شهد موسم قطف الزيتون الحالي في الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا غير مسبوق في استخدام أوامر إغلاق المناطق وفرض قيود مشددة على حركة الناشطين الأجانب والإسرائيليين المتضامنين مع المزارعين الفلسطينيين، في ظل تزايد اعتداءات المستوطنين وتراجع استجابة الجيش لطلبات التنسيق.
وبحسب ناشطين ميدانيين، أصدر الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 22 أمرًا عسكريًا بإغلاق مناطق بين منتصف تشرين الأول/أكتوبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر، شملت عشر حالات في قرية بورين جنوب نابلس، حيث مُنع المزارعون الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم، وفرضت قيود صارمة على الأنشطة الزراعية خلال ذروة موسم الحصاد.
وتفيد المعطيات بأن هذه الأوامر حدّت فعليًا من وصول المنظمات الحقوقية والفرق التطوعية إلى القرى الفلسطينية، إذ يسمح في بعض الحالات بمرور مركبات محددة بعد تفتيش دقيق على الحواجز، من دون توضيح مسبق لوجهتها أو طبيعة نشاطها، ما يترك هامشًا واسعًا للتقدير العسكري الميداني.
طرد ناشطين أجانب وتقييد عمل المنظمات الحقوقية
وفي حالات عدة، طردت قوات الاحتلال ناشطين أجانب فور وصولهم إلى مواقع الحصاد، بينهم 32 ناشطًا مرتبطين بـ"اتحاد لجان العمل الزراعي"، إضافة إلى ناشطين يهود أميركيين قدموا للمشاركة في قطف الزيتون في قرية بورين، وذلك بذريعة "الإخلال بالنظام" أو خرق الأوامر العسكرية.
ويؤكد ناشطون أن كثيرًا من المتطوعين لم يكونوا على علم بالوجهة النهائية للرحلات، وأن المنظمين فقط كانوا يملكون تفاصيل المواقع، في إشارة إلى مستوى عالٍ من السيطرة الأمنية على الوصول إلى الأراضي الزراعية الحساسة.
ونُقل عن ضابط في الشرطة الإسرائيلية قوله لإحدى الناشطات إن الهدف من هذه الأوامر هو "منع الفوضى" و"تفادي انفجار الوضع"، في حين يرى الناشطون أن الجيش على علم مسبق بكافة الأنشطة، وأن هناك تنسيقًا داخليًا يسمح بتفعيل أوامر الإغلاق والتفتيش بسرعة لعرقلة عملهم.
منذ اندلاع الحرب على غزة، توقّف الجيش الإسرائيلي، وفق شهادات المنظمات الحقوقية، عن الرد على طلبات التنسيق التي يقدّمها الناشطون للوصول إلى الحقول الواقعة قرب المستوطنات أو على خطوط التماس.
منظمات حقوقية: ذروة خطيرة في استخدام أوامر الإغلاق
المدير العام لمنظمة "كول ربيني لحقوق الإنسان"، آفي دابوش، وصف موسم الحصاد الحالي بأنه شهد "ذروة سلبية وخطيرة" في استخدام أوامر التفتيش وإغلاق المناطق، بهدف منعهم من الوصول إلى الحقول ومساعدة المزارعين الذين يتعرضون لاعتداءات متكررة من المستوطنين.
وأشار دابوش إلى أن الناشطين رصدوا تعاونًا وثيقًا بين قيادة الجيش وقيادات المستوطنين، انعكس في إصدار أوامر تفتيش وإغلاق مسبقة وسريعة. وأضاف أن المنظمة وجّهت ثماني رسائل إلى رئيس الأركان، وقادة القيادة العسكرية، والمفوض العام للشرطة، وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين، تطالب بضمان وصول المتطوعين إلى الحقول وحماية المزارعين، لكنها لم تتلق أي رد حتى الآن.
معركة قانونية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية
قضية إغلاق المناطق الزراعية ليست جديدة على جدول أعمال القضاء الإسرائيلي. فقد قضت المحكمة العليا عام 2006 بأن الاستخدام المتكرر لأوامر الإغلاق ضد المزارعين الفلسطينيين غير متناسب، وأن هذه السياسة تبعث برسالة خاطئة بالاستسلام أمام عنف المستوطنين بدلاً من حماية السكان وتطبيق القانون على المعتدين.
ومن المقرر أن تنظر محكمة العدل العليا قريبًا في التماس جديد قُدّم عام 2023 من المحامية ميخال بوميرانتز والمحاميين ريهام نصرة وألون سابير، يؤكد أن إعلان "مناطق عسكرية مغلقة" تحوّل عمليًا إلى أداة افتراضية للتعامل مع عنف المستوطنين، إذ يستخدم الجيش هذه الأوامر بشكل تلقائي بحجة حماية الفلسطينيين، بينما يبقى المستوطنون بمنأى عن المحاسبة.
وعقب إصدار موجة جديدة من أوامر الإغلاق، وافقت المحكمة على طلب الملتمسين بإضافة 16 حالة جديدة إلى ملف الالتماس، وحددت موعدًا نهائيًا لرد الجيش الإسرائيلي حتى 7 كانون الأول/ديسمبر، ما يزيد الضغط على المؤسسة العسكرية لمراجعة سياستها في تقييد الوصول إلى الأراضي الفلسطينية خلال موسم قطف الزيتون.
الجيش يبرّر والمزارعون يدفعون الثمن
من جهته، أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن القائد العسكري في المنطقة هو المخوّل بإغلاق المناطق "وفق الحاجة والتقييم العملياتي"، مشيرًا إلى أن الشرطة تشارك في تنفيذ هذه الأوامر على الأرض.
وتأتي هذه التطورات في ظل ارتفاع منسوب التوتر خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، على خلفية تصاعد اعتداءات المستوطنين على المزارعين وحقولهم، واستمرار الجدل حول كيفية تحقيق التوازن بين ما تدّعيه السلطات من "حماية الأمن" وبين حق المزارعين الفلسطينيين في الوصول إلى أراضيهم، وحق الناشطين والمتضامنين في تقديم الدعم والمساعدة خلال أهم موسم زراعي في العام.
