

وكخلاصة في هذا الجانب نقول: لم نعد أمام سياسات إسرائيلية تنتهك قرارات «إتفاق أوسلو»، وتقوم بإجراءات أحادية الجانب فحسب، إن بالاستيطان، أو التهويد، أو «تطفيش» لتجمعات سكانية بعينها..، بل بتنا أمام خطة متكاملة لضم الضفة الغربية عبر إجراءات ميدانية و«قانونية» مهدَّفة، في استغلال جشع للحالة الفلسطينية المشتتة، وللحالة الإقليمية المستكينة، ولسياسة الولايات المتحدة القائمة على النفاق السياسي، أي وعود للجانب الفلسطيني، مقابل صمت متواطيء ويتخلله أحياناً وبأفضل الحالات، نقد خجول للسياسة الإسرائيلية، رغم إدراك واشنطن أبعاد سياسات إسرائيل ومراميها.

إن ما يؤكد صحة هذا التقدير للسياسات الإسرائيلية، أيضاً وأيضاً، ما شهدناه مؤخراً من قرارات، أولاها، في الضفة الغربية، تمثل بقرار حكومة العدو- 18/6/2023 بإحالة كافة قضايا الاستيطان، إلى سموتريتش بصفته الوزير المعني بشئون الإستيطان في وزارة الأمن، على قاعدة إختصار محطاتها الإدارية وحصرها بالوزير نفسه، أي منحه كامل الصلاحيات، ودون أي شريك في إدارة عملية الإستيطان، وبما يوفر الأساس المادي لإنجاز مشروع الضم لأراضي الضفة الغربية، ما يعني نهاية مرحلة سياسية، وافتتاح مرحلة جديدة، باتت فيها عملية التطهير العرقي هي العنوان الفعلي والحقيقي والواقعي للسياسة الإسرائيلية في الضفة؛ وثانيها، في مناطق الـ48، يتمثل بسلسلة القرارات التي من شأنها أن تسهل بيع أراضي الجليل لليهود (حصراً) في خطة متكاملة للتسريع بتهويده، بما يضعف الوجود الفلسطيني في الجليل، في محاولة لتحويله – داخل مناطق الـ 48 – إلى تجمعات متناثرة، مقطعة الأوصال فيما بينها

 

(2)

الولايات المتحدة .. أولوية التطبيع

كأساس لبناء هيكل تحالفي يدمج إسرائيل في الإقليم

لم تكن حكومة إسرائيل لتقدم على خططها الاستعمارية، وإطلاق برنامجها لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، لو لم تكن مستندة إلى دعم أميركي يعبر عن تواطؤ واشنطن بأشكال مختلفة، بما فيه الإكتفاء بالإعتراض الخافت على تلك الأعمال التي تأخذ – في عديد المرات - أبعاداً شديدة الإحراج لسياسة البيت الأبيض، تقوم بها الحكومة الإسرائيلية قمعاً وعدواناً على الشعب الفلسطيني، أو من خلال حركة الاستيطان المنفلتة من عقالها.

فأحد المباديء الأساسية للعلاقة بين الطرفين بحسب «إعلان القدس» الناظم للعلاقة بينهما، والذي سنأتي عليه لاحقاً، هو: «الإلتزام الأميركي الراسخ بأمن إسرائيل، لا سيما الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي،..» + «إلتزام الولايات المتحدة الثابت بالحفاظ على قدرة إسرائيل على ردع أعدائها وتعزيز القدرة للدفاع عن نفسها ضد أي تهديد أو مجموعة من التهديدات» + «تأكيد الولايات المتحدة أن هذه الإلتزامات مقدسة من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري)، وأنها ليست إلتزامات أخلاقية فحسب، بل أيضاً إلتزامات إستراتيجية ذات أهمية حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة نفسها».

ومن كل هذا، أي من كل ما يتحرك على مستوى المباديء، يتم إشتقاق إلتزام واشنطن بحق تل أبيب في استخدام العنف وممارسة العدوان على الشعب الفلسطيني، بدعوى الحق في إعتماد الكيفية، واستعمال الوسيلة التي تراها إسرائيل مناسبة للدفاع عن نفسها، وأقصى ما يمكن للولايات المتحدة أن تنتقده في هذا السياق، هو دعوة إسرائيل لـ«عدم الإفراط في استخدام القوة»، وهي محاولة مكشوفة يراد منها إرضاء بعض العواصم العربية، بشراء صمتها، وحفظ ماء وجهها أمام شعوبها.

أما في ملف الاستيطان، فإن إدارة بايدن لم تتخذ أية إجراءات عملية، تضع حداً لمشاريع الاستيطان الإسرائيلي، وإن كانت في الوقت نفسه، تحاول أن تنتقد الاستيطان، باعتباره «يعرقل» أو «يقيم عقبة» أمام الوصول إلى «حل الدولتين»، وهي خطوة إلى الوراء في موقف الإدارة الأميركية، إذا ما قورنت حتى بموقف إدارة أوباما، المتحيِّزة أيضاً لإسرائيل، التي وجدت نفسها – أمام التعنت الإسرائيلي الموصول - مضطرة في مجلس الأمن لتمرير القرار 2334، الذي اعتبر الاستيطان – من بين أمور أخرى - عملاً غير مشروع، وأعاد التأكيد على المكانة القانونية للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.

وإذا ما عدنا إلى «إعلان القدس المشترك للشراكة الإستراتيجية»، الموقع من الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس حكومة إسرائيل السابق يائير لابيد، في 14/7/2022، لأدركنا حقيقة العلاقة القائمة بين الطرفين، وكيف أن الولايات المتحدة، رغم حديثها الرتيب عن «حل الدولتين»، وتوظيفه في التغطية على سياستها الحقيقية، إنما تعتبر تطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية، هو الطريق الرئيسي إلى «السلام»، وتعتبر «تحالف أبراهام» هو النموذج الواجب إتباعه لإرساء أسس السلام في المنطقة، واستكمال هيكلة أوضاع الإقليم في الشرق الأوسط، من خلال دمج إسرائيل وإقامة علاقات معها على كافة المستويات، وفي كافة الميادين. كما يعتبر «الإعلان» «منتدى النقب» هو الإطار الفعلي والنموذجي لإغلاق ملف الصراع العربي – الإسرائيلي، بالتطبيع، علماً أن هذا «المنتدى» قد إلتأم للمرة الأولى سداسياً (الإمارات + المغرب + البحرين + مصر إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل) في آذار (مارس) 2022، وما زالت المساعي جارية على قدم وساق، لعقد إجتماعه الثاني في المغرب، بعد أن تأجل أكثر من مرة لعدم توفر «السياق السياسي المناسب» على قول وزير خارجية المغرب، قاصداً  أن هذا السياق غير قائم حالياً، بفعل ما تقترفه إسرائيل من أعمال دموية بحق الشعب الفلسطيني.

تتوالى مثل هذه التأكيدات، في أكثر من فقرة من فقرات «إعلان القدس»، وتتقدم في موقعها في «الإعلان» على الحل بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو ما يعكس، عملياً، أولويات السياسة الأميركية – الإسرائيلية في المنطقة؛ فالتطبيع الإسرائيلي – العربي، بموجب نموذج «تحالف أبراهام»، وإعادة هيكلة الوضع في الشرق الأوسط، وفق نموذج «منتدى النقب»، هو الطريق إلى «السلام»، وهو الطريق الذي يمكن أن يقود إلى حل المسألة الفلسطينية (حل بالمضمون التصفوي، وليس بمضمون حق تقرير المصير) تحت شعار «حل الدولتين»، وهو الشعار الذي يتسم بدرجة عالية من الغموض، غموض يصب بالنتيجة في خدمة الموقف الإسرائيلي، وصولاً إلى مسخه بصيغة الحكم الإداري الذاتي، كما كان الحال بوضوح في «صفقة القرن» التصفوية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 28/1/2020؛ الأمر الذي – بالنتيجة – يلتقي وأقوال نتنياهو في الإجتماع المغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست– 20/6/2023: «يجب العمل على إجتثاث فكرة إقامة دولة فلسطينية، وقمع وطحن تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة لهم».

بالمقابل، يتشارك الطرفان، الأميركي والإسرائيلي، في الحديث عن «الحل الاقتصادي» باعتباره الحل الوحيد الممكن والمتاح في هذه المرحلة، فيؤكدان على ضرورة تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في مناطق السلطة، في إطار الأكذوبة نفسها، التي تحاول على الدوام، الولايات المتحدة وإسرائيل، تمريرها، على خلفية السعي لإبعاد الشعب الفلسطيني عن النضال الوطني التحرري، وفحواها، أنه كلما تحسن مستوى المعيشة لدى الفلسطينيين، كلما ابتعدوا عن اللجوء لاستخدام «العنف»، وساد الهدوء في الأراضي المحتلة، وكلما نجحت السلطة الفلسطينية في مكافحة «الإرهاب» (!)، ولجمه.

 ■ومنعاً لأية رهانات خاسرة، من المفيد التأكيد هنا، أن «إعلان القدس» بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس إتفاقاً بين شخصين، يزول مفعوله بتنحي أحد طرفيه (مغادرة لابيد لرئاسة الحكومة، أو خروج بايدن من البيت الأبيض)، بل هو وثيقة ملزمة للدولتين، أياً كانت التغييرات في البيت الأبيض، أو في ديوان رئيس حكومة إسرائيل؛ فالإشارة إلى «تحالف أبراهام»، والتأكيدات المتكررة عليه في «الإعلان»، يوضح أن إدارة بايدن- الديمقراطي لم تلغِ ما أنجزته إدارة ترامب- الجمهوري، بل هي تسير على خطاها، وتبني عليها، إلتزاماً بالمصالح الأميركية العليا في إقليم الشرق الأوسط، وفي مقدمة هذه المصالح توفير كل أشكال الحماية لدولة إسرائيل، وتعزيز دورها في الإطار التحالفي الهيكلي – قيد الإنجاز - للإقليم. [ راجع بخصوص الأفكار المشار إليها في هذه الفقرات، ما ورد في الهامش1 المدرج في نهاية الورقة].

غير أنه في هذا السياق، يلاحظ أن سلبية موقف إدارة بايدن، من الوزيرين بن غڤير وسموتريتش، وموقفها السلبي من محاولة نتنياهو تعديل أنظمة القضاء، بما «يضعف ديمقراطية إسرائيل» كما يقول الأميركيون، لم تؤثر هاتان السلبيتان على العلاقة بين الدولتين، فاجتماعات مستشاري الأمن القومي لدى الطرفين، جيك سوليڤان وتساحي هنغبي، مستمرة بوتيرة منتظمة، واللقاءات بين وزيري الأمن (الجيش) أوستين وغالانت مستمرة هي الأخرى، دون أي خلل، فضلاً عن المشاورات عن بعد، والتي تؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة – بالمحصلة وكاتجاه عام - تلتزمان استراتيجية متجانسة في الإقليم، وإن تمايزت بينهما في بعض عناصرها، فإنها لم تكن أبداً تفسد للود قضية.

وإذا كان زخم النفوذ الأميركي قد تباطأ نسبياً، في الخليج خاصة، وفي إقليم الشرق الأوسط عامة، إلا أن هذا النفوذ ما زال يتسم بدينامية تمكن من الحفاظ إلى حد بعيد على مصالح الولايات المتحدة، إنطلاقاً من موقع إسرائيل ومصالحها – أولاً- كدولة حليفة استراتيجياً، وعدد من دول الخليج – ثانياً- كقطر، والبحرين، ودولة الإمارات المتحدة، وإلى حد كافٍ العربية السعودية، وعُمان، دون تجاهل موقع المغرب في شمال إفريقيا.

هذا ما حاول وزير خارجية الولايات المتحدة توني بلينكن تأكيده في البيان المشترك الصادر عن لقائه مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي- 5/6/2023، الذي تناول بفقرة الموضوع الفلسطيني تحت عنوان «القضايا الإسرائيلية – الفلسطينية»، موحياً بهذا العنوان – زوراً وبهتاناً – وجود قضايا إسرائيلية على سوية قضايا فلسطينية(!) تقتضي بحثاً، بينما لا وجود – في حقيقة الأمر- سوى لمسألة واحدة وحيدة، تتمثل بخلاص الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع من شرور الاحتلال، المتواصل ضماً وتهويداً وترحيلاً، منذ 4 حزيران (يونيو) 1967، وضمان حق العودة للاجئين. [ راجع النص الحرفي للفقرة المذكورة في الهامش 2].

في هذا الإطار يرتكب البيان المشترك – بالحد الأدنى - مغالطتين: أولاها، عندما يعتمد نفس الخطاب الأميركي، الذي - بدعوى «الإمتناع عن إتخاذ كافة الإجراءات الأحادية الجانب التي تقوّض حل الدولتين...» - يساوي بين «العنف المستدام» الذي يمثله الاحتلال كما يُعَرَّف في القانون الدولي، مضافاً إليه، لا بل مضروباً بالضم والتهويد والترحيل، وبين المقاومة المشروعة حقاً وقانوناً، للشعب الفلسطيني؛ وثانيها، عندما يُضمِّن «مبادرة السلام العربية»- 28/3/2002 القبول بـ«تبادلات متفق عليها» للأراضي على «طول حدود عام 1967»، أي على امتداد الحدود الغربية («الخط الأخضر» مع الـ48) والشرقية (الأغوار مع الأردن) للضفة الفلسطينية، ما يعني – بالحد الأدنى - ضم الكتل الاستيطانية شرق الضفة وغربها، بينما تنص مبادرة السلام المذكورة بوضوح قاطع لا لبس فيه على «قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران (يونيو) 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية».

إن موافقة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي على هذه الصياغة الهابطة لشروط السلام في الإقليم بمركزية المسألة الفلسطينية، يؤشر إلى معقولية ما يتم تداوله في أوساط سياسية مطلعة عن إستعداد بعض الدول العربية، والمملكة العربية السعودية بالذات (التي هي صاحبة «مبادرة السلام العربية» أصلاً)، لإدخال تعديلات بمنحى تنازلي على المبادرة المذكورة، بما فيه الإقدام على خطوات مدروسة في «إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل»، قبل أن تُقدم الأخيرة على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، ضمن معادلة «الكل مقابل الكل»، (أي الإنسحاب الكامل مقابل إقامة علاقات طبيعية مع الكل الرسمي العربي)، التي تقوم عليها فلسفة «مبادرة السلام العربية».

كل هذه الإشارات، الحافلة بالمعاني عن طبيعة السياسة الأميركية، المتحيّزة بافتقارها إلى الحد الأدنى من التوازن، بين إسرائيل وبين القيادة الرسمية للسلطة الفلسطينية، إنما تؤكد دون أدنى تردد، أن السياسة الأميركية، رغم محاولاتها الظهور بشكل ما في موقع «الوسيط النزيه» (!)، في نظرتها إلى ملف الصراع في الإقليم، وأسلوب تعاطيها معه، إلا أنها – في حقيقة الأمر - تعتمد إستراتيجية تكاد تتطابق مع الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تنفيذ برنامج الضم الشامل للأرض الفلسطينية المحتلة، دون أي اعتراض عملي وفاعل، لسياسات نتنياهو.

وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن بدأب لتوسيع إطار «تحالف أبراهام»، والعمل بنشاطية ملحوظة لتكريس «منتدى النقب» إطاراً ناظماً لما يسمى التكامل الهيكلي في الإقليم، لدمج إسرائيل فيه، بالمعنى التام للدمج، ما يسقط كل السدود والحواجز أمام إسرائيل، ويقوي موقعها لسد الطريق أمام حل «متوازن» للقضية الفلسطينية، يقوم على تقرير المصير والاستقلال وضمان حق العودة اللاجئين، وللضغط على باقي الدول العربية (وفي المقدمة العربية السعودية) للالتحاق بركب «تحالف أبراهام»، والإنخراط في آلية «منتدى النقب»، الذي تعمل الولايات المتحدة على تغيير اسمه ليكون أقل إستفزازاً للعرب (عبر شطب مُسمّى النقب الذي يؤشر بتحدٍ مقصود إلى شبهة «الجغرافيا السياسية» للمكان)، وإعادة تقديمه باعتباره تحالفاً إقليمياً من أجل التنمية والاستقرار والازدهار، والتكامل الإقليمي، تكون إسرائيل أحد مكوناته الرئيسية.

وإذا كانت الإدارة الأميركية وباقي مؤسسات الدولة في الولايات المتحدة لا تكف عن إرسال الإشارات الواضحة والصريحة، التي تؤكد سيرها على خطى إدارة ترامب، في إعتماد التطبيع العربي – الإسرائيلي بصيغة «تحالف أبراهام»، أساساً لسياستها في المنطقة، وموجهاً لكل تفاصيلها، فإن الكونغرس الأميركي بشقيه نواباً وشيوخاً، إتخذ بدوره، قراراً إستراتيجياً بحدود القضية التي ينتمي إليها، حين كلف وزارة الخارجية الأميركية، بتعيين مبعوث خاص يعمل على تسريع وتيرة الإنضمام إلى «تحالف أبراهام»، من خلال فتح الباب أمام إلتحاق عدد آخر من الأنظمة العربية به، وذلك بغرض إستحثاث دمج إسرائيل في المنطقة، وتعزيز مكانتها، علماً أنه من الطبيعي أن نقرأ في قرار الكونغرس سياسة أميركية تستهدف، إلى جانب توسيع «تحالف أبراهام»، العمل على ضبط الوضع في الشرق الأوسط، وهي تشاهد تحولاته المقلقة بالنسبة للسياسة الأميركية، أي تلك التحولات التي تنطوي على إحتمالات الإبتعاد، أو – بأقله - إعتماد مسافة محسوبة عن هذه السياسة

(3)

م.ت.ف ... الغيبوبة

آثرنا اعتماد «م. ت. ف» عنواناً لهذه الفقرة، رغبة في وضع النقاط على الحروف، فالمنظمة هي الجهة الرسمية – والتي لا يمكن تجاهلها - المعنية بجميع الأمور ذات الصلة بالمشروع الوطني، وهي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وهي المعنية بإدارة ملف الصراع مع دولة الاحتلال، وهي التي تقدم نفسها إلى الرأي العام عنواناً للقضية الفلسطينية، حتى عندما يقتصر التعامل مع السلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، من المهم أن نستعيد بعض ما تتناوله أدبياتنا، كما وخطابنا السياسي، عندما يشيران معاً إلى أننا في واقع الحال، نقف أمام قيادة سياسية (في السلطة وفي م.ت.ف معاً) تآكلت أسس شرعيتها على المستويات التالية:

الشرعية القانونية والدستورية، بسبب تعطيلها العملية الانتخابية منذ العام 2006.

الشرعية التمثيلية، لغياب مكونات رئيسية في الحركة الوطنية عن الحضور، أي المشاركة في الهيئات القيادية التشريعية والتنفيذية معاً.

الشرعية الائتلافية بسبب تفردها في صناعة القرار السياسي وتجاوزها مباديء الائتلاف الوطني، كما تشير إليه وثائق م. ت. ف.

الشرعية الشعبية، بعد أن أثبتت إستطلاعات الرأي تراجع نسبة التأييد لها، وتصاعد الدعوات لرحيل قيادتها السياسية.

الشرعية النضالية، لافتراق سياستها الانتظارية عن الخيار الوطني العام، بما في ذلك تعطيلها لقرارات المجلسين الوطني والمركزي، وتمسكها باتفاق، أو بالأحرى بـ«عملية» أوسلو، أي بمنطقها، بعد أن تلاشت نصوصها.

وفي محاولة لرسم الخط البياني لمواقف السلطة وقيادتها السياسية، علينا أن نلاحظ أنها انطلقت مع الإدارة الأميركية الحالية، باعتبار «حل الدولتين» هو الحل المنشود والقادر على وضع نهاية لمأساة شعبنا والاحتلال الإسرائيلي، والظفر بالحقوق الوطنية؛ ثم تدنى الرهان لجهة عدم الإعتراض الجدي– أي السياسي والعملي – على «الحل الاقتصادي»، باعتباره الحل الناجع لتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين، وإبعادهم عن ممارسة «العنف والإرهاب»(!)؛ ثم في خطوة تنازلية جديدة أقدمت السلطة على تبني خطاب السعي إلى خلق «أفق سياسي» يمهد للتقدم نحو استئناف العملية السياسية بهدف تحقيق «حل الدولتين»؛ ثم (أخيراً وليس آخراً) تقزيم القضية الفلسطينية والهبوط بها من منزلة «قضية تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال»، إلى تفاهمات أمنية (مقابل فتات المساعدة في القضايا الإقتصادية) أسفر عنها مسار «العقبة - شرم الشيخ»، تفاهمات ملزمة للسلطة الفلسطينية دون غيرها، ودون المساس بالأعمال الإسرائيلية العدوانية في الأراضي المحتلة، باعتبارها مجرد إجراءات تندرج في مجرى «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» (!).

إن الخطاب الإعلامي للقيادة السياسية للسلطة الفلسطينية، يشكل أفضل تعبير عن حالة الغيبوبة التي تعيشها، وفراغ جعبتها السياسية من أية رؤية ذات معنى، من شأنها أن تقدم حلاً للخروج من المأزق السياسي، الذي حُشرت فيه القضية الوطنية عبر رهانها الوحيد على اتفاق أوسلو، وعلى المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، تحت الرعاية الأميركية، باعتباره حسب ادعائها، خيارها الوحيد الممكن، وباعتباره الوحيد، الذي تستطيع التحرك نحوه لوقوفها، حسب ادعائها أيضاً، في الزاوية الحرجة.

 ■في هذا السياق، يمكن القول إن القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية فقدت دورها في قيادة الحالة الفلسطينية، وبات مركز القرار الوطني فارغاً بالمعنى العملي، تحاول القيادة السياسية للسلطة أن تملأه، بين فترة وأخرى، بافتعال معارك إعلامية مع المعارضة الفلسطينية دونما تمييز بين القوى النازعة للإنقسام بطبيعة ممارساتها، وربما برامجها؛ وبين قوى المعارضة الفلسطينية الحريصة على وحدة م.ت.ف وبرنامجها الوطني.

في الوقت نفسه تستمر القيادة السياسية للسلطة في تغييب دور اللجنة التنفيذية، كما تعطل تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي ، وتستمر في التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، متعامية عما ترتكبه من جرائم يومية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني، مكتفية بالإدانات اللفظية والمناشدات المهينة لتدخل دولي، هو في الحقيقة لا أثر له في وقائع الحياة اليومية، الأمر الذي زاد من تهميش المؤسسات الوطنية في حسابات الشارع السياسي الفلسطيني.

بالمقابل، ومن أجل تأكيد حضورها السلطوي، لا تكف السلطة الفلسطينية عن اللجوء إلى أدواتها الأمنية، لقمع الحراكات الشعبية بالاعتقالات التي لا تتوقف، وبالتهديد والوعيد، وممارسة الضغوط على الأفراد المسلحين لإقناعهم بالعدول عن التحاقهم بالمقاومة المسلحة، مستعينة بشتى الأساليب.

لقد بتنا أمام سلطة عاجزة وفاشلة، يعشش فيها الفساد بكل أنواعه (وآخرها فضيحة تبييض تجارة التمور)، السياسي والمادي والإداري والقانوني وغيره، تَحَوَّلت أجهزتها الأمنية والقضائية إلى أدوات لتصفية الحسابات مع فعاليات المجتمع المدني ومؤسساتها، لكمّ الأفواه، والقضاء على حرية الرأي، في خطوات يراد منها إضعاف الحركة الشعبية، وهو الوجه الآخر للأعمال العدوانية لدولة الاحتلال.

ولعل أخطر ما في هذا كله أن القيادة السياسية للسلطة، ومن خلفها مركز القرار اللجنة التنفيذية، ما زالت تتجاهل برنامج حكومة إسرائيل القائم على الضم، وما زالت سياستها تقف عند حدود المناشدة للحفاظ على «الأفق السياسي» العتيد(!)، باعتباره «تمهيداً لإطلاق المفاوضات التي تقود إلى حل الدولتين»، متجاهلة كل التعديلات القانونية والإدارية الإسرائيلية على المستوى الوزاري، من أجل إنجاز برنامج الضم، وفرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة بعدوان 4 حزيران (يونيو) 1967

(4)

«سلطة الأمر الواقع» ... التحييد

نجح الانقسام - 2007 في خلق حقائق في قطاع غزة، بقيادة «سلطة الأمر الواقع»، لا يقل فيه الاستفراد والتفرد بالقرار السياسي وإدارة الشأن العام، وتهميش القوى السياسية وفعاليات المجتمع المدني، خطورة عما هو عليه في الضفة الغربية؛ إذ ما زال غياب الاستراتيجية السياسية واضحة المعالم، يُحدث فراغاً، يعكس نفسه على الحياة السياسية والمجتمعية، تحاول حركة حماس ملء هذا الفراغ بشعارات تتوسل المقاومة غطاء لها، وتطلق تكتيكات قصيرة النفس، لا تحدث تغييراً في الواقع العام، بل تحاول أن توفر لهذا الواقع غطاء مكشوف الدلالات. وهو الأمر الذي أضعف الحركة الجماهيرية، وصولاً إلى الشلل أحياناً، لولا بعض الأنشطة الفصائلية التي تقام لمناسبات وطنية، أو خاصة بها.

وهكذا، نجحت «سلطة الأمر الواقع» في تحييد قطاع غزة، وفك معظم روابطه السياسية مع الضفة، بحيث تعيش الضفة مقاومة شعبية ومسلحة، بينما الحراكات الجماهيرية السياسية، المقيَّدة بإجراءات سلطة الأمر الواقع، بما فيها التي يفترض بها أن تشكل الصدى المدوي لما يدور في الضفة، ما زالت معطلة.

أما على صعيد الحريات الديمقراطية، فإن «سلطة الأمر الواقع» تحرص على الدوام على تعطيل أدوات ممارستها جماهيرياً، والتعبير عنها بشتى الأشكال؛ فالبلديات، وهي المؤسسات الأهلية المعنية بتأمين الجوانب الخدمية في الحياة العامة للمجتمع، وتوفير البنية التحتية لتسيير أعماله، ما زالت تُشَكَل بالتعيين، عبر سياسة الفك والتركيب الفوقي، دون أن يكون للمواطن الحق في اختيار من يتولى مهام تأمين خدماته اليومية، وكذلك ما زالت معطلة إنتخابات مجالس الطلبة في الجامعات، الأمر الذي من شأنه أن يعطل دور الحركة الطلابية في المجتمع، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، وأن يبقي قرار الشأن الطالبي وتمثيله – عملياً - بيد حركة حماس.

ولا يختلف الأمر في باقي الاتحادات الجماهيرية، النقابية وغيرها، التي عليها أن تخضع لإدارة «حكومة»، تمارس دورها، دون أدنى شفافية، تمكن الحالة الجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني على ندرتها، أن تراقب وتحاسب، وتكافح الفساد وغيره من مظاهر التفلت، التي تلازم عمل الإدارات البيروقراطية القائمة على الاستفراد والهيمنة والتفرد، وتهميش الآخرين.

لقد نجحت «سلطة الأمر الواقع» في قطاع غزة، بتوجيه من حماس، في تحييد القطاع، وصولاً إلى خطوات باتت أمراً واقعاً، لا يثير الاستغراب ولا الحد الأدنى من النقد، كتعزيز ربط الاقتصاد في القطاع بالاقتصاد الإسرائيلي، من خلال تصدير العمالة الفلسطينية، وتشجيع التبادل التجاري، ما يقودنا إلى القول إن التلحف بالمقاومة، دون اعتماد إستراتيجية سياسية للمقاومة، متسقة معها، وواضحة المعالم والأهداف، من شأنها أن تحول المقاومة إلى شكل من أشكال الابتزاز السياسي، وتوظفها غطاء لسياسات، لا تبدو في جوهرها، بعيدة كثيراً عن السياسات اليومية للسلطة الفلسطينية، في الضفة الغربية في إدارتها اليومية لشئون المجتمع

(5)

إتجاهات العمل

باتت القضية الوطنية أمام منعطف سياسي كبير، عَبَّرت عنه دولة الاحتلال، بالانتقال من مشروع «إتفاق أوسلو»، وحدوده السياسية التي إسْتُنفذت منذ فترة طويلة، إلى مشروع جديد، يقوم على الحسم السياسي للصراع مع شعبنا، وقضيته، عبر الانتقال إلى إنجاز برنامج الضم الشامل لأراضي الضفة الغربية، ووضع العالم كله، وعلى الأخص، الحالة الفلسطينية أمام واقع جديد، يتجاوز المطالبة بالإحتكام إلى قرارات الشرعية الدولية، لجهة المطالبة بانطباق الفصل السابع عليها؛ ويرسم سقفاً سياسياً أعلى من السقف الذي رسمته قرارات المجلسين الوطني والمركزي، القائمة على وقف العمل بالمرحلة الانتقالية لـ«اتفاق أوسلو»، والتحرر من قيوده والتزاماته، فهذه القرارات، على أهميتها القصوى، لم تعد تستجيب، بالقدر المطلوب واللازم لمعطيات التحدي الجديد، الذي ترسمه قرارات حكومة نتنياهو، والشروع في تطبيق برنامج الضم الشامل، وهو تحدٍ، يتطلب منا، في المقام الأول، على صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية، العمل على تطوير الموقف الوطني الفلسطيني، وبرنامج مقاومته للاحتلال متجاوزين العموميات، لصالح تحديد المهام بالوضوح الكافي، لتشكل برنامجنا للعمل الوطني الفلسطيني.

إن هذه التطورات الانعطافية، تضعنا أمام واجب، يتطلب بذل المزيد من الجهود النضالية داخل المؤسسة الوطنية، وفي صفوف الحركة الجماهيرية، وفي هذا المجال ندعو إلى التالي:

أ) على الصعيد المؤسساتي

1) إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، عبر الانتخابات الشاملة وبشكل خاص لتشكيل مجلس وطني جديد، بنظام التمثيل النسبي الكامل، بما ينهي الانقسام، ويعزز الموقع التمثيلي القانوني والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، عبر مشاركة كافة القوى وفعاليات المجتمع وفق قواعد الائتلاف الوطني، ومباديء الشراكة الوطنية، وليس المحاصصة، وقيم ومعايير حركات التحرر بديلاً للانفراد والتفرد والهيمنة وتهميش الآخر.

2) إعادة النظر بدوائر م.ت.ف، من حيث البنية والوظيفة، والتموضع السياسي، بما ينسجم مع التطورات السياسية، ويوفر شروط الحركة الحرة للمؤسسة الوطنية تحت كل الظروف السياسية والأمنية.

3) الاصلاح الديمقراطي للاتحادات واللجان والمؤسسات الشعبية، وإطلاق طاقاتها النضالية، وتحريرها من قيود البيروقراطية المتسلطة.

ب) على الصعيد البرنامجي

1) مواصلة النضال لتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي، لوقف العمل بالمرحلة الانتقالية لاتفاق أوسلو والتحرر من قيودها، باعتبارها الحد الأدنى المطلوب، وعلى طريق رفع سقفها.

2) إطلاق حوار وطني مع الحركة الشعبية وفصائل العمل الوطني، لرسم استراتيجية نضالية، تطور من المقاومة الشعبية والمسلحة، وتوفر لها الأطر المنظمة بديلاً للحالة العفوية، التي تشهدها بعض الأطراف، وتعزيزاً لتماسكها وقدرتها على مواجهة التحديات الأمنية، الداخلية والإسرائيلية.

3) إدخال التطويرات على رؤيتنا السياسية للمرحلة القادمة، بما يستجيب لتحدي برنامج الضم، وبما يترتب عليه، أيضاً إعادة صياغة للخطاب السياسي الرسمي، يعكس الرؤية السياسية الجديدة في مختلف المجالات، بما فيه المداولات الدبلوماسية والإعلامية، الخ.. وفي هذا الإطار نشير إلى مايلي:

إستعادة مشروع بسط سيادة دولة فلسطين على كامل الأراضي المحتلة بحدود 4 حزيران (يونيو) 67، وبكل ما يتطلبه ذلك من قرارات وقوانين تستجيب لمتطلبات الدفاع عن السيادة الوطنية وحمايتها.

تطوير الموقف من دولة الاحتلال باعتبارها دولة معتدية، في حالة حرب مع شعبنا وسلطته.

في إطار ما سبق، إطلاق مشروع، إقامة فصائل الحرس الوطني، أو الدفاع الوطني في الضفة الغربية، تشكيلاً شريكاً للأجهزة الأمنية في الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين، ما يعني، في السياق أيضاً، مراجعة «العقيدة الأمنية» للأجهزة الرسمية، لجهة التأكيد على أولوية مهام الدفاع عن الأرض والشعب في مواجهة تمادي العدوان.

خطاب سياسي رسمي، في المداولات الدبلوماسية وفي الإعلام، يعكس الرؤية السياسية الجديدة.

رسم آليات مؤسساتية لتجسيد وحدة الأرض، ووحدة الشعب، ووحدة القضية ووحدة النضال، بما يحقق فعلاً، شعار وحدة ساحات العمل وجبهات النضال في أراضي 67 + 48 + بلدان الشتات، وبما يعيد الاعتبار للبرنامج الوطني (البرنامج المرحلي)، البرنامج الوحيد الصالح لتأطير نضالنا الوطني التحرري، في المرحلة التاريخية الراهنة، التي تجتازها الحركة الوطنية

 

 

حزيران (يونيو) 2023

 

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت