في توقيت سياسي وإنساني بالغ الحساسية، يعود التاريخ الفلسطيني إلى واجهة المشهد السينمائي العالمي عبر فيلم «فلسطين 36» للمخرجة والكاتبة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، بالتزامن مع حضور لافت لأربعة أفلام عربية في المنافسة الدولية هذا العام.
وخلال استضافتها على شاشة قناة "المملكة" مع الإعلامي الأردني سلطان القيسي ضمن برنامج "لقاء خاص" الذي تابعته "وكالة قدس نت للأنباء"، وصفت جاسر الفيلم بأنه «مشروع العمر»، مؤكدة أن العمل عليه بدأ قبل ثماني سنوات من البحث والكتابة والتحضير، نظرًا لأهمية مرحلة عام 1936 في التاريخ الفلسطيني، وهي مرحلة الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الاحتلال البريطاني وبدايات المشروع الصهيوني.
وقالت جاسر إن التحديات لم تكن فنية فقط، بل إنتاجية وسياسية أيضًا، إذ كان من المقرر تصوير الفيلم كاملًا في فلسطين في أكتوبر 2023، بعد بناء قرية تحاكي قرى الثلاثينيات، غير أن اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر حال دون تنفيذ الخطة، ما اضطر فريق العمل إلى نقل مواقع التصوير بالكامل إلى الأردن.
وأضافت أن الأردن احتضن المشروع في لحظة حرجة، مشيرة إلى أن الانتقال لم يكن صعبًا من حيث البيئة البصرية، بسبب التشابه الكبير بين الطبيعة والعمارة في البلدين، حيث جرى التصوير في عدة محافظات منها الكرك، السلط، عجلون، عمّان، ومناطق شمالية قريبة من الحدود، إضافة إلى مواقع تاريخية عثمانية استخدمت كمقار إدارية بريطانية في الفيلم.
وأشادت جاسر بالدعم الذي قدمته الهيئة الملكية الأردنية للأفلام وبالطاقم الأردني، معتبرة أن الأردن شكّل “البيت الثاني” لمسيرتها الفنية منذ منعها من العودة إلى فلسطين بعد فيلمها الأول ملح هذا البحر قبل 18 عامًا.
وعن مضمون الفيلم، أوضحت جاسر أن «فلسطين 36» لا يقدّم رسالة مباشرة بقدر ما يطرح احتجاجًا سينمائيًا على جذور الاحتلال، موضحة أن كثيرًا من الممارسات الإسرائيلية الحالية تعود في أصلها إلى السياسات البريطانية خلال الانتداب، وأن الفيلم يربط الماضي بالحاضر بطريقة تجعل المشاهد يشعر أن ما حدث عام 1936 يتكرر اليوم بصورة شبه مطابقة.
وأضافت أن الفيلم يسلط الضوء كذلك على الدور الغربي، الذي يدّعي دعم الفلسطينيين بينما كان شريكًا أساسيًا في صناعة المأساة، منذ وعد بلفور وحتى سياسات القمع خلال الثورة الفلسطينية.
وعن الاستقبال العالمي للفيلم، كشفت جاسر أن العرض الأول في مهرجان تورونتو قوبل بتصفيق استمر نحو عشرين دقيقة، في مشهد فاجأ فريق العمل، كما يُعرض الفيلم منذ ثمانية أسابيع متتالية في صالات السينما في بريطانيا، وهو أمر نادر لفيلم يتناول القضية الفلسطينية من زاوية تاريخية ناقدة للاستعمار البريطاني.
وأشارت إلى أن كثيرًا من المشاهدين الأوروبيين أعربوا عن صدمتهم لعدم معرفتهم بأن بريطانيا كانت قوة احتلال في فلسطين، مؤكدة أن الفيلم كشف فجوة معرفية كبيرة في الوعي الغربي تجاه جذور الصراع.
وفي خطوة لافتة، عُرض الفيلم مؤخرًا داخل البرلمان البريطاني، حيث طالب بعض النواب بأن يُدرج ضمن المناهج التعليمية في المدارس، باعتباره يوثّق مرحلة تاريخية لا تحظى بتغطية كافية في الخطاب الرسمي البريطاني.
واختتمت جاسر حديثها بالتأكيد على أن «فلسطين 36» ليس مجرد فيلم تاريخي، بل شهادة فنية على بداية المأساة المستمرة، ومحاولة لاستعادة السردية الفلسطينية في مواجهة الرواية الاستعمارية السائدة، مشيرة إلى أن وصول الفيلم إلى منصات عالمية كبرى يمنح القصة الفلسطينية فرصة أوسع للوصول إلى جمهور لم يسمع هذه الحكاية من قبل.
