يوم الارض :عقيدة البقاء الفلسطينية قوة الحق اقوي من ارهاب اسرائيل

بقلم: محمد مصطفي شاهين

محمد مصطفى شاهين.jpg

بقلم محمد مصطفى شاهين 
في رحاب التاريخ الإنساني وقضايا الشعوب العادلة، يبرز يوم الأرض الفلسطيني كعلامة فارقة في سجل النضال الوطني، لا بوصفه حدثًا عابرًا في التقويم الزمني، بل كحالة وجدانية وسياسية تعبّر عن جوهر الصراع بين الحق التاريخي والسطوة الاستعمارية. إن الأرض في العقيدة الوطنية ليست مجرد حيز جغرافي أو مساحة للزراعة والاستغلال، بل هي الهوية التي تشكل وعي الفرد والجماعة، وهي الركيزة التي يستند إليها الوجود البشري في مواجهة محاولات المحو والإحلال التي مارستها القوى الصهيونية منذ بواكير مشروعها الاستيطاني.

إننا حين نتأمل دلالات يوم الأرض، نجد أنفسنا أمام ملحمة من ملاحم الإرادة الإنسانية التي ترفض الخضوع لمنطق القوة الغاشمة، وتؤكد أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الجذوة التي أشعلها أحرار فلسطين في الثلاثين من مارس عام ستة وسبعين لا تزال تضيء دروب الصمود لأجيال متعاقبة. لم تكن تلك الهبة الشعبية التي انطلقت من سخنين وعرابة ودير حنا إلا تجسيدًا حيًا لاتحاد المصير بين أبناء الشعب الواحد في مواجهة سياسات المصادرة والتهويد التي استهدفت اقتلاع الفلسطيني من جذوره وتفتيت نسيجه الاجتماعي.

إن القراءة السياسية الرصينة لهذا الحدث تكشف لنا عن استمرارية النسق الاستعماري الذي لا يغير من جوهره التوسعي، وإنما يطور أدواته وتكتيكاته. فاليوم الذي شهدناه بالأمس من محاولات لانتزاع الأرض بالقرارات الإدارية والتهديد العسكري، هو عين ما نراه اليوم في أشكال الاستيطان الزاحف ومشاريع الضم التي تهدف إلى تقويض حل الدولتين والقضاء على أي فرصة لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

إن الربط بين الأمس واليوم يضعنا أمام حقيقة لا مراء فيها، وهي أن الصراع ليس صراعًا على حدود فحسب، بل هو صراع وجودي تتحدد فيه قيمة الإنسان بقدر تمسكه بحقه، وبقدرته على الحفاظ على إرث أجداده. إن الإعلام الرصين الذي يدرك أبعاد هذه القضية مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتسليط الضوء على هذا التاريخ، ليس بأسلوب عاطفي فحسب، بل عبر تشريح الاستراتيجيات الاستعمارية وفضح أوهام القوة التي تروج لها آلة الدعاية المناوئة.

إن التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم هي امتداد عضوي لتحديات الأمس، وإن اختلفت الأوعية والظروف الجيوسياسية. فالموقف الدولي الذي كان يراقب بصمت عام ستة وسبعين، هو ذاته الذي يتعرض اليوم لضغوط هائلة، لكنه يواجه صحوة شعبية عالمية تتجاوز الحدود القومية لتنصر الحق الفلسطيني في المحافل الدولية.

إن يوم الأرض يذكرنا بأن قوة الحق أقوى من حق القوة، وأن الشعوب التي تجذر حب الأرض في قلوب أبنائها لا يمكن أن تهزم أو تنكسر مهما بلغت قسوة الظروف. إن هذه المناسبة الوطنية ليست للاحتفاء بذكرى فقط، بل هي محطة للمراجعة وتقييم المسارات النضالية واستشراف المستقبل في ظل واقع دولي معقد يتطلب وحدة الموقف الفلسطيني وتماسكه لمواجهة التحديات المصيرية.

إن المسؤولية الملقاة على عاتق المثقف والسياسي والإعلامي تقتضي صياغة خطاب وطني جامع يتجاوز التحديات، ويتمسك بالثوابت التي أرساها الشهداء والذين ضحوا بدمائهم دفاعًا عن ثرى فلسطين. إن الأرض تظل دائمًا البوصلة التي توجه المسار، والمنطلق الذي لا بديل عنه لأي حل عادل. فالأرض هي التاريخ، وهي المستقبل، وهي الحقيقة التي تتصاغر أمامها كل مؤامرات التزييف والتضليل.

ويبقى يوم الأرض أيقونة خالدة في وجدان الأمة العربية جمعاء، شاهدًا على عظمة الإنسان الفلسطيني الذي يقف شامخًا كجبال الجليل وزيتون الضفة، يعلن للعالم أن هنا باقون، وأن الحق الذي تسانده إرادة شعب مؤمن بعدالة قضيته لن يضيع، وإن طال ليل الاحتلال، وبزغ فجر الحرية والكرامة الوطنية التي تستحقها فلسطين أرضًا وشعبًا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت