ترامب يلوّح باتفاق قريب مع إيران وينذر بضربات أقسى.. وطهران تراجع المقترح الأميركي عبر الوساطة الباكستانية

الرئيس الأميركي دونالد ترامب. (رويترز).jpeg

تسارعت المؤشرات الدبلوماسية بشأن احتمال التوصل إلى تفاهم أميركي–إيراني ينهي الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إبرام اتفاق مع طهران بات “ممكنًا جدًا”، في وقت أكدت فيه إيران أنها لا تزال تراجع المقترح الأميركي، وسط اتهامات من رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف لواشنطن بالسعي إلى دفع بلاده نحو “الاستسلام”.

وقال ترامب، في تصريحات صحفية، إن الولايات المتحدة أجرت “محادثات جيدة جدًا” مع إيران خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مضيفًا أن هناك احتمالًا كبيرًا للتوصل إلى اتفاق. كما قال في مقابلة هاتفية مع برنامج “نيوز آور” على شبكة PBS إن الاتفاق بات “قريبًا للغاية”، لكنه حذر من أن فشل المسار الدبلوماسي قد يعيد واشنطن إلى خيار القصف “بشدة”.

مذكرة من صفحة واحدة

وبحسب موقع “أكسيوس”، تقترب واشنطن وطهران من التفاهم على مذكرة من صفحة واحدة تضم 14 بندًا، تهدف إلى إنهاء الحرب رسميًا وفتح مسار تفاوضي أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات. وذكرت رويترز، نقلًا عن تقرير أكسيوس، أن الصيغة المطروحة تتضمن تجميدًا لتخصيب اليورانيوم، ورفعًا للعقوبات الأميركية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وتخفيف القيود المتبادلة على الملاحة عبر مضيق هرمز.

ووفق التقرير، قد تفتح المذكرة فترة تفاوض تفصيلية تمتد 30 يومًا، يجري خلالها بحث القيود النووية وترتيبات الملاحة ورفع الإجراءات العسكرية والاقتصادية تدريجيًا. غير أن واشنطن أبقت لنفسها حق العودة إلى العمل العسكري إذا فشل الاتفاق أو لم تلتزم طهران ببنوده، وفق ما نقلته تقارير أميركية.

نقاط خلاف حول التخصيب واليورانيوم

وتحدثت تقارير أميركية عن أن الاتفاق المحتمل قد يشمل إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، ووقفًا طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى التزام طهران بعدم تشغيل منشآت نووية تحت الأرض. لكن ترامب نفى، في تصريحاته لـPBS، أن يكون نقل اليورانيوم إلى الولايات المتحدة جزءًا من الاتفاق، كما نفى أن يكون السماح لإيران لاحقًا بالتخصيب بنسبة 3.67% ضمن الصيغة الحالية، وفق ما ورد في المقابلة.

وتبقى مدة وقف التخصيب إحدى أبرز العقد. وبحسب “أكسيوس”، طالبت واشنطن في البداية بوقف يمتد 20 عامًا، بينما اقترحت إيران خمس سنوات، في حين يدور النقاش حول تسوية محتملة تقارب 15 عامًا.

طهران: المقترح قيد المراجعة

في المقابل، لم تعلن إيران قبولها بالمقترح الأميركي. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن “الخطة والمقترح الأميركي لا يزالان قيد المراجعة”، وإن طهران ستنقل وجهة نظرها عبر الجانب الباكستاني، الذي يضطلع بدور الوسيط. وكانت وكالة شينخوا نقلت قبل يومين عن بقائي قوله إن إيران تلقت ردًا أميركيًا عبر باكستان، لكنها ترى أن تقييمه ليس سهلًا بسبب ما وصفه بتبدل المواقف الأميركية والمطالب المفرطة.

أما رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، فاتهم واشنطن بمحاولة فرض الاستسلام على طهران عبر “الحصار البحري والضغط الاقتصادي والتلاعب الإعلامي”، معتبرًا أن الهدف هو ضرب التماسك الداخلي الإيراني. ونقلت وسائل إعلام عدة هذه الرسالة الصوتية المنشورة على قناته الرسمية في تلغرام.

هرمز في قلب الصفقة

يحتل مضيق هرمز موقعًا مركزيًا في المفاوضات، بعد أسابيع من التوتر الذي عطّل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وكان ترامب أعلن تعليق عملية “مشروع الحرية”، التي أطلقتها واشنطن لمرافقة السفن عبر المضيق، قائلًا إن القرار جاء بسبب إحراز تقدم في المحادثات مع إيران، لكنه أبقى في الوقت نفسه على الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل/نيسان.

كما ذكرت تقارير أن البحرية الأميركية أطلقت النار على ناقلة نفط إيرانية وعطلتها بعدما حاولت كسر الحصار، في مؤشر إلى أن التوتر العسكري ما زال قائمًا رغم التفاؤل الدبلوماسي.

وفي المقابل، أعلنت منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية جاهزية الموانئ الإيرانية لتقديم الخدمات البحرية والفنية والصحية للسفن التجارية في مضيق هرمز والمياه الإقليمية، في رسالة موجهة إلى قادة السفن، ووصفت الخطوة بأنها جزء من مسؤوليات إيران السيادية في السلامة البحرية.

باكستان والصين في مسار الوساطة

تلعب باكستان دور الوسيط الأساسي في تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران. وأبدى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أمله في أن يسهم الزخم الناتج عن تعليق العملية الأميركية في المضيق في التمهيد لاتفاق طويل الأمد. وأكدت تقارير أن مصدرًا باكستانيًا ومصدرًا آخر مطلعًا على المحادثات أكدا وجود مذكرة تفاهم مقترحة من 14 بندًا لإنهاء الحرب وفتح مسارات التفاوض اللاحقة.

وفي بكين، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى وقف كامل لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز “في أسرع وقت ممكن”، خلال لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي. وتكتسب بكين أهمية خاصة في هذا الملف كونها من كبار مستوردي النفط الإيراني، ولأن استمرار إغلاق هرمز ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.

الأسواق تستجيب للتفاؤل

انعكست مؤشرات التهدئة المحتملة على الأسواق العالمية، إذ أغلقت وول ستريت على ارتفاع، كما تراجعت أسعار النفط بعد أن كانت قد سجلت قفزات كبيرة بفعل اضطراب الملاحة في الخليج. وذكرت تقارير أن خام برنت تراجع مع تنامي الآمال بإمكان التوصل إلى تفاهم يخفف مخاطر الحرب ويفتح الطريق أمام عودة الملاحة في هرمز.

إسرائيل تراقب وتستعد

في إسرائيل، أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن تل أبيب “مستعدة لكل الاحتمالات” في الملف الإيراني، بينما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن الجيش في حالة تأهب للعودة إلى عملية واسعة إذا اقتضت التطورات ذلك. وتقول تقارير إسرائيلية إن أي اتفاق محتمل يجب أن يضمن إخراج المواد المخصبة من إيران وتفكيك قدرات نووية تعدها إسرائيل تهديدًا مباشرًا.

لبنان على خط التصعيد

وبالتزامن مع الحراك الأميركي–الإيراني، اتسعت رقعة التوتر في لبنان. فقد استهدفت غارة إسرائيلية الضاحية الجنوبية لبيروت للمرة الأولى منذ دخول وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان، وفق ما أفادت تقارير ميدانية. وقال مصدر مقرب من حزب الله إن الغارة أسفرت عن استشهاد مالك بلوط، قائد عمليات في قوة الرضوان، فيما قال نتنياهو إن الغارة استهدفت قائدًا في هذه القوة.

كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد أربعة أشخاص في غارة إسرائيلية على بلدة زلايا في البقاع الغربي، بينهم رئيس البلدية وثلاثة من أفراد عائلته، وفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية. وتبادلت إسرائيل وحزب الله الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، في وقت قال الجيش الإسرائيلي إنه يشن غارات على أهداف للحزب في مناطق عدة من لبنان.

بين اتفاق وعودة إلى التصعيد

تضع التطورات الأخيرة المنطقة أمام مفترق حساس: فواشنطن تتحدث عن فرصة قريبة لإنهاء الحرب، وطهران تراجع المقترح دون إعلان قبول، والوسطاء يحاولون تثبيت صيغة أولية تفتح باب مفاوضات أوسع. لكن استمرار الحصار البحري، والاشتباك حول التخصيب النووي، وتعقيدات مضيق هرمز، والتصعيد الإسرائيلي في لبنان، كلها عوامل تجعل الاتفاق المحتمل هشًا قبل أن يولد.

وبينما يحاول ترامب تقديم المذكرة المقترحة بوصفها مخرجًا سريعًا من الحرب، تؤكد إيران أنها لن تقبل اتفاقًا يبدو كاستسلام سياسي أو أمني. لذلك تبقى الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى تهدئة مشروطة، أم إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري الأوسع.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - واشنطن/طهران