في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتزايد المؤشرات على هشاشة الهدنة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد وتيرة التوتر السياسي والعسكري، بما يعكس غياب أي أرضية مشتركة لإحياء المسار التفاوضي، فبين ضغوط أمريكية متواصلة، ومواقف إيرانية جامدة، وتحذيرات إسرائيلية متصاعدة من عمل عسكري، تبدو المنطقة أقرب إلى مناخ التصعيد منها إلى مسار التهدئة.
ويكشف تتابع التصريحات الرسمية والتحركات الميدانية، إلى جانب الإجراءات الاحترازية المتلاحقة، عن حالة ترقب حذر تهيمن على المشهد، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على انفراجة قريبة، واستمرار تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية.
وتعكس هذه المعطيات مجتمعة حالة من الانسداد السياسي في مقابل تصعيد ميداني وضغوط متبادلة، ما يضع المنطقة أمام معادلة دقيقة تتسم بهدنة بلا ضمانات، ومفاوضات متعثرة، واحتمالات مفتوحة لعودة المواجهة في أي لحظة خلال المرحلة المقبلة.
-- تشدد أمريكي
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران "ترغب بشدة في إبرام اتفاق"، معتبراً أنها تتفاوض من "موقف ضعف"، في ظل ما وصفه بانهيار اقتصادي نتيجة الحصار، مشدداً على أن طهران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي. وأضاف أن "الحصار يخنق إيران" وأنها "لا تجني أي أموال من النفط"، مؤكداً أن الاقتصاد الإيراني "ينهار" ، وفقا لقناة ((العربية)) الفضائية الإخبارية.
وأشار ترامب إلى أن الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو الماضي "نسفت القدرات النووية لإيران"، قائلاً إنه تم "تدمير 90 بالمئة من مصانع الصواريخ الإيرانية"، كما أكد أن القوات الأمريكية "دمرت القوات البحرية والجوية الإيرانية والرادارات وقضت على القيادة".
وشدد الرئيس الأمريكي على أن الصراع مع إيران "لا يمكن أن ينتهي" دون ضمان منعها من امتلاك السلاح النووي بشكل دائم، معرباً عن اعتقاده بأن طهران "كانت ستستخدم النووي إذا حصلت عليه"، مؤكداً ضرورة الحصول على ضمانات كاملة في هذا الشأن.
كما أكد ترامب أن الولايات المتحدة "انتصرت بالفعل في إيران"، لكنه أشار إلى أنه يسعى لتحقيق "نصر أكثر وضوحاً"، مضيفاً أن الحصار المفروض على طهران "فعال بنسبة 100 بالمئة"، وأنها أصبحت "ضعيفة للغاية عسكرياً واقتصادياً".
وأوضح أن إيران قد تحتاج إلى نحو 20 عاماً لإعادة بناء قدراتها في حال توقف العمليات، مشدداً على أن الضغوط الحالية ستستمر حتى تحقيق الأهداف الأمريكية بشكل كامل.
-- موقف إيراني
في المقابل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن وقف التصريحات والأفعال "الاستفزازية" من جانب الولايات المتحدة يمثل شرطاً أساسياً لبناء الثقة، مشدداً على أن استمرار ما وصفه بالنهج القمعي غير مقبول.
وأشار بزشكيان إلى أن ما يجري تحت ستار الحصار البحري يُعد امتداداً للعمليات العسكرية ضد إيران، مؤكداً أن بلاده تدفع ثمن "مقاومتها واستقلالها"، في ظل الضغوط المفروضة عليها.
كما شدد على أن إيران ملتزمة بأمن الملاحة في الممرات المائية، "لكل الدول سوى المعادية"، معتبراً أن الخليج ومضيق هرمز يمثلان رمزاً للسيادة الوطنية وليس ساحة لفرض إرادات خارجية.
من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه "لا توجد مفاوضات مع أمريكا"، موضحاً أن التواصل الجاري يقتصر على وساطة باكستانية، في ظل تعثر الجولة الثانية من المحادثات التي كانت مقررة في إسلام آباد.
كما أكد مسؤولون إيرانيون، من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن إدارة مضيق هرمز تمثل ركيزة لمستقبل إقليمي مختلف، مع التشديد على رفض الوجود الأمريكي واعتباره عاملاً لزعزعة الاستقرار.
وأشاروا إلى أن التطورات الأخيرة تمثل مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، مؤكدين التمسك بالقدرات الوطنية في المجالات العلمية والتقنية باعتبارها رصيداً استراتيجياً.
-- تحذيرات إسرائيلية
قال وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل قد تضطر قريباً إلى العودة للعمل العسكري ضد إيران، مشيراً إلى أن الضربات التي تلقتها طهران خلال العام الأخير "أعادتها سنوات إلى الوراء في جميع المجالات".
وأكد كاتس أن هذا التحرك المحتمل يأتي "من أجل ضمان تحقيق الأهداف"، في ظل استمرار القلق الإسرائيلي من القدرات العسكرية الإيرانية، رغم الضربات السابقة التي استهدفتها.
وتعكس هذه التصريحات تصعيداً واضحاً في الخطاب الإسرائيلي، مع إبقاء خيار العمل العسكري مطروحاً في أي وقت، بحسب ما تقتضيه التطورات على الأرض.
كما تتقاطع هذه التحذيرات مع ما أعلنه الجيش الإسرائيلي بشأن مقتل عناصر من حزب الله في جنوب لبنان، في سياق المواجهات المستمرة في المنطقة، ما يعكس امتداد التوتر إلى ساحات متعددة.
وفي السياق ذاته، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تهديد الطائرات المسيّرة في جنوب لبنان، مؤكداً أن مواجهته تتطلب دمجاً بين العمل العملياتي والتكنولوجي.
وأضاف أن إسرائيل تبذل "جهداً تكنولوجياً كبيراً" للتعامل مع هذا التهديد، معلناً إطلاق مشروع خاص للقضاء على تهديدات الطائرات المسيّرة، رغم إقراره بأن ذلك "سيستغرق وقتاً".
-- إجراءات احترازية
في سياق متصل، أعلنت وزارة الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة حظر سفر مواطنيها إلى إيران ولبنان والعراق، ودعت الموجودين في هذه الدول إلى المغادرة في أقرب وقت ممكن، حفاظاً على سلامتهم.
وأكدت الوزارة حرصها على متابعة أوضاع مواطنيها في الخارج، مشددة على أهمية الالتزام بالتعليمات والتنبيهات الصادرة عنها في ظل هذه الظروف.
كما دعت المواطنين إلى التواصل عبر الرقم المخصص للحالات الطارئة، في إطار الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الدولة لضمان سلامة مواطنيها.
وتأتي هذه الخطوة في ظل حالة من الترقب الحذر التي تسود المنطقة، رغم استمرار الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران عقب مواجهات استمرت نحو 40 يوماً.
كما تعكس هذه الإجراءات إدراكاً متزايداً بحساسية المرحلة، خاصة مع تعثر جولة المفاوضات الأخيرة، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التطورات المقبلة.
-- توتر ميداني
على الصعيد الميداني، أفادت تقارير إيرانية بتفعيل الدفاعات الجوية في طهران، وسماع دويها في بعض المناطق، دون تحديد أسباب واضحة، ما يعكس حالة التوتر القائمة.
كما شهدت الفترة الأخيرة احتجاز سفينة حاويات إيرانية من قبل القوات الأمريكية قبالة سواحل ميناء تشابهار، قبل أن يتم إطلاق سراح عدد من أفراد طاقمها، مع استمرار الجهود للإفراج عن الباقين.
وفي سياق متصل، ناقش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأمريكي ترامب الوضع في إيران والخليج، محذراً من "عواقب وخيمة" لأي تصعيد عسكري جديد.
وأكدت موسكو دعمها للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية، مع استمرار الاتصالات مع مختلف الأطراف المعنية، في محاولة لاحتواء الأزمة.
وأشار الجانب الروسي إلى أن أي لجوء جديد إلى القوة لن تكون تداعياته محصورة في إيران وجيرانها فقط، بل ستمتد إلى المجتمع الدولي بأسره، في ظل تشابك المصالح في المنطقة.
