استدرجت الولايات المتحدة الأمريكية إيران نحو حرب إقليمية مفتوحة بعد شن واشنطن وتل أبيب حربا على طهران، والتي دخلت يومها السادس وسط دمار واسع وتهديدات مباشرة للاستقرار الإقليمي والعالمي، فيما تبذل الصين جهودا حثيثة لرأب الصدع بوساطة ودبلوماسية حكيمة لتجنب اتساع رقعة الصراع في المنطقة، في الوقت نفسه برز الموقف الصيني كحصن دبلوماسي قوي يدافع عن مبادئ القانون الدولي ويعتمد على الحوار والدبلوماسية للتعامل مع أى نزاعات.
وحذرت الصين من "قانون الغاب" الذي يفرضه الاعتداء العسكري، مؤكدة أن الانتهاكات الصارخة لسيادة إيران ووحدتها ستزيد الفوضى وتلحق أضرارا بالاقتصاد العالمي، خصوصا بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 20 % من النفط العالمي.
وأدانت الصين بقوة الضربات التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، واعتبرتها "انتهاكا سافرا لأغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة" و"انحرافا عن القواعد الأساسية للعلاقات الدولية"، محذرة من تداعيات قد تؤدي إلى "إعادة ترتيب النظام الدولي" بما يهدد التوازنات الجيوسياسية.
وفي خطوة دبلوماسية استباقية، أعلنت الصين أنها سترسل تشاي جيون، مبعوث الحكومة الصينية الخاص لشؤون الشرق الأوسط، إلى المنطقة في المستقبل القريب للعمل على تهدئة الوضع المتوتر.
فيما تتكثف الاتصالات الدبلوماسية لوزير الخارجية الصيني وانغ يي مع نظرائه في روسيا وإيران وعمان وفرنسا وإسرائيل والسعودية والإمارات، مؤكدا أن "إطالة أمد الصراع لا يخدم مصلحة أحد"، وأن "الحرب واستخدام القوة لا يحلان القضايا نهائيا"، بل يفتحان أبوابا لكوارث إقليمية قد تمتد إلى فوضى عالمية.
من جانبها، شددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في مؤتمر صحفي عقد اليوم على أن "الصين ستواصل العمل مع جميع الأطراف، بما في ذلك الأطراف المنخرطة في صراعات ذات صلة بالشرق الأوسط، للحفاظ على التواصل وتكثيف جهود الوساطة وحشد التوافق".
وأوضحت أن بكين "تشعر بقلق بالغ" إزاء التوترات، قائلة "إن إطالة أمد الصراع وتصعيده لا يخدم مصلحة أحد".
وشددت على أن الصين على قناعة أن الحرب واستخدام القوة لا يمكنهما حل القضايا نهائيا، وأن الحوار والتفاوض هما الحل الصحيح، وأنه ينبغي التمسك بالتسوية السياسية والدبلوماسية للنزاعات والخلافات.
-- الموقف الصيني: حذر استراتيجي يحمي المصالح العالمية
أجمع مراقبون وخبراء عرب وإسرائيليون في تصريحات منفصلة مع وكالة أنباء ((شينخوا)) على أن الموقف الصيني يعكس "حكمة دبلوماسية عميقة"، المبني على تجنب الانخراط العسكري المباشر، مع التركيز على الوساطة والحوار كأدوات أساسية للحفاظ على الاستقرار.
وقال الدكتور ضياء الفقي، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية إن "الموقف الصيني سليم وحكيم ومتزن، فالصين دولة عظمى تهتم بالسلام العالمي، وأدانت الحرب والاغتيال كانتهاك للقانون الدولي، رافضة أن تكون أي دولة شرطيا عالميا أو قاضيا دوليا".
وأضاف "ببساطة، تعتمد الصين على علاقاتها الطيبة مع الأطراف للوساطة دون تورط عسكري".
أما حسن الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال في الأردن، فرأى أن "الموقف الصيني حذر ويميل إلى التهدئة، ويعزز صورتها كوسيط دولي، مع الحفاظ على توازن مع إيران ودول الخليج"، محذرا من أن التصعيد قد يؤدي إلى "تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية".
على صعيد متصل، أكد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، في اجتماع اليوم (الخميس)، التزامهم بالاستقرار الإقليمي، ودعوا إلى حماية المدنيين والاحترام التام لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
فيما وصف المحلل السياسي في صحيفة ((الاتحاد)) بحيفا في إسرائيل آرام كيوان الموقف الصيني بأنه "حذر استراتيجي يتجنب الاصطفافات الحادة"، ويتماشى مع نموذج "المفاضلة في العلاقات الدولية"، مع التركيز على حماية الاستقرار في مناطق الحزام والطريق، وتوازن مع إيران ودول الخليج وسط تحولات النظام العالمي.
أما الأكاديمي التونسي كمال بن يونس فيرى أن الموقف الصيني "واقعي وعقلاني ومبدئي، يعتمد على القانون الدولي ويرفض التدخل الأجنبي دون تفويض من مجلس الأمن، محذراً من قانون الغاب في العلاقات الدولية".
-- توقعات الدور الصيني: تصعيد دبلوماسي لمنع الكارثة
يتوقع الخبراء أن تكثف الصين جهودها الدبلوماسية في حال طال أمد الحرب، مستفيدة من ثقلها كقوة اقتصادية كبرى، للضغط على الأطراف لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، مع احتمال عقد قمم إقليمية أو استخدام مجلس الأمن لفرض قرارات تهدئة.
وقال الدكتور الفقي "ستستمر الصين في الجهود الدبلوماسية، لكن الحرب قد تطول أسابيع بسبب أهداف أمريكية ثابتة، وإيران ارتكبت أخطاء مثل إغلاق مضيق هرمز، مما يعقد الوساطة"، على حد قوله.
وأضاف الدعجة "ستزيد الصين من الوساطات داخل المنظمات الدولية، لأن التصعيد يهدد أمن الطاقة العالمي".
وقال آرام كيوان "ستستمر الصين في الدبلوماسية، وتصعد إذا تأثرت أسواق الطاقة، محافظة على موقعها كقوة توازن".
-- إمكانية نجاح الوساطة: فرص قوية رغم التحديات
وأكد الخبراء أن نجاح الوساطة الصينية يعتمد على علاقاتها المتوازنة وثقلها الاقتصادي، لكنها تواجه تحديات مثل "الصلف الأمريكي"، مع احتمال أن تكون الصين "الوسيط الأكثر نزاهة" في ظل رفضها للهيمنة الغربية.
وقال الفقي "فرص النجاح محدودة بسبب أهداف أمريكية ورفض إيراني، لكن الصين نجحت سابقاً في الوساطة بين السعودية وإيران، ويجب تكثيف الجهود رغم الصعوبات".
ومع ذلك، تواجه الوساطة الصينية تحديات ليست بالبسيطة مثل تعقد الصراع وتضارب المصالح خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب الدعجة.
غير أن أحمد رفيق عوض يؤمن بأن الصين لديها أوراق قوية يمكنها أن تقود الوساطة بكل نزاهة - رغم عدم رغبة الغرب بذلك - فهي تعتمد على عدم الإضرار بأي طرف.
وهذا تحديدا ما يؤهل نجاح الصين في الوساطة وقدرتها على التواصل كقوة معنية بالاستقرار العالمي، حسب ما يقول آرام كيوان.
وهو ما يتفق معه فيه كمال بن يونس قائلا "الصين مؤهلة أكثر بمصالحها المتشابكة .. حظوظ النجاح كبيرة بقدرتها على التواصل، مع عائق الصلف الأمريكي الإسرائيلي".
-- دور الصين مقابل أمريكا وأوروبا: دبلوماسية توازن ضد هيمنة عسكرية
في مقارنة حادة، أكد الخبراء أن الصين تمثل "بديلا دبلوماسيا هادئا" يركز على التعاون المتبادل والقانون الدولي، مقابل "هيمنة أمريكية عسكرية" تعتمد على العقوبات والتدخل، وتنسيق أوروبي مع واشنطن يفاقم التوترات.
وقال الفقي "أمريكا استدرجت إيران نحو الحرب، بينما الصين ترأب الصدع بدبلوماسية حكيمة".
وأضاف الدكتور الدعجة "الصين تميل إلى الحوار وتوازن العلاقات، مقابل تشدد أمريكي وعقوبات، وأوروبا تنسق مع واشنطن".
وقال آرام كيوان "دور الصين يركز على الاستقرار الاقتصادي، مقابل هيمنة أمريكية بالقوة، مع بناء نفوذ طويل المدى".
وأكد كمال بن يونس "للصين دور أكبر بعلاقاتها الاقتصادية المتطورة"، بينما قال هشام الحاجي "الموقف الصيني معقول ويستند إلى الشرعية الدولية، مع قدرة على التأثير ضد التهديدات الأمريكية الإسرائيلية للسلام العالمي".
