الشيكل الإسرائيلي عند أعلى مستوى في 30 عاماً

الشيكل الاسرائيلي.jpg

مكاسب نقدية تدعم الاستقرار… وتحديات تضغط على التصدير والاقتصاد الفلسطيني

سجّل الشيكل الإسرائيلي،  يوم الأربعاء 28 يناير/كانون الثاني 2026، أعلى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ نحو 30 عاماً، مستفيداً من ضعف العملة الأميركية عالمياً وتحسّن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، ما يعزّز توقعات تعافي النشاط الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.

وبلغ سعر صرف الشيكل 3.0854 شيكل للدولار الواحد، وهو أقوى مستوى للعملة الإسرائيلية منذ آذار/مارس 1996، قبل أن يستقر لاحقاً قرب 3.09 شيكل بحلول الساعة 15:50 بتوقيت القدس، دون تغيّر يُذكر عن إغلاق تعاملات الثلاثاء.

ومنذ مطلع عام 2026، ارتفع الشيكل بنحو 3% أمام الدولار، فيما حقق مكاسب تقارب 18–20% خلال العام الماضي، في واحدة من أقوى موجات الصعود التي شهدتها العملة الإسرائيلية خلال العقود الأخيرة.

عوامل الدعم

ويرجع خبراء هذا الارتفاع إلى مجموعة عوامل داخلية وخارجية، أبرزها:

تراجع المخاطر الجيوسياسية بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما خفّض علاوة المخاطرة على الأصول الإسرائيلية.

عودة تدفقات الاستثمار الأجنبي، لا سيما إلى قطاعي التكنولوجيا والدفاع، بعد فترة طويلة من عزوف المستثمرين.

ضعف الدولار عالمياً في ظل الضبابية المرتبطة بالسياسات الأميركية، والجدل حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية.

استقرار السياسة النقدية في إسرائيل مقارنة بالاقتصادات الكبرى.

موقف بنك إسرائيل

في المقابل، يواصل بنك إسرائيل المركزي التزام الحذر إزاء التدخل المباشر في سوق الصرف، متمسكاً بتقديره أن تحركات السوق تسير حالياً ضمن المسار المناسب.

وكان ارتفاع الشيكل عاملاً رئيسياً دفع البنك المركزي إلى خفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في وقت سابق من الشهر الجاري، في خطوة مفاجئة شكّلت ثاني خفض متتالٍ بالنسبة نفسها.

وقال محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، خلال جلسة للجنة المالية في الكنيست، الأربعاء، إنه لا يرى ضرورة للتدخل السريع في سوق العملات كما في مراحل سابقة، مضيفاً:«من الواضح لنا أن قوة الشيكل تزيد من التحديات التي يواجهها المصدّرون، وفي الوقت نفسه نراقب بيانات الصادرات عن كثب».

وأشار يارون إلى أن أي إشكاليات تواجه قطاع التصدير لا تعود، بحسب تقديره، إلى السياسة النقدية، بل إلى السياسة المالية التي تقع ضمن صلاحيات الحكومة.

ويُذكر أن بنك إسرائيل كان قد تدخل سابقاً بشراء عشرات المليارات من الدولارات للحد من ارتفاع الشيكل، كما باع عملات أجنبية بقيمة 8.5 مليارات دولار في بداية الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 لدعم العملة، قبل أن يظل خارج السوق إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

أثر مزدوج على الاقتصاد الإسرائيلي

ويُنظر إلى ارتفاع الشيكل بوصفه سلاحاً ذا حدّين؛ فمن جهة، يسهم في كبح التضخم عبر خفض كلفة الواردات، ودعم القوة الشرائية للمستهلكين، خصوصاً في مجالي الغذاء والطاقة، ومن جهة أخرى، يضغط على قطاع التصدير عبر رفع كلفة الصادرات وتقليص تنافسية الشركات، لا سيما في القطاعات التكنولوجية والأمنية.

الاقتصاد الفلسطيني: مكاسب نظرية وقيود واقعية

على الصعيد الفلسطيني، يُفترض أن ينعكس ارتفاع الشيكل إيجاباً على القوة الشرائية للمواطنين، باعتبارها العملة المتداولة في الأراضي الفلسطينية، كما يُفترض أن يخفف كلفة الاستيراد من الخارج، ويقلل أعباء الالتزامات المالية المقومة بالدولار أو الدينار.

غير أن خبراء يشككون في قدرة الفلسطينيين على الاستفادة الكاملة من هذه المكاسب، بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها أزمة تراكم الشيكل في السوق الفلسطينية نتيجة رفض إسرائيل استقباله، ما يؤدي إلى شح العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد من دول العالم.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن الواردات من إسرائيل تشكل نحو 60% من إجمالي الواردات، وقد ارتفعت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بنسبة 40% على أساس سنوي، في حين تراجعت الصادرات الفلسطينية خلال الفترة نفسها بنحو 20%.

وفي المحصلة، فإن الارتفاع القياسي للشيكل، ورغم ما يحمله من فوائد نقدية محتملة، تبقى آثاره على الاقتصاد الفلسطيني محدودة، بل وقد تُفرغ من مضمونها، في ظل استمرار القيود البنيوية والاختلالات التي يفرضها واقع الاحتلال وتبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس / رام الله