في وقتٍ تُكثّف فيه حركة «حماس» حملاتها الأمنية ضد عصابات مسلحة تنشط في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة، تكشف معطيات ميدانية وأمنية عن استمرار تلك العصابات في تجنيد شبان جدد، مستفيدة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وحالات الديون، وحتى الإدمان والابتزاز، وفق مصادر تحدثت إلى صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية.
فيديوهات تجنيد ورسائل تحدٍّ
تظهر تلك العصابات بين الحين والآخر في مقاطع مصوّرة تُنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تُبرز تدريبات ميدانية وعروضاً عسكرية، في رسالةٍ تُفسَّر على أنها تحدٍّ مباشر لجهود «حماس» في ملاحقتها.
وبحسب منصات محسوبة على أمن «حماس»، فإن عدداً من المنضمين حديثاً سلّموا أنفسهم خلال الأسابيع الماضية، بوساطة عائلاتهم ووجهاء عشائر. في المقابل، تلتزم تلك العصابات الصمت إزاء هذه التصريحات، وتواصل بث مقاطع تظهر انضمام عناصر جديدة.
ومن بين الحالات التي أثارت جدلاً، ظهور الشاب حمزة مهرة في تسجيل مصوَّر نُسب إلى مجموعة يقودها شوقي أبو نصيرة، تنشط شمال خان يونس وشرق دير البلح. وتقول مصادر ميدانية إن مهرة، وهو من سكان جباليا شمال القطاع، كان ناشطاً في «حماس» دون أدوار تنظيمية بارزة، مرجّحة أن تكون دوافع انضمامه شخصية على خلفية خلافات أسرية، لا اعتبارات تنظيمية.
استغلال الضائقة الاقتصادية
تفيد مصادر أمنية وميدانية لـ«الشرق الأوسط» بأن العامل المالي يأتي في مقدمة دوافع التجنيد. إذ تستغل تلك العصابات حاجة بعض الشبان إلى المال، وتعرض عليهم مساعدات لتسديد ديون متراكمة، أو توفر لهم احتياجات يومية كالدخان، في ظل انهيار الأوضاع المعيشية.
وتشير المصادر إلى أن بعض المنضمين كانوا ملاحقين بديون كبيرة، فلجأوا إلى مناطق نفوذ تلك العصابات هرباً من مطالبات الدائنين، قبل أن يُستقطَبوا للعمل ضمن صفوفها.
كما تلفت إلى أن حالات إدمان الحبوب المخدرة شكّلت مدخلاً إضافياً للتجنيد، إذ يُعرض على بعض الشبان توفير تلك المواد مقابل الانخراط في نشاطات مسلحة. وتؤكد المصادر أن عدداً من هؤلاء سبق أن اعتُقلوا لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفيات مشابهة.
دوافع انتقامية وخلفيات أمنية
لا تقتصر دوافع الانضمام على العوامل المادية، وفق المصادر، إذ يلعب شعور بعض الشبان بالعداء تجاه «حماس» دوراً في ذلك، خصوصاً ممن سبق اعتقالهم على خلفيات جنائية أو أمنية.
وتذكر المصادر أن بين مؤسسي بعض تلك المجموعات أو قياداتها عناصر سابقين في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، من بينهم شوقي أبو نصيرة، وحسام الأسطل، إضافة إلى رامي حلس وأشرف المنسي، الذين شغلوا مواقع أمنية سابقة. وتضيف أن هؤلاء يستثمرون علاقاتهم وخبراتهم الأمنية في استقطاب شبان، عبر وعود بتأمين مستقبل وظيفي ضمن «قوة أمنية فلسطينية» قد تتولى إدارة القطاع مستقبلاً.
الابتزاز وسقوط عبر «مصيدة هاتفية»
وكشفت التحقيقات، بحسب المصادر، عن حالات استقطاب عبر الابتزاز. ففي إحدى الوقائع، تواصلت فتاة مع شاب وأجرت معه مكالمة هاتفية، قبل أن يُهدَّد بنشرها ما لم ينضم إلى إحدى العصابات. وأفاد الشاب، بعد تسليم نفسه لأجهزة الأمن في غزة، بأنه تلقى أيضاً وعوداً بسداد ديونه، ما دفعه للانضمام مؤقتاً قبل أن يتراجع.
ووفق التحقيقات ذاتها، كان قادة المجموعة التي انضم إليها الشاب شرق مدينة غزة يكررون وعوداً بأن عناصرهم سيكونون «جزءاً من أي تركيبة أمنية فلسطينية مستقبلية» في القطاع، رغم أن كثيرين منهم – بحسب الإفادات – لم يكونوا مقتنعين بتلك الطروحات.
مهام ميدانية واشتباكات
وتشير معطيات ميدانية إلى أن بعض تلك العصابات نفذت مهام مسلحة في مناطق التماس، من بينها أنشطة مرتبطة بكشف أنفاق، ما أدى إلى وقوعها في كمائن نصبتها فصائل فلسطينية مسلحة، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها خلال الأيام الماضية، خصوصاً في أحياء جنوب مدينة غزة ومحيط دير البلح.
كما كشفت التحقيقات أن بعض المجندين كانوا متورطين سابقاً في سرقة مساعدات إنسانية، قبل أن يُستقطَبوا للعمل ضمن تلك المجموعات.
