في خضم التحركات الدولية لإرساء ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، برزت إندونيسيا كلاعب رئيسي في النقاش الدائر حول تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار. الطرح الإندونيسي، الذي تضمن 12 شرطًا واضحًا للمشاركة، لم يُقرأ فقط كإعلان نوايا إنساني، بل كوثيقة سياسية – قانونية ترسم حدود الدور الدولي في القطاع.
الخبير العسكري الفلسطيني اللواء واصف عريقات وصف هذه الشروط، في مقابلة مع قناة "الجزيرة مباشر" تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء"، بأنها “خارطة طريق نموذجية” لقوات حفظ السلام، معتبرًا أنها تؤسس لمعادلة دقيقة بين الالتزام بالقانون الدولي ومنع الانزلاق إلى أجندات عسكرية.
أولاً: الطابع الإنساني كضابط استراتيجي
الركيزة الأساسية في الموقف الإندونيسي تتمثل في حصر مهمة القوة في إطار إنساني غير قتالي، مع تقييد استخدام القوة بحالات الدفاع عن النفس وحماية التفويض الأممي. هذا التحديد ليس تفصيلاً إجرائيًا، بل هو محاولة استباقية لمنع تحويل القوة إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات العسكرية داخل غزة.
عريقات يرى أن هذه النقطة تمثل جوهر المبادرة، إذ إنها:
-
تؤكد الالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
-
تضع سقفًا قانونيًا صارمًا لأي تحرك ميداني.
-
تمنع توريط القوات في صدام مباشر مع الفصائل الفلسطينية.
بهذا المعنى، تحاول جاكرتا إعادة تعريف مفهوم “الاستقرار” بعيدًا عن نزع السلاح القسري، وربطه بحماية المدنيين وإعادة الإعمار.
ثانيًا: خطوط حمراء في مواجهة الانحراف السياسي
أحد أبرز البنود – والذي وصفه عريقات بالمفصلي – هو البند العاشر، الذي يمنح إندونيسيا حق إنهاء مشاركتها إذا انحرفت المهمة عن الثوابت الوطنية أو التفويض الإنساني.
هذا الشرط يحمل أبعادًا متعددة:
-
حماية السيادة السياسية الإندونيسية.
-
تحصين الجيش الإندونيسي من الانخراط في صراع مفتوح.
-
توجيه رسالة مسبقة للمجتمع الدولي بأن المشاركة ليست شيكًا على بياض.
ويعكس ذلك إدراكًا إندونيسيًا لتجارب سابقة لقوات حفظ السلام في مناطق نزاع مثل الكونغو ومالي، حيث أدى غموض التفويض إلى تعقيد المهام وتعريض القوات لمخاطر ميدانية وسياسية.
ثالثًا: إسرائيل كعقدة تنفيذية محتملة
بحسب عريقات، فإن التحدي الأكبر أمام نجاح القوة الدولية لا يكمن في الشروط ذاتها، بل في البيئة السياسية المحيطة بها، خصوصًا الموقف الإسرائيلي.
فإسرائيل – وفق تقديره – قد ترفض أي قوة لا تنسجم مع رؤيتها الأمنية القائمة على نزع سلاح الفصائل. وهنا يتشكل التناقض الجوهري:
-
الرؤية الإندونيسية: حماية مدنيين ودعم استقرار إنساني.
-
الرؤية الإسرائيلية المحتملة: ضبط أمني يفضي إلى تجريد الفصائل من السلاح.
هذا التباين قد يضع القوة الدولية في اختبار مبكر بين الحياد الإنساني ومتطلبات الأمن الإسرائيلي.
رابعًا: خطوة “الألف جندي” كجسّ نبض استراتيجي
قرار إندونيسيا إرسال طليعة قوامها ألف جندي في أبريل المقبل قبل نشر القوة الكاملة، يمثل – وفق قراءة عريقات – مناورة ذكية متعددة الأهداف:
-
تقييم البيئة العملياتية ميدانيًا.
-
اختبار مدى التزام الأطراف بالتفويض.
-
قياس قابلية التنفيذ قبل المغامرة بنشر آلاف الجنود.
هذه الخطوة تشير إلى أن جاكرتا تدرك حساسية المشهد الغزّي، وتتعامل معه بمنطق التدرج لا الاندفاع.
خامسًا: إشكالية التفويض الأممي
رغم صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار، إلا أن طبيعة التفويض النهائي، وقواعد الاشتباك، وآلية القيادة والسيطرة، لا تزال عناصر حاسمة لم تتبلور بالكامل.
عريقات حذّر من أن غياب الوضوح في هذه الجوانب قد يؤدي إلى تعثر المهمة، إذ لا توجد دولة – على حد تعبيره – ترغب في إرسال قواتها إلى بيئة ضبابية قد تتحول إلى ساحة اشتباك مفتوح.
سادسًا: البعد السياسي الأوسع
المبادرة الإندونيسية لا تنفصل عن سياق دولي أوسع، يشمل تحركات مرتبطة بـ“مجلس السلام” الذي تقوده الولايات المتحدة، والجهود الرامية لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار.
لكن جاكرتا تحاول تثبيت معادلة واضحة:
-
دعم الفلسطينيين إنسانيًا.
-
احترام حق تقرير المصير.
-
تجنب الانخراط في ترتيبات سياسية قسرية أو مسارات تطبيعية.
بهذا المعنى، فإن الشروط الاثني عشر لا تُقرأ فقط كضوابط عسكرية، بل كوثيقة موقف سياسي تعكس توازنًا بين التضامن مع غزة والحفاظ على استقلال القرار الإندونيسي.
خلاصة تحليلية
المبادرة الإندونيسية تمثل محاولة لإعادة تعريف وظيفة القوة الدولية في غزة: من أداة ضبط أمني إلى مظلة حماية إنسانية مشروطة بالقانون الدولي.
نجاح هذه المقاربة سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية:
-
وضوح التفويض الأممي.
-
قبول الأطراف المحلية والإقليمية.
-
الحفاظ على الحياد العملياتي للقوة.
أما الفشل، فسيعني تحول القوة إلى طرف إضافي في معادلة الصراع، وهو السيناريو الذي يبدو أن جاكرتا تسعى بكل أدواتها الدبلوماسية والعسكرية إلى تفاديه.
في المحصلة، تقف الشروط الإندونيسية عند تقاطع السياسة والأمن والإنسانية، محاولة رسم مسار ثالث بين الانخراط العسكري الكامل والحياد السلبي، في واحدة من أكثر الساحات تعقيدًا في العالم.
شروط إندونيسيا للمشاركة في قوة الاستقرار
في خطوة لافتة، أعلنت إندونيسيا استعدادها للمساهمة بما يصل إلى 8 آلاف جندي ضمن قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في القطاع، مؤكدة أن مشاركتها – حال إقرارها رسميًا – ستكون ذات طابع إنساني بحت، وغير قتالية، وتخضع بالكامل لقرار وطني إندونيسي وتفويض أممي واضح.
التحرك الإندونيسي يأتي استنادًا إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر عام 2025، والذي أقر إنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، في ظل استمرار التوترات وتعقيد المشهد السياسي والأمني في القطاع.
وزارة الخارجية الإندونيسية شددت، في بيان مطول على أن أي انتشار لقواتها لن يكون قتاليًا، ولن يتضمن أي دور في نزع سلاح الفصائل الفلسطينية أو الانخراط في مواجهات مباشرة مع أي طرف مسلح.
وأكدت أن استخدام القوة سيكون محدودًا للغاية، ومقتصرًا على الدفاع عن النفس وحماية الولاية الموكلة، وبما يتوافق مع القانون الدولي وقواعد الاشتباك المعتمدة.
ووضعت جاكرتا 12 محددًا رئيسيًا لمشاركتها، أبرزها:
- الطابع الإنساني للمهمة.
- عدم الانخراط في عمليات قتالية.
- حصر الانتشار داخل قطاع غزة فقط باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية.
- اشتراط موافقة السلطة الفلسطينية قبل أي نشر.
- احترام السيادة الفلسطينية وحق تقرير المصير.
- الانسحاب الفوري إذا انحرفت المهمة عن الشروط الوطنية الإندونيسية.
كما أكدت الحكومة الإندونيسية رفضها القاطع لأي تغيير ديموجرافي أو نزوح قسري للفلسطينيين، مشددة على دعمها الثابت لحل الدولتين وفق القانون الدولي والمعايير المتفق عليها دوليًا.
هيكل القوة ومهامها
القوات المسلحة الإندونيسية أوضحت أن القوة المتوقعة ستضم ثلاثة ألوية مركبة، تشمل وحدات طبية وهندسية ودعمًا لوجستيًا وآليات إسناد، وستكلف هذه الوحدات بمهام إنسانية واستقرارية، من بينها: حماية المدنيين، تقديم المساعدات الطبية، دعم جهود إعادة الإعمار، وتدريب أفراد الشرطة الفلسطينية وبناء قدراتهم.
وأكد رئيس مكتب إعلام القوات المسلحة أن المهمة "غير قتالية" بطبيعتها، وأنه سيتم تعيين جنرال برتبة ثلاثة نجوم لقيادة العملية، نظرا لاتساع نطاق التنسيق الدولي المتوقع، خصوصًا مع الأمم المتحدة.
ومن المقرر إرسال فريق متقدم أولًا إلى غزة لتقييم الوضع الميداني، قبل اتخاذ قرار بنشر التشكيل الرئيسي، وذلك عقب صدور التفويض الأممي النهائي وتحديد نطاق العمليات.
أرقام القوة الدولية ومساهمة جاكرتا
تقديرات جاكرتا تشير إلى أن قوام القوة متعددة الجنسيات المقترحة قد يصل إلى نحو 20 ألف جندي من عدة دول، على أن تساهم إندونيسيا بما يتراوح بين 5 آلاف و8 آلاف جندي، مع إمكانية رفع العدد إذا تم الاتفاق على الإطار النهائي.
وكانت إندونيسيا قد تعهدت سابقًا بالاستعداد لتجهيز ما يصل إلى 20 ألف فرد لدعم جهود حفظ السلام في غزة، إلا أنها ربطت المشاركة الفعلية بتحديد واضح للتفويض الدولي وشروط الانتشار.
وفي هذا السياق، نفت وزارة الدفاع الإندونيسية تقارير إعلامية تحدثت عن نشر وشيك لقوات في رفح وخان يونس، مؤكدة أن جميع التفاصيل التشغيلية – من مواقع الانتشار إلى الإطار الزمني – لا تزال قيد الدراسة والتنسيق.
بعد سياسي يتجاوز غزة
التحرك الإندونيسي لا ينفصل عن تحركات سياسية أوسع؛ فقد تأكدت مشاركة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في الاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام»، الذي عقد في الولايات المتحدة 19 فبراير 2026، وهو المجلس الذي طُرح بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتشير تقارير إلى أن قوام القوة المقترحة لمجلس السلام قد يبلغ نحو 20 ألف جندي من دول متعددة، مع وجود مشاورات تتعلق بعضوية دائمة في المجلس ومتطلبات مالية مرتبطة بها، دون حسم نهائي لطبيعة الالتزامات.
وتحرص جاكرتا على التأكيد أن مشاركتها المحتملة لا تعني الاعتراف أو التطبيع السياسي مع أي طرف في النزاع، بل تأتي في إطار التزامها بسياسة خارجية مستقلة وفاعلة وعدم الانحياز.
بين الدعم الإنساني وحسابات السيادة
الموقف الإندونيسي يعكس محاولة دقيقة للموازنة بين دعم الفلسطينيين إنسانيًا وسياسيًا، وبين تجنب الانزلاق في تعقيدات الصراع المسلح؛ فجاكرتا التي تُعد أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، لطالما تبنت خطابا داعما للقضية الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه حريصة على أن تبقى مشاركتها ضمن أطر أممية واضحة ومحددة.
اشتراط موافقة الفلسطينيين، وتأكيد إمكانية الانسحاب في أي وقت، يمثلان رسائل مزدوجة: الأولى موجهة للداخل الإندونيسي لضمان عدم التورط في صراع مفتوح، والثانية للمجتمع الدولي لتأكيد احترام السيادة الفلسطينية.
كما أن التركيز على المهام الطبية والهندسية وإعادة الإعمار يعكس إدراكًا لحجم الدمار الإنساني الذي خلفته الحرب، والحاجة إلى تدخل منظم يعيد بناء البنية التحتية ويعزز قدرات المؤسسات المحلية، لا سيما أجهزة الشرطة المدنية.
مستقبل القوة الدولية في غزة
يبقى نشر القوات مرهونًا بتحديد التفويض الأممي النهائي، وآلية القيادة والسيطرة، ومناطق الانتشار، وقواعد الاشتباك، وفي حال صدور القرار التنفيذي ستكون إندونيسيا من أوائل الدول التي تعلن جاهزيتها الفعلية للمشاركة.
لكن في المقابل، فإن أي تعثر سياسي أو اعتراض من أطراف النزاع قد يعرقل تشكيل القوة أو يغير طبيعة مهامها.
كما أن التحدي الأكبر يتمثل في ضمان حياد القوة الدولية وعدم تحولها إلى طرف في معادلة الصراع.
في المحصلة، تمثل الخطوة الإندونيسية مؤشرًا على مرحلة جديدة من التعاطي الدولي مع ملف غزة: مرحلة تسعى إلى تثبيت الاستقرار عبر أدوات إنسانية وأمنية محدودة، دون الانخراط في ترتيبات سياسية نهائية، وبينما تتضح ملامح التفويض الدولي، تظل جاكرتا تؤكد أن بوصلتها ثابتة: دعم الفلسطينيين، واحترام السيادة، وتجنب الحرب.
