في محاولة جديدة لكسر الجمود الذي يخيّم على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، سلّم الوسطاء الدوليون وثيقة سياسية وأمنية جديدة تحمل عنوان «خارطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية» إلى كلّ من إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وسط مهلة محدودة للردّ قبل نهاية الأسبوع، وفق ما نقلته تقارير اعلامية.
وتأتي هذه الوثيقة في توقيت حساس، مع اقتراب انتهاء مهلة غير رسمية تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن نزع سلاح الفصائل، وفي ظل استمرار التصعيد الميداني رغم سريان اتفاق التهدئة.
اختراق جزئي في ملف السلاح
أبرز ما تحمله «خارطة الطريق» الجديدة هو تعديل مقاربة ملف سلاح المقاومة، إذ تقترح الوثيقة حصر السلاح بيد أجهزة أمنية فلسطينية يجري تشكيلها، بدلاً من تسليمه مباشرة إلى إسرائيل، وهو ما يُعد تراجعاً نسبياً عن الموقف الإسرائيلي السابق الذي كان يشترط نزعاً كاملاً للسلاح.
كما تربط الوثيقة هذه العملية بتفكيك سلاح الميليشيات المحلية، بما يشمل الجماعات المسلحة المدعومة من أطراف مختلفة، في محاولة لتجاوز إحدى أكثر النقاط تعقيداً في المفاوضات.
إطار دولي وإشراف متعدد الأطراف
تنص الوثيقة على أن تنفيذ المرحلة الثانية يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، إضافة إلى خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باعتبارهما المرجعية الأساسية لإعادة ترتيب الوضع في القطاع.
كما تقترح إنشاء لجنة «التحقق من التنفيذ»، تضم الدول الضامنة و«قوة الاستقرار الدولية» و«مجلس السلام»، لمراقبة الالتزام بكل بند، مع اشتراط استكمال المرحلة الأولى بالكامل قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
إدارة انتقالية واستبعاد الفصائل من الحكم
تمنح الوثيقة «مجلس السلام» تفويضاً مؤقتاً لإدارة قطاع غزة والإشراف على إعادة الإعمار، إلى حين تمكين سلطة فلسطينية «مُعاد إصلاحها» من تولي المسؤولية.
وفي المقابل، تنص بشكل واضح على استبعاد حركة «حماس» والفصائل من أي دور في الحكم، مع ضمان معالجة أوضاع نحو 40 ألف موظف مدني، ضمن إطار قانوني يحفظ حقوقهم.
«سلاح واحد وقانون واحد»: إعادة هيكلة أمنية شاملة
تعتمد الخطة مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»، ما يعني حظر أي مظاهر مسلحة خارج الإطار الرسمي.
وتتضمن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، ودمج عناصر الشرطة بعد إخضاعهم لتدقيق أمني، مع نقل الأسلحة إلى جهة مركزية مختصة. كما تنص على برامج لإعادة شراء السلاح، وإعادة دمج المسلحين ضمن برامج اجتماعية واقتصادية.
نزع تدريجي للسلاح بإشراف دولي
تقترح الوثيقة عملية تدريجية لنزع السلاح بقيادة فلسطينية وتحت إشراف دولي، تشمل:
- جمع وتسجيل الأسلحة عبر لجنة وطنية مختصة
- منع تسليم السلاح لإسرائيل مباشرة
- ربط تسليم السلاح الفردي بتفكيك سلاح الميليشيات
- ضمان بيئة أمنية مناسبة قبل التنفيذ
كما تدعو إلى توقيع اتفاق «سلم أهلي» يمنع الاقتتال الداخلي والمظاهر المسلحة.
انسحاب إسرائيلي مشروط وإعادة إعمار مرتبطة بالأمن
تنص «خارطة الطريق» على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من القطاع، مرتبط بإحراز تقدم فعلي في ملف نزع السلاح.
وفي المقابل، يتم ربط إدخال مواد إعادة الإعمار بالمناطق التي يتم فيها حصر السلاح وتخضع لإدارة اللجنة الوطنية، بما يهدف إلى خلق بيئة مستقرة لإعادة البناء.
دور «قوة الاستقرار الدولية»
تمنح الوثيقة دوراً داعماً لـ«قوة الاستقرار الدولية»، التي يُفترض أن تنتشر بين مناطق التماس لدعم العمليات الإنسانية ونزع السلاح، دون أن تمارس مهام شرطية مباشرة.
ويشارك في صياغة المقترح ممثلون عن «مجلس السلام» بقيادة نيكولاي ملادينوف، إلى جانب وسطاء من مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة.
مفاوضات القاهرة: اختبار حاسم
بالتوازي، تستضيف القاهرة جولة جديدة من المفاوضات بمشاركة وفود من الأطراف المعنية، وسط توقعات بأن تكون حاسمة في تحديد مصير الاتفاق.
وبحسب مصدر مصري تحدث لصحيفة «الشرق الأوسط»، سيشارك قائد قوة الاستقرار الدولية الجنرال جاسبر جيفيرز في هذه الجولة، التي تبحث ملفات متعددة، من بينها عمل «لجنة التكنوقراط» داخل غزة.
تباين المواقف وتحذيرات من التعثر
رغم الأجواء التي وصفت بالإيجابية، لا تزال الخلافات قائمة، إذ تتمسك «حماس» باستكمال المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بوقف الانتهاكات وزيادة المساعدات، قبل الانتقال إلى ترتيبات السلاح.
ويرى المحلل السياسي نزار نزال أن فرص تحقيق اختراق فوري محدودة، مرجحاً تأجيل القضايا الخلافية، فيما أشار الأكاديمي طارق فهمي إلى أن القاهرة قد تلعب دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر.
كما انتقد المتحدث باسم «حماس» حازم قاسم ربط مسار الاتفاق بملف السلاح، معتبراً ذلك تشويهاً للإطار العام للخطة.
بين التفاؤل الحذر والتصعيد المحتمل
رغم ما تحمله الوثيقة من مقترحات جديدة قد تشكل أرضية لتفاهمات، فإن نجاحها يبقى مرهوناً بمواقف الأطراف، خصوصاً إسرائيل، التي يُنظر إليها كعامل حاسم في مسار الاتفاق.
وبين التفاؤل الحذر والتحذيرات من تصعيد محتمل، تبدو «خارطة الطريق» اختباراً جديداً لقدرة المسار السياسي على الصمود في وجه التعقيدات الميدانية والسياسية المحيطة بملف غزة.
تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة كما نشرتها «الشرق الأوسط»



