تداعيات الحرب على إيران تطال مصر وتثير مخاوف اقتصادية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ).webp

 استيقظت المصرية سميرة عبده يوم الثلاثاء 10 آذار/مارس 2026 على ارتفاع أسعار النقل وبعض المنتجات والسلع، عقب قرار زيادة أسعار الوقود، الذي اتخذته الحكومة التي أعلنت أيضا حزمة إجراءات تقشفية، في إطار مواجهة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، المستعرة منذ 28 فبراير الماضي.

وقالت المرأة الستينية لوكالة أنباء ((شينخوا)) "فوجئت صباح اليوم بزيادة أسعار المواصلات، فقد ارتفع ثمن تذكرة الميني باص من 18 إلى 20 جنيها، والميكروباص من 9 إلى 10 جنيهات"، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض الخضروات والسلع الأخرى.

وتساءلت بعفوية شديدة "نحن بعيد عن الحرب، لماذا ترتفع الأسعار عندنا؟" قبل أن تضيف "نرى الانفجارات في المنطقة على شاشات التلفزيون، لكن نعيش تأثيرها على حياتنا اليومية."

وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في 28 فبراير الماضي هجوما مشتركا واسع النطاق على إيران، التي أطلقت بدورها هجوما مضادا تضمن قصف مواقع في إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في بعض الدول العربية.

وأدت الحرب إلى غلق مضيق هرمز، الذي يمر منه 20% من إمدادات الطاقة في العالم، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا.

- تداعيات اقتصادية

وطالت تداعيات حرب إيران قطاعات عديدة بالاقتصاد المصري، الذي كان يتنفس الصعداء ويشهد مؤشرات تعافي من الأزمات التي تعرض لها في السنوات الأخيرة، بفعل الصدمات الخارجية وارتفاع الديون.

ومن بين هذه التداعيات ارتفاع أسعار الوقود، إذ أعلنت الحكومة المصرية رفع أسعار المنتجات البترولية اعتبارا من اليوم الثلاثاء.

وتراوحت نسب الزيادة في أسعار المنتجات البترولية والغاز المنزلي ما بين 14.2% إلى 30%.

وأرجعت وزارة البترول والثروة المعدنية في بيان هذا القرار إلى "الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي".

وأضافت أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، أسفرت عن قفزة كبيرة في أسعار البترول الخام والمنتجات البترولية عالميا ، وهي مستويات لم تشهدها اسواق الطاقة منذ سنوات.

وشملت التداعيات أيضا انخفاض قيمة الجنيه المصري بحوالي 8.1% أمام الدولار الأمريكي، الذي كان يساوي في 27 فبراير عشية الحرب على إيران 47.99 جنيه مصري، بينما يساوي اليوم 51.92 جنيه.

وامتدت التداعيات كذلك إلى قناة السويس، التي كانت تشهد مؤشرات تعافي من آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حتى بدأت الحرب على إيران، حيث أعلنت بعض شركات الشحن مثل ميرسك وسي إم إيه سي جي إم تغيير مسار سفنها بعيدا عن قناة السويس.

وأكد رئيس الهيئة العامة لقناة السويس أسامة ربيع أن إعلان بعض الخطوط الملاحية الكبرى تعليق عبورها من قناة السويس "أمر مؤقت مرهون بتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة".

وأعرب ربيع في بيان عن أمله في أن تشهد الفترة المقبلة انفراجة في الأوضاع الأمنية، لما لها من تأثيرات جوهرية على حرية الملاحة في المنطقة.

ولم تكن الصادرات استثناء، إذ أثرت الحرب على "حركة الصادرات الزراعية الطازجة إلى عدد من الأسواق الخليجية والإفريقية ودول جنوب شرق آسيا، وهو ما استدعى التنسيق الفوري بين الوزارات المعنية لطرح هذه المنتجات في السوق المحلية"، بحسب بيان للحكومة المصرية.

وشملت التداعيات أيضا قطاع السياحة والطيران، إذ أعلنت شركة (مصر للطيران) بعد ساعات من اندلاع الحرب تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى مدن الكويت ودبي والدوحة والبحرين وأبوظبي والشارقة والقصيم والدمام وأربيل وبغداد وعمان وبيروت ومسقط لحين إشعار آخر.

-- إجراءات استثنائية

وفي إطار التعامل مع هذه التداعيات، أعلنت الحكومة المصرية برئاسة مصطفى مدبولي اتخاذ "حزمة من الإجراءات الاستباقية المؤقتة" التي تستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع هذه التطورات، وضمان استقرار الأسواق المحلية واستمرار توافر السلع والمنتجات البترولية، بحسب بيان حكومي.

وأصدر مدبولي، قرار بشأن "ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية".

ويتضمن القرار "إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتأجيل النفقات غير العاجلة، والحد من السفر والمؤتمرات والفعاليات ونفقات الدعاية، إلى جانب وضع ضوابط للإنفاق الاستثماري والتركيز على استكمال المشروعات التي قاربت على الانتهاء".

ووفق البيان، شملت إجراءات الترشيد بعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وأكدت الحكومة أنها ستشرع فورا في "دراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لمنع استغلال الظروف الاستثنائية الراهنة لرفع الأسعار أو التلاعب بها".

في الوقت نفسه، أوضحت الحكومة أنها تعمل على تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأولى بالرعاية، حيث "تقرر مد العمل بقرار زيادة الدعم النقدي المقدم للمستفيدين من برنامجي (تكافل وكرامة) و(الأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية)، لفترة إضافية تمتد لشهرين، بما يسهم في دعم قدرة هذه الأسر على مواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الإقليمية والعالمية الحالية".

كما تعتزم الحكومة "الإعلان مبكرا عن حزمة تحسينات في الأجور والدخول للعاملين بالدولة اعتبارا من العام المالي 2026-2027، تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور".

وشددت على "المضى قدما في مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي"، مشيرة إلى أن "السياسة النقدية ملتزمة باستهداف التضخم والعمل على خفض معدلاته، مع ضمان مرونة سعر الصرف بشكل يعكس آليات السوق، وبما يسمح بتوافر كافة مستلزمات الانتاج واحتياجات السوق المصرية".

-- هل يمكن للاقتصاد المصري امتصاص هذه التداعيات؟

ورغم هذه التداعيات، فإن الاقتصاد المصري قادر على القيام بـ"عملية تصحيح سريع" إذا كان أمد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قصير، بحسب عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي وليد جاب الله.

وقال الخبير المصري لـ((شينخوا)) "أتصور أنه إذا انتهت العمليات العسكرية خلال 4 أو 5 أسابيع من بدايتها يمكن تدارك تداعياتها على الاقتصاد المصري بسرعة لكن إذا استمرت العمليات أكثر من ذلك ستكون الأمور أكثر صعوبة".

وأوضح جاب الله أن الاقتصاد المصري "مفتوح وله تشابكات مع دول العالم شرقا وغربا، لذلك بدأت تأثيرات الحرب الإيرانية بالفعل بخروج أموال ساخنة من مصر مع ضغوط على العملة المحلية وتوقعات بتراجع إيرادات قناة السويس والسياحة وارتفاع فاتورة واردات مصر من الطاقة بكل أنواعها والغذاء ومستلزمات الإنتاج بما فيها مستلزمات الإنتاج الصناعي".

واستدرك "لكن يمكن للاقتصاد المصري امتصاص تداعيات الحرب الإيرانية إذا لم يتجاوز أمدها عدة أسابيع، لكن إذا استمرت الحرب أكثر من ذلك سيكون هناك آثار سلبية تزيد كلما زادت فترة الحرب".

وأشار إلى أن تداعيات الحرب الإيرانية "أصعب" من نظيرتها الناتجة عن الصراع الروسي الأوكراني، الذي كان له "تأثيرات كبيرة" على الاقتصاد المصري.

وأردف أن الصراع الروسي الأوكراني لم يدفع سعر النفط والغاز للارتفاع إلى المستوى الذي حدث بعد الحرب الأمريكية الإيرانية، وتأثير ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس على أسعار بقية المنتجات وعناصر الإنتاج، بالتالي تداعيات الحرب الإيرانية على مصر "ستكون أقسى وأصعب إذا استمرت" الحرب.

ووصف الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية بأنها "مناسبة في حدود الإمكانيات"، مشيرا إلى أن مصر استطاعت من خلال برنامج الإصلاح الاقتصادي أن ترفع مستوى احتياطياتها من السلع الأساسية لتكفي عدة أشهر خلافا لما كان يحدث في السابق، و"هذا شيء إيجابي".

وختم "لكن مهما كانت الأمور إيجابية، ومهما كانت الإجراءات الاحتياطية التي قامت بها الدولة، فإن استمرار الحرب سيجعل آثارها تصل إلى المواطن المصري بالتأكيد".

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة (شينخوا)