أثارت المناورات العسكرية التي ينفذها الجيش المصري بالقرب من الحدود مع إسرائيل حالة من الجدل والتحليل في الأوساط السياسية والإعلامية، وسط تباين في تفسير أهدافها ودلالاتها، بين من يراها جزءًا من أنشطة عسكرية روتينية، وآخرين يعتبرونها تحمل رسائل سياسية تتجاوز الإطار العسكري المباشر.
قراءة تحذيرية: رسائل تتجاوز التدريب العسكري
في هذا السياق، اعتبرت الباحثة في شؤون الشرق الأوسط داليا زيادة أن هذه المناورات لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الإقليمي، مشيرة في تصريحات لقناة i24NEWS الناطقة بالفرنسية إلى أن توقيت التدريبات يحمل دلالات خاصة.

وأوضحت أن إجراء هذه المناورات بعد يوم واحد من احتفالات مصر بذكرى استعادة سيناء يعكس – بحسب رأيها – توظيفًا للرمزية الوطنية، حيث يُعاد تقديم الحدث في الخطاب الإعلامي الداخلي كـ"انتصار عسكري"، وليس فقط نتيجة لاتفاق سلام، في إشارة إلى اتفاقية كامب ديفيد التي أرست السلام بين مصر وإسرائيل.
وأضافت أن اختيار مواقع قريبة من الحدود يبعث برسائل ضمنية تتعلق بتأكيد السيادة العسكرية والجاهزية، معتبرة أن ذلك “ليس أمرًا عابرًا” بل يدخل في إطار توازنات إقليمية معقدة.
تحولات إقليمية أم قراءة فردية؟
وربطت زيادة بين هذه المناورات وما وصفته بتحول أوسع في توجهات السياسة الإقليمية المصرية، مشيرة إلى تقارب نسبي – وفق تقديرها – مع أطراف إقليمية مثل إيران وتركيا وقطر، في مقابل استمرار حالة الرفض الشعبي في مصر تجاه إسرائيل.
واعتبرت أن هذه المعطيات قد تؤثر على طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة وتل أبيب، رغم استمرار الالتزام الرسمي باتفاق السلام.
سياق إقليمي متوتر
تأتي هذه التطورات في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها ملفات عدة، من بينها التوترات المرتبطة بالدور الإيراني في المنطقة، ما يزيد من حساسية أي تحركات عسكرية بالقرب من خطوط التماس.
وحذرت زيادة من أن مثل هذه التحركات قد تساهم في خلق “مناخ استفزازي”، قد يؤدي إلى سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب، خاصة في ظل ضبابية بعض الخطوط الحمراء.
موقف إسرائيل والتنسيق الأمني
وأثارت المحللة تساؤلات حول موقف إسرائيل، في ظل تقارير تفيد بوجود تنسيق أو موافقة مسبقة على هذه المناورات، وهو ما اعتبرته أمرًا لافتًا، خصوصًا مع إمكانية تنفيذ التدريبات في مناطق أخرى داخل شبه جزيرة سيناء.
بين التحليل والواقع الرسمي
في المقابل، لا توجد مؤشرات رسمية معلنة من الجانب المصري تشير إلى تغيير في العقيدة العسكرية أو في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، حيث تؤكد القاهرة في مواقفها المعلنة التزامها باتفاقيات السلام والتنسيق الأمني، خاصة فيما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب في سيناء.
ويرى مراقبون أن المناورات العسكرية تبقى، في كثير من الأحيان، ضمن إطار الجاهزية والتدريب الدوري، حتى وإن تزامنت مع رسائل سياسية غير مباشرة، في منطقة تعيش تحولات متسارعة.
خلاصة المشهد
تعكس هذه المناورات، سواء اعتُبرت رسالة سياسية أو نشاطًا عسكريًا روتينيًا، حجم التعقيد في المشهد الإقليمي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الرمزية السياسية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ضبط التوازنات وتجنب أي تصعيد غير محسوب.

تقارير إسرائيلية
وأبرزت تقارير إسرائيلية اعتزام الجيش المصري تنفيذ تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية قرب الحدود مع إسرائيل في شبه جزيرة سيناء، تمتد من 26 حتى 30 نيسان/ أبريل الجاري، وعلى مسافة تُقدّر بنحو 100 إلى 200 متر من السياج الحدودي، في خطوة لم يُعلن عنها رسميًا من الجانب المصري.
وبحسب التقارير، فإن المعلومات وصلت أساسًا عبر إخطارات أمنية تلقاها سكان البلدات الإسرائيلية المحاذية للحدود، إضافة إلى منسقي الأمن في هذه البلدات، حيث أبلغوا بأن تدريبات إطلاق نار مصرية ستُنفذ يوميًا بين الساعة 06:00 و19:00، وعلى مقربة مباشرة من التجمعات السكنية.
وفي هذا السياق، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بوعاز بيسموت، قوله إن "اللجنة ستناقش خلال الإحاطة الأمنية هذا الأسبوع مسألة المناورات التي يجريها الجيش المصري قرب الحدود بشكل موسع"، ما يعكس انتقال القضية إلى مستوى النقاش السياسي.
ووفق هذه الإخطارات، فإن التدريبات تشمل استخدام الذخيرة الحية، وهو ما أثار قلقًا واسعًا في صفوف السكان، خاصة في بلدات مثل "بني نتساريم"، التي تقع بمحاذاة السياج الحدودي ويقطنها المستوطنون الذين تم إخلاؤهم من مستوطنة "نيستاريم" في قطاع غزة، حيث قالت إحدى المستوطنات: "كيف يسمح الجيش لجيش أجنبي بالوصول إلى خط التماس بأسلحة حية؟ أصوات إطلاق النار تشكل غطاءً مثاليًا للتهريب أو حتى لهجوم محتمل".
"تكرار أنماط" سبقت السابع من أكتوبر
ويستند جزء من هذه المخاوف إلى ما وصفه السكان بـ"تكرار أنماط" سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ أشاروا إلى وصول "مركبات دفع رباعي بيضاء" مصرية إلى الحدود في الأسابيع الماضية، ووقوفها قبالة مواقع عسكرية إسرائيلية "دون عائق"، إلى جانب ما اعتبروه "نشاطًا استخباريًا مفتوحًا" قرب السياج.
في السياق ذاته، نقلت "معاريف" عن "منتدى ‘غلاف إسرائيل‘" قوله إن هذه التدريبات تمثل "تذكيرًا مؤلمًا بأساليب العدو قبل 7 أكتوبر"، مضيفًا: "نحذر من خلق معايير خطيرة... سكان الغلاف ليسوا حقل تجارب ولا ساحة تدريب للجيش المصري"، في دعوة مباشرة للمستوى السياسي لوقف هذه الأنشطة.
في المقابل، أقرّ الجيش الإسرائيلي بوجود هذه التدريبات، حيث قال المتحدث باسمه إن "قوات مصرية ستجري تدريبات خلال الأسبوع بالقرب من الحدود الغربية"، مشددا على أن هذه الأنشطة "تُنفذ من حين لآخر بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي".
الجيش المصري استجاب لطلب إسرائيلي
وبحسب المعطيات، فإن الجيش المصري استجاب لطلب إسرائيلي بتأجيل جزء من هذه التدريبات خلال أيام فتح "شارع 10" أمام المتنزهين، ما يؤكد وجود قنوات تنسيق ميداني قائمة، رغم حدة الانتقادات التي تصدر عن جهات سياسية في إسرائيل.
وفي هذا السياق، قال الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إيلي ديكل، لصحيفة "معاريف"، إن هذه التدريبات تمثل "دهسًا لاتفاق السلام"، مدعيًا أن الاتفاق "يحظر إدخال قوات عسكرية مصرية إلى مسافة قريبة من الحدود"، مضيفًا أن على مصر "إجراء تدريباتها في عمق سيناء حيث المساحات الواسعة المتاحة".
وادعى ديكل أن مصر انتهكت الاتفاق مرارًا منذ عام 2007، مشيرًا إلى ما وصفه بـ"بناء مواقع رادار محصنة" في سيناء، إضافة إلى "نشر عشرات الدبابات في مناطق يُحظر دخولها"، بما في ذلك "90 دبابة على الأقل قرب العريش"، وفق تعبيره.
كما زعم الضابط الذي كان مسؤولا عن ملف "البنية التحتية" في الدول العربية، بما فيها مصر، أن الجيش المصري أنشأ "أنفاقًا ضخمة لتخزين صواريخ موجهة نحو ديمونا وحيفا"، مستندًا إلى ما قال إنه "معلومات علنية نُشرت عبر مقاطع فيديو"، وهي ادعاءات لم تؤكدها أي مصادر مستقلة في المواد المتاحة.
لا تفاصيل دقيقة حول حجم القوات المشاركة
في المقابل، لا توفّر التقارير المتداولة تفاصيل دقيقة حول حجم القوات المشاركة في هذه التدريبات، أو طبيعة السيناريوهات العسكرية التي يتم التدريب عليها، كما لا تشير إلى أهداف واضحة أو سياق إستراتيجي مباشر لهذه الأنشطة، ما يترك مساحة واسعة للتقديرات والتفسيرات داخل إسرائيل.

كما أن الروايات الإسرائيلية نفسها تعكس تباينًا بين المستوى الرسمي الذي يؤكد وجود تنسيق كامل مع القاهرة، وبين الخطاب الشعبي والإعلامي الذي يربط هذه التحركات بسياقات تهديدية أوسع، خاصة في ظل الحساسية الأمنية المتزايدة منذ هجوم السابع من أكتوبر.
وفي موازاة ذلك، تتقاطع هذه التطورات مع وقائع ميدانية أخرى على الحدود الجنوبية، بينها العثور على طائرات ورقية داخل كيبوتس "ناحل عوز"، في ما أعاد إلى الواجهة ذاكرة عمليات "البالونات الحارقة" التي استخدمت خلال سنوات سابقة للحرب على غزة، رغم تأكيد الجيش الإسرائيلي أن هذه الأجسام "لم تحتوِ على مواد خطرة".
في المحصلة، تعكس هذه التطورات حالة من التوتر الشعبي والإعلامي في التعامل الإسرائيلي مع التحركات العسكرية المصرية قرب الحدود، بين من يراها نشاطًا روتينيًا منسقًا، ومن يقرأها كمؤشر مقلق يستدعي إعادة تقييم.
