شهدت الساحة المقدسية، الثلاثاء 19 أيار/ مايو 2026، تصعيداً واسعاً في اعتداءات الاحتلال والمستعمرين، شمل اقتحامات للمسجد الأقصى المبارك، وعمليات هدم وإخلاء واستدعاءات واعتقالات، بالتوازي مع تطور خطير تمثل في إعلان الوزير الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش الدفع نحو إخلاء تجمع الخان الأحمر شرق القدس المحتلة، في خطوة وصفتها جهات فلسطينية بأنها جزء من مشروع الضم وعزل المدينة عن امتدادها الفلسطيني.
وبحسب النشرة المسائية لمحافظة القدس، اقتحم المسجد الأقصى المبارك 206 مستعمرين عبر باب المغاربة خلال فترتي الاقتحامات الصباحية والمسائية، بحماية قوات الاحتلال، فيما دخل 43 آخرون تحت مسمى «السياحة»، في استمرار لسياسة الاقتحامات اليومية التي تستهدف فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي.
وفي محيط القدس، اقتحم مستعمرون تجمع الحثرورة واعتدوا على رعاة الأغنام، فيما تسببت ممارسات الاحتلال بأزمات مرورية خانقة على حاجزي قلنديا وجبع. كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة عناتا شمال القدس، وداهمت برفقة المخابرات بلدة الشيخ سعد، حيث أغلقت طريقاً بالقرب من المسجد.
وتزامناً مع ذلك، برز ملف الخان الأحمر مجدداً بعد إعلان سموتريتش، خلال مؤتمر صحفي، أنه أصدر تعليماته للشروع فوراً في إخلاء التجمع البدوي الواقع شرق القدس. وتؤكد تقارير دولية أن سموتريتش ربط خطوته بما قال إنه احتمال تحرك المحكمة الجنائية الدولية ضده، بينما لم تؤكد المحكمة علناً صدور أمر اعتقال بحقه أو طلب رسمي معلن، إذ إن إجراءاتها في هذه المرحلة تبقى سرية عادة.

ويكتسب الخان الأحمر حساسية سياسية خاصة بسبب موقعه في منطقة E1 الاستيطانية، حيث تسعى إسرائيل إلى ربط المستعمرات الواقعة شرق القدس ببعضها، بما يهدد بفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها. وتشير وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن التجمع يضم نحو 200 فلسطيني بدوي ومدرسة ممولة أوروبياً، وأن قرار الإخلاء قد يحتاج إلى موافقات إضافية وقد يواجه تحديات قانونية.
وفي رد فلسطيني، قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، إن قرار إخلاء الخان الأحمر يمثل «تصعيداً خطيراً» في سياسة التهجير القسري، ويندرج في إطار مشروع استعماري يستهدف شرق القدس ويقضي عملياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وحذر من أن تنفيذ القرار سيشكل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تهجير عشرات التجمعات البدوية والرعوية في محيط القدس والأغوار.
وفي سلوان، تلقت عائلة عبد الشلودي إخطاراً من دائرة الإجراء والتنفيذ الإسرائيلية، بناءً على طلب جمعيات استيطانية، يقضي بإخلاء العقار الذي تقطنه العائلة في حي وادي حلوة منذ عام 1964. وتخوض العائلة، بحسب النشرة، معارك قضائية منذ عام 1991 للحفاظ على منزلها، في ظل تصاعد استهداف العقارات الفلسطينية في محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
وفي بلدة الجيب شمال غرب القدس، هدمت آليات الاحتلال منزلاً ومنشآت تجارية، بينها مغسلة سيارات وكراج، في حي الخلايلة، ضمن سياسة الهدم التي تطال منازل ومنشآت الفلسطينيين بحجة البناء دون ترخيص، في وقت تفرض فيه سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على البناء الفلسطيني في القدس ومحيطها.
كما اعتقلت قوات الاحتلال المرابطة المقدسية نفيسة خويص بعد اقتحام منزلها في بلدة الطور، ثم أفرجت عنها بعد ثلاث ساعات من الاحتجاز والتحقيق بشرط إبعادها عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع إمكانية تمديد القرار إلى ستة أشهر. واستدعت سلطات الاحتلال الشاب المقدسي محمد حمدي اللو للتحقيق الخميس في غرف «4» بالمسكوبية.
وفي تطور آخر داخل البلدة القديمة، أدان المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، مصادقة الاحتلال على مخطط للاستيلاء على 15 إلى 20 عقاراً تاريخياً في حي باب السلسلة، وتخويل «شركة تطوير الحي اليهودي» بتنفيذه. وقال إن هذه العقارات تعود لعائلات مقدسية وتضم مباني وأوقافاً إسلامية من العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، معتبراً الخطوة تصعيداً استعمارياً هو الأخطر قرب الأقصى منذ عقود.
وحذر المفتي من أن المخطط يهدف إلى تفريغ محيط المسجد الأقصى وتهجير المقدسيين وتهويد المدينة، داعياً العرب والمسلمين والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على القدس ومقدساتها.
وتعكس أحداث الثلاثاء مساراً متصاعداً في القدس: اقتحامات للأقصى، إخطارات إخلاء في سلوان، هدم في الجيب، استهداف للتجمعات البدوية، ومشاريع استيطانية في الخان الأحمر وباب السلسلة. وترى جهات فلسطينية أن هذه الإجراءات لا تنفصل عن مخطط أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا المقدسية، عبر محاصرة الأقصى، وتفريغ محيطه من السكان الفلسطينيين، وربط القدس بالمشروع الاستيطاني الممتد شرقاً نحو الأغوار.
