الناجون من غزة: جراح لا تندمل وأجساد مبتورة تبحث عن حياة

333...png

وسط الدمار والمعاناة التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على غزة، تبرز قصص مأساوية لأطفال فقدوا أطرافهم وأحلامهم بسبب القصف العنيف الذي استهدف كل شيء. العمليات الجراحية والبتر والتشوهات وتلف الدماغ أصبحت جزءًا من الواقع الذي يعيشه المصابون، حيث لم تعد جراحهم مجرد إصابات جسدية، بل تحولت إلى ندوب نفسية سترافقهم مدى الحياة.

أحد هؤلاء الأطفال هو محمود عجور، البالغ من العمر تسع سنوات، والذي نجا من الغارات الجوية لكنه فقد ذراعيه أثناء محاولة عائلته الفرار من القصف الإسرائيلي. محمود هو واحد من بين عشرات الآلاف من الأطفال المصابين الذين ما زالوا يحاولون التكيف مع حياتهم الجديدة في ظل غياب أي أفق واضح للمستقبل. الآن، محمود في مستشفى في قطر، حيث يتلقى العلاج، لكنه لا يزال يسأل والدته أسئلة تكشف حجم الألم الذي يعانيه:"ماما، اخدشي شعري، اخدشي أنفي".

بالنسبة للطفل الذي اعتاد اللعب بحرية، لم يعد بإمكانه القيام بأبسط الأشياء بنفسه، فأصبح يعتمد بالكامل على الآخرين في كل تفاصيل حياته.

طفولة مبتورة وحياة محطمة

في السابع من أكتوبر 2023، عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة، حاولت عائلة محمود الفرار بحثًا عن ملجأ آمن. لكن كما هو الحال مع آلاف العائلات الأخرى، لم يكن هناك مكان آمن في القطاع. استهدف القصف حيهم السكني، وتحولت اللحظات القليلة التي سبقت سقوط القذائف إلى كابوس مرعب. وسط الدخان والصراخ، فقد محمود ذراعيه، ولم يعد قادرًا على القيام بأي شيء بنفسه. والدته، نور عجور، تتحدث عن تلك اللحظة التي غيّرت حياته للأبد: "كان يلعب كرة القدم، وكان يحب الرسم والكتابة. الآن، لا يستطيع حتى أن يحمل ملعقة الطعام بيده."

لم يكن محمود الطفل الوحيد الذي نجا بجسد منهك، فهناك آلاف الأطفال الذين تعرضوا لإصابات دائمة، ليجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

العلاج خارج غزة: نافذة ضوء في ظلام الحرب

بعد أشهر من المعاناة في مستشفيات غزة، التي تعاني من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية، تمكن محمود من مغادرة القطاع متوجهًا إلى قطر لتلقي العلاج. وعلى الرغم من أن الرعاية الطبية خارج غزة قد توفر له أطرافًا صناعية، إلا أن الصدمة النفسية أكبر من أن تُشفى بسهولة. لم يعد محمود يفكر في كيفية اللعب مثل أقرانه، بل بات يتساءل عمّا إذا كان سيتمكن يومًا من العودة إلى مدرسته، وهل يستطيع أن يكتب مجددًا بيديه؟

تقول والدته، وهي تحاول حبس دموعها: "عندما نخبره بأنه سيتعلم استخدام الأطراف الصناعية، يسألني: ولكن هل سأشعر بها؟ هل سأتمكن من لمس الأشياء كما كنت أفعل؟"

كل هذه الأسئلة تكشف عن حجم الألم الذي يعيشه هذا الطفل، والذي لم يكن يجب أن يكون جزءًا من حرب لم يخترها.

الناجون: بين الألم الجسدي والجرح النفسي العميق

لا يقتصر الأمر على الإصابات الجسدية فقط، فالحرب خلفت وراءها ندوبًا نفسية يصعب تجاوزها. يعيش الأطفال المصابون في حالة من الصدمة المستمرة، حيث يستيقظون في منتصف الليل مرعوبين، يعانون من كوابيس متكررة، ويشعرون بالخوف حتى من أصوات عادية مثل صوت الطائرات في السماء.

سندس العربيد، طفلة أخرى فقدت يدها اليسرى في قصف منزلهم، تقول بصوت خافت: "أخشى أن أكبر ولا أتمكن من القيام بأي شيء بمفردي. كيف سأتعلم؟ كيف سأكتب؟ كيف سأعيش؟".

أما يحيى حمودة، البالغ من العمر سبع سنوات، فقد فقد والدته وأحد عينيه بسبب شظايا انفجار صاروخ إسرائيلي. تقول عمته: "لفترة طويلة، لم نستطع إخباره بأن والدته قد استشهدت. كان يكرر: أريد العودة إلى غزة، أريد أن أتناول طعام أمي، أريد أن أسمع صوتها."

غياب العدالة وصمت المجتمع الدولي

على الرغم من أن الجرائم التي ارتُكبت في غزة وثّقتها تقارير حقوقية دولية، إلا أن العالم لم يتحرك بشكل جدي لمحاسبة مرتكبيها. لم يكن استهداف الأطفال والنساء والمدنيين مجرد "أخطاء عسكرية"، بل كان جزءًا من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تدمير الحياة في غزة.

يقول إبراهيم قديح، أحد الناجين الذي فقد ذراعيه وساقيه في قصف منزله:
"
لم يعد لدي أطراف أقف عليها، لكنني لا أزال هنا. خسرت كل شيء، لكنني سأواصل العيش رغم الألم."

يعكس هذا التصريح واقعًا أليمًا للناجين الذين فقدوا أحباءهم وأجزاء من أجسادهم، لكنهم يحاولون التشبث بالحياة رغم كل شيء.

ضرورة تحقيق العدالة والمساءلة الدولية

يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن معاناة الأطفال والجرحى في غزة هي جريمة حرب واضحة، يجب أن يتحمل مرتكبوها المسؤولية القانونية. وفي هذا السياق، يطالب المجتمع الدولي والعمل على إجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي والعمل على محاسبة القادة الإسرائيليين المسؤولين عن استهداف المدنيين في غزة، وذلك عبر تفعيل مذكرات التوقيف الدولية الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

كما طالب المركز بضرورة تقديم دعم طبي ونفسي للناجين "يجب على المنظمات الدولية توفير برامج تأهيل نفسي وجسدي للأطفال الذين فقدوا أطرافهم، وتمكينهم من إعادة الاندماج في المجتمع".

ودعا لإعادة إعمار البنية التحتية الصحية في غزة تعاني مستشفيات غزة من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية، ويجب على المجتمع الدولي التحرك سريعًا لإعادة تأهيل القطاع الصحي.

إدانة الجرائم الإسرائيلية في المحافل الدولية على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تبني مواقف أكثر صرامة تجاه الجرائم المرتكبة في غزة، والضغط من أجل وقف الانتهاكات المستمرة.

صرخة أطفال غزة للعالم

في النهاية، تبقى قصة محمود عجور وأمثاله من الأطفال المصابين في غزة تذكيرًا مأساويًا بأن الحرب لا تقتل فقط من يموت فيها، بل تترك جرحى يعانون من تبعاتها مدى الحياة. وبينما يحاول الناجون التكيف مع خسائرهم، يبقى السؤال مطروحًا: متى سيحاسب العالم من تسبب في هذه المأساة؟

قد تكون بعض الجروح تلتئم، لكن الجروح التي خلفتها هذه الحرب في نفوس الأطفال ستظل شاهدة على حجم الوحشية التي تعرضوا لها.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - نيويورك تايمز