يسير الطفل محمود أبو عودة من مدينة غزة بخطى بطيئة وسط برك المياه التي خلفها مطر الشتاء في شوارع مدمرة، فيما يغوص حذاؤه الممزق في الطين، وهو يحمل صندوقا بلاستيكيا صغيرا يحتوي على بضع قطع من البسكويت والمعلبات والشوكولاتة.
يأمل محمود (11 عاما) أن يتمكن من بيع ما يكفي لتأمين قوت يوم أسرته، التي فقدت معيلها قبل نحو عامين من الحرب.
قبل اندلاع الحرب، كان محمود يعيش حياة طبيعية، يستيقظ على صوت والده الذي كان يعمل نجارا في حي الزيتون، ويرافقه أحيانا إلى الورشة قبل التوجه إلى المدرسة التي أحبها كثيرا.
ويقول محمود لوكالة أنباء ((شينخوا))، كنت أذهب إلى المدرسة كل يوم… وأحب الصف الدراسي كثيرا، خاصة درس الرياضيات، كنا نلعب ونضحك… حياتنا كانت بسيطة ولكن كنا سعداء.
لكن حياة محمود انقلبت تماما بعد بدء العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، عقب هجوم مباغت شنته حركة حماس على بلدات إسرائيلية محاذية للقطاع، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر حوالي 250 آخرين، ومنذ ذلك الحين، استشهد أكثر من 70 ألف فلسطيني بينهم أكثر من 20 ألف طفل، وفق وزارة الصحة في غزة.
كان والد محمود من بين الضحايا، إذ استشهد في قصف استهدف منزل العائلة في حي الزيتون، ليجد الطفل نفسه المعيل الوحيد لأسرته المكونة من أم مريضة وأشقاء صغار، ويقول بعدما قتل والدي صرت أنا الكبير، لم يخرج أحد للعمل غيري.
واشترى محمود صندوقا صغيرا، وبدأ يتردد على المفترقات والشوارع لبيع بضاعته البسيطة، مشيرا إلى أنه في بعض الأحيان كان البيع بشكل جيد وأحيانا أخرى كان ضعيفا.
ويقول إنه يحلم بالعودة إلى المدرسة واللعب مع أصدقائه لكنه يعرف أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك، "الحرب أخذت مني المدرسة والبيت ووالدي… حتى اللعب اختفى".
وفي خان يونس جنوب القطاع، تصعد الطفلة ياسمين خضر (13عاما) جبلا من النفايات الملاصق لمخيم النزوح، الذي تعيش فيه لجمع قطع البلاستيك لبيعها مقابل مبالغ زهيدة.
وتقول ياسمين لـ((شينخوا)) إن والدها كان يحلم بأن يراها طبيبة، لكن مقتله في غارة جوية أنهى هذا الحلم: "اضطررت أن أشتغل لأوفر مصروف البيت لأمي وأختي الصغيرة، لا أحد يستطيع مساعدتنا، والظروف صعبة للغاية".
تحمل ياسمين كيسا بلاستيكيا مربوطا على ظهرها، وتقول: "نطلع من الصبح نجمع البلاستيك لأنه مطلوب… لكن العائد قليل، دائما لا يكفي أن نشتري خبزا".
وتتذكر أنها كانت تتباهى بملابس نظيفة وعطور تحبها، لكنها اليوم ترى أن "كل شيء صار من الماضي"، وأن الأطفال "يتحملون مسؤوليات أكبر من أعمارهم بسنين".
وتضيف "لا أحد منا يريد أن يعيش بهذه الطريقة، ولكن ليس لدينا خيار آخر، نحن نموت من الجوع لقد كافحنا من أجل البقاء...ولم يساعدنا أحد في التغلب على آثار الحرب" .
وفي حي الرمال غرب غزة، يبيع الطفل عباس الغزالي (13 عاما) زجاجات المياه منذ ساعات الصباح الأولى، حاملا صندوقا صغيرا ويجول بين الشوارع المدمرة وهو ينادي "مياه للبيع".
ويقول لـ((شينخوا)) "أبيع الزجاجة بشيكل واحد، ولكن الإقبال انخفض"، ويضطر عباس للعمل بسبب تدهور حالة والده المصاب بالسرطان، والذي فقد إمكانية الوصول إلى العلاج نتيجة الحصار.
ورغم عمله، يحتفظ الطفل بحقيبته المدرسية، ويقول: "كنت طالبا متفوقا، عندما أشعر بالتعب، أفتح حقيبتي وأقرأ قليلاً.… ولكن الأمور مختلفة الأن"، كنت أحلم بالدراسة الجامعية لكنني أشعر الأن أن "الزمن قد توقف".
وتظهر بيانات محلية حجم الأثر الواقع على الأطفال، وحسب المكتب الإعلامي في غزة، يعيش آلاف الأطفال بلا مأوى آمن أو بيئة مناسبة للنمو، ويتعرض كثيرون لصدمات جسدية ونفسية تهدد مستقبلهم، كما أدى توقف التعليم لأكثر من عامين وتدمير آلاف المدارس إلى تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، التي باتت تتوسع في الشوارع والأسواق ومكبات النفايات.
وتقول غدير المقيد، الأخصائية النفسية، لـ((شينخوا)) إن الحرب دفعت الأطفال إلى تحمل مسؤوليات تتجاوز أعمارهم، وأدخلتهم في أعمال شاقة وغير آمنة. وتضيف أن عمالة الأطفال "تشكل خطرا كبيرا على صحتهم النفسية والاجتماعية، وتعرضهم لصدمات وفقدان وتشرد، وقد تقود إلى اضطراب ما بعد الصدمة".
وتوضح أن حرمان الأطفال من التعليم واللعب والتفاعل الطبيعي مع أقرانهم يترك آثارا طويلة الأمد على تطورهم العاطفي، مشيرة إلى أن "الضغط المعيشي المستمر يجعلهم أكثر عرضة لمشكلات سلوكية وشعور دائم بعدم الأمان".
وتشدد غدير المقيد على ضرورة توفير برامج دعم نفسي واجتماعي عاجلة، وإعادة فتح المدارس وتحسين الظروف المعيشية، مؤكدة أن "إعادة دمج الأطفال في بيئة تعليمية آمنة خطوة أساسية لتخفيف آثار الحرب النفسية عليهم".
وبين الشوارع ومخيمات النزوح ومكبات النفايات، يواصل أطفال مثل محمود وياسمين وعباس العمل لإعالة أسرهم، فيما تتلاشى طفولتهم تدريجيا وسط واقع يزداد قسوة، تاركين أحلامهم معلقة في انتظار عودة الحياة الطبيعية.
