أزمة الرواتب في السلطة الفلسطينية تتسع: موظفون يلوّحون بالتصعيد والحكومة تبحث عن دفعة جديدة

مجلس الوزراء الفلسطيني.jpeg

 تتصاعد حالة الاحتقان داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية مع استمرار أزمة الرواتب المنقوصة وتأخر تسوية المستحقات المالية المتراكمة منذ سنوات، في واحدة من أكثر الأزمات المالية تعقيداً التي تواجهها الحكومة الفلسطينية منذ تأسيس السلطة.

وتتزايد الدعوات في أوساط موظفي القطاع العام لتنفيذ خطوات احتجاجية أمام مقار رسمية في رام الله، وفي مقدمتها مجلس الوزراء ووزارة المالية، احتجاجاً على استمرار صرف رواتب جزئية، وغياب جدول زمني واضح لتسديد المستحقات المتراكمة. ويقول ممثلو حراكات وظيفية إن الأزمة لم تعد تقتصر على تأخر الدفعات، بل باتت تمسّ قدرة آلاف الأسر على الوفاء بالتزاماتها الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والمواصلات.

وبحسب معطيات نقلها ممثلو الموظفين، فإن المطالب تشمل صرف الرواتب كاملة وبصورة منتظمة، وتسوية المتأخرات وفق تعهد حكومي واضح، إلى جانب إعادة النظر في بدلات المواصلات وعلاوة غلاء المعيشة. وتشير تقديرات ممثلي الموظفين إلى أن المستحقات المتراكمة على الحكومة قد تصل في بعض الحالات إلى ما يعادل 16 راتباً للموظف الواحد، بينما يقدّر عدد العاملين المتأثرين بالأزمة بنحو 160 ألف موظف حكومي، بينهم نحو 90 ألف موظف مدني عند استثناء الأجهزة الأمنية.

غياب الجسم النقابي يزيد الأزمة تعقيداً

وتتفاقم الأزمة في ظل غياب جسم نقابي موحد يمثل موظفي القطاع العام منذ حل نقابة الموظفين العموميين عام 2014، وهو ما تقول الحراكات الوظيفية إنه أضعف قدرة الموظفين على التفاوض الجماعي، وفتح الباب أمام ما يصفونه بـ“التعامل القطاعي” مع المطالب.

ويتهم ممثلو الموظفين الحكومة باتباع سياسة تمييز بين القطاعات، عبر صرف دفعات أو تسويات استثنائية لبعض المؤسسات، مقابل استمرار تقليص رواتب قطاعات أخرى، وفي مقدمتها قطاعات التعليم والخدمات المدنية والإدارات العامة. وترى هذه الحراكات أن استمرار الصرف بنسبة تراوح بين 50 و60 بالمئة فقط لم يعد قابلاً للاستمرار، خصوصاً مع تراكم الالتزامات البنكية والمعيشية على الموظفين.

وكانت وزارة المالية الفلسطينية قد أعلنت في يناير/كانون الثاني 2026 صرف 60% من رواتب موظفي القطاعين المدني والعسكري عن شهر أكتوبر/تشرين الأول السابق، في مؤشر على استمرار نمط الصرف الجزئي. وذكرت رويترز أن السلطة الفلسطينية تعتمد أساساً على عوائد الضرائب والدعم الخارجي لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، وأنها تعجز منذ نحو خمس سنوات عن دفع الرواتب كاملة بصورة منتظمة.

المعلمون في واجهة التصعيد

في قطاع التعليم، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، مع إعلان مجموعات من المعلمين نيتها تنظيم اعتصامات مركزية، خاصة في جنوب الضفة الغربية، للمطالبة بصرف راتب كامل، وإعادة المفصولين على خلفية احتجاجات سابقة، وتشكيل نقابة موحدة تمثل العاملين في القطاع التعليمي.

ويقول معلمون إن استمرار الراتب المنقوص ينعكس مباشرة على انتظام العملية التعليمية، إذ باتت تكاليف الوصول إلى المدارس، ولا سيما في المناطق البعيدة، عبئاً متزايداً على المعلمين. كما يشيرون إلى أن الانقسام بين الأطر الرسمية والحراكات المستقلة يضعف القدرة على الوصول إلى اتفاق شامل ومستقر مع الحكومة.

الحكومة: نبحث عن موارد ونواجه ظروفاً استثنائية

في المقابل، تؤكد الحكومة الفلسطينية أن الأزمة المالية ناجمة عن ظروف سياسية ومالية استثنائية، في مقدمتها الإجراءات الإسرائيلية واحتجاز أموال المقاصة، إلى جانب تراجع القدرة على توفير موارد كافية للوفاء بالالتزامات تجاه الموظفين والقطاعات الحيوية.

وخلال جلسته الأسبوعية، استمع مجلس الوزراء إلى عرض من وزير المالية حول الجهود الجارية لتأمين موارد مالية تكفي لصرف دفعة من رواتب الموظفين العموميين قريباً. كما أكد المجلس التزامه بالاتفاقيات الموقعة مع مختلف القطاعات، بما يشمل مستحقات الموظفين، داعياً في الوقت ذاته إلى استمرار تقديم الخدمات الأساسية وعدم تعطيلها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وتشير الحكومة إلى أن استمرار احتجاز الأموال الفلسطينية لدى إسرائيل يفاقم عجزها عن انتظام الصرف. وكانت رويترز قد نقلت أن السلطة الفلسطينية تقدّر الأموال المحتجزة لدى إسرائيل منذ عام 2019 بأكثر من 13 مليار شيقل، في وقت تؤكد وزارة المالية أن بقية المستحقات تبقى ذمة لصالح الموظفين وسيتم صرفها عندما تسمح الإمكانات المالية.

اعتداءات المستوطنين تضيف ضغطاً سياسياً وأمنياً

وتأتي أزمة الرواتب بالتزامن مع تصاعد الضغوط السياسية والأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد حذر مجلس الوزراء من تصاعد اعتداءات المستوطنين خلال أسبوع واحد، مشيراً إلى 154 اعتداءً استهدفت 26 قرية فلسطينية، وأدت إلى استشهاد مواطن وإصابة 9 آخرين، إضافة إلى عمليات هدم طالت عشرات المنشآت الفلسطينية، بينها منشآت في محافظة القدس في سياق التحضير لمخطط E1 الاستيطاني.

ورحبت الحكومة بقرار وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المضي في فرض عقوبات على مستوطنين وهيئات استيطانية ضالعة في العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وأفادت رويترز بأن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اتفقوا في 11 مايو/أيار 2026 على عقوبات تستهدف مستوطنين عنيفين في الضفة الغربية، إضافة إلى شخصيات من حركة حماس، وأن الحزمة تشمل ثلاثة أفراد وأربع منظمات استيطانية لم تُعلن أسماؤها بعد.

أزمة مالية مفتوحة على احتمالات التصعيد

وبينما تطالب الحكومة الموظفين بمراعاة الظرف العام وضمان استمرار الخدمات الأساسية، يرى الموظفون أن طول أمد الأزمة، وغياب مواعيد واضحة لصرف الرواتب الكاملة أو جدولة المتأخرات، يدفعان باتجاه مزيد من الاحتجاجات.

وتبدو الأزمة مرشحة للبقاء في دائرة التوتر ما لم تنجح الحكومة في تأمين دفعات منتظمة أو طرح خطة واضحة لمعالجة المستحقات. فالموظفون يطالبون بضمانات لا تقتصر على صرف دفعة قريبة، بل تشمل معالجة جذرية لأزمة الصرف المنقوص، في حين تربط الحكومة قدرتها على الحل بالإفراج عن أموال المقاصة وتوفير دعم خارجي يخفف الضغط عن الخزينة العامة.

وفي ختام جلسته، صادق مجلس الوزراء على قرارات أخرى شملت اعتماد إجراءات رقابية تتعلق بالتعليمات الفنية الخاصة بتدعيم منتجات الأغذية وخفض نسبة ملح الطعام، إضافة إلى اتفاقيتي تعاون؛ الأولى مع برنامج الأغذية العالمي لدعم الاستجابة الطارئة في فلسطين، والثانية مع المغرب بشأن الاعتراف المتبادل برخص قيادة المركبات واستبدالها.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله