مع اقتراب انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، تتسارع التحركات التنظيمية داخل الحركة في رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت، وسط سباق انتخابي واسع على عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وتشكّل قوائم وتحالفات داخلية تهدف إلى حسم مواقع النفوذ في أعلى مؤسسات الحركة.
ومن المقرر أن ينطلق المؤتمر يوم الخميس 14 مايو/أيار 2026، ويستمر ثلاثة أيام في أربع ساحات متزامنة هي رام الله، غزة، القاهرة وبيروت، على أن يشهد يومه الثالث انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري. وقال المدير التنفيذي للمؤتمر منير سلامة إن الجاهزية اللوجستية والتنظيمية بلغت نحو 99%، مشيراً إلى مشاركة نحو 2580 عضواً، بينهم نحو 1600 في رام الله، و400 في غزة، و400 في القاهرة، و200 في بيروت.
ويعد المؤتمر الثامن محطة تنظيمية مفصلية داخل «فتح»، ليس فقط لأنه يأتي بعد تأخر لعدة سنوات، بل لأنه ينعقد في ظل ظروف سياسية فلسطينية شديدة التعقيد، وصراع مفتوح على تمثيل الأقاليم والقطاعات التنظيمية والأسرى والمرأة والشباب، إضافة إلى تجاذبات مرتبطة بمستقبل الحركة وموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني.
قوائم وتحالفات قبل الاقتراع
ومع اكتمال وصول أعضاء المؤتمر إلى أماكن انعقاده، بدأت تتشكل قوائم انتخابية غير مكتملة لعضوية المجلس الثوري، تضم مرشحين من الضفة الغربية وقطاع غزة والساحات الخارجية، في محاولة لتجميع الأصوات وتفادي تشتتها. ولا تضم بعض هذه القوائم العدد الكامل المطلوب انتخابه، بل تُبقي هامشاً للتحالف مع قوائم أو مجموعات أخرى وصولاً إلى سقف الـ80 اسماً الذين يفترض أن يختارهم كل عضو في ورقة الاقتراع.
وتكتسب انتخابات المجلس الثوري أهمية خاصة، إذ سيختار المؤتمرون 80 عضواً للمجلس، إلى جانب انتخاب 18 عضواً للجنة المركزية، وفق ما نقلته تقارير فلسطينية عن ترتيبات المؤتمر.
وتجري عملية بناء القوائم وفق اعتبارات تنظيمية وجغرافية وشخصية، تبدأ من الأقاليم ومناطق السكن والعمل التنظيمي، وتمتد إلى علاقات المرشحين داخل الأطر النقابية والحركية والساحات الخارجية. ويقول متابعون داخل الحركة إن حجم المشاركة غير المسبوق يجعل التحالفات عاملاً حاسماً في نتائج الانتخابات، خصوصاً مع اتساع دائرة المرشحين.
غزة تسعى لتجنب تكرار تجربة المؤتمر السابع
في قطاع غزة، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فقد بدأت أقاليم الحركة الثمانية في القطاع مشاورات داخلية للتوافق على مرشحين محددين للمجلس الثوري، في محاولة لتجنب تكرار ما حدث في المؤتمر السابع، حين أدى تعدد المرشحين من غزة إلى تشتت الأصوات، ما حرم القطاع من تمثيل أوسع داخل المجلس.
وبحسب ما أوردته «القدس العربي»، فإن أقاليم غزة تسعى إلى التوافق على نحو خمسة مرشحين من كل إقليم، بما قد ينتج قائمة تضم قرابة 40 اسماً، في حين يتوقع أن يترشح آخرون خارج هذه التوافقات، سواء بشكل فردي أو عبر قوائم موازية.
وتبرز في غزة أسماء قيادية تسعى إلى تعزيز حضورها في الهيئات القيادية، من بينها أحمد حلس، مفوض التعبئة والتنظيم في القطاع وعضو اللجنة المركزية، إلى جانب شخصيات أخرى يجري تداولها كمرشحين للجنة المركزية أو المجلس الثوري.
سباق محتدم على اللجنة المركزية
بالتوازي مع سباق المجلس الثوري، تشتد المنافسة على عضوية اللجنة المركزية، وهي أعلى هيئة قيادية في «فتح» بين مؤتمرين. وتشير التقديرات داخل الحركة إلى أن جزءاً من أعضاء اللجنة الحالية سيخوض الانتخابات مجدداً، في حين تسعى شخصيات جديدة، بينها قيادات شابة ومسؤولون حاليون وسابقون في السلطة والمنظمة، إلى دخول الهيئة القيادية الأهم.
وتحافظ أسماء وازنة مثل محمود العالول، وحسين الشيخ، ومروان البرغوثي، وجبريل الرجوب على حضور قوي في حسابات القاعدة التنظيمية، بينما يجري تداول أسماء أخرى للمنافسة، من بينها أحمد أبو هولي، وياسر عباس، وفايز أبو عيطة، وإبراهيم خريشة، وأحمد عساف، وفهمي الزعارير، وليلى غنام، وآمال حمد، وآخرون ممن شغلوا مواقع تنظيمية أو رسمية.
وتفيد تقارير فلسطينية بأن عدداً من المرشحين كثفوا تحركاتهم في القاهرة ورام الله خلال الأيام الأخيرة، في محاولة للحصول على دعم أعضاء المؤتمر، خاصة أن كتلة القاهرة تضم مئات الأعضاء وقد تكون مؤثرة في حسم بعض المقاعد.
الأسرى المحررون يدخلون بقائمة توافقية
ويحضر ملف الأسرى بقوة في المؤتمر، بعدما بدأ الأسرى المحررون تحركات منظمة لتنسيق ترشيحاتهم للهيئات القيادية. ووفق ما أوردته «القدس العربي»، فقد جرى التوافق على أسماء من الأسرى للمنافسة على عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، مع اعتبار كتلة الأسرى إحدى الكتل التنظيمية المؤثرة داخل المؤتمر.
وتقول قيادات من ملف الأسرى إن الهدف من تنظيم الترشيحات هو منع تشتت الأصوات، وضمان تمثيل حقيقي للأسرى المحررين داخل مؤسسات الحركة، خاصة أن عدداً كبيراً منهم يشارك في المؤتمر بعد اعتماد عضوية من أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال.
القاهرة وساحة التصويت المشروطة
وتحظى ساحة القاهرة بأهمية خاصة في المؤتمر، سواء بسبب عدد المشاركين فيها أو بسبب حساسيتها السياسية. وقد أعلنت تقارير أن «فتح» حصلت على موافقة رسمية لعقد جزء من المؤتمر في مقر السفارة الفلسطينية بالقاهرة، بما يتيح مشاركة مئات الأعضاء الموجودين في مصر، وبينهم كوادر من غزة وأسرى محررون مبعدون وأعضاء من ساحات خارجية.
وفي المقابل، نقلت «العربي الجديد» عن مصادر فلسطينية أن الموافقة المصرية جاءت مشروطة ومحدودة بإجراء العملية داخل السفارة الفلسطينية، من دون السماح بفعاليات تنظيمية أو جماهيرية أوسع على الأراضي المصرية. كما ربطت المصادر ذلك بحساسية القاهرة تجاه الخلافات الداخلية في «فتح»، ولا سيما ملف التيار الإصلاحي الديمقراطي المحسوب على القيادي المفصول محمد دحلان.
وبحسب المصدر نفسه، فإن لقاءات جرت في رام الله بين مسؤولين مصريين والقيادة الفلسطينية نقلت مطالب تتعلق بإعادة كوادر محسوبة على التيار الإصلاحي وتسوية أوضاعهم التنظيمية والمالية، إلا أن الرئيس محمود عباس تمسك بأن أي عودة يجب أن تكون فردية لا جماعية.
دحلان والتيار الإصلاحي في خلفية المشهد
رغم أن التيار الإصلاحي الديمقراطي لا يشارك رسمياً في ترتيبات المؤتمر، فإن حضوره السياسي يبقى قائماً في خلفية المشهد، خصوصاً مع الحديث عن وساطات وضغوط عربية لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي وتخفيف الانقسامات الداخلية.
وترى مصادر فلسطينية أن قيادة «فتح» تسعى إلى تأجيل حسم هذا الملف إلى ما بعد المؤتمر، لتفادي تحويل الاستحقاق التنظيمي إلى مواجهة مباشرة حول عودة التيار أو إعادة دمج كوادره بشكل جماعي. ويعكس ذلك إدراكاً داخل الحركة بأن المؤتمر لا يقتصر على انتخاب هيئات جديدة، بل يشكل اختباراً لموازين القوى داخل «فتح» ولقدرة قيادتها على إدارة خلافاتها في لحظة فلسطينية حساسة.
مؤتمر انتخابي أم إعادة ترتيب للنفوذ؟
سياسياً، ينظر مراقبون إلى المؤتمر الثامن باعتباره أكثر من محطة تنظيمية داخلية. فهو يأتي في مرحلة يزداد فيها الحديث عن مستقبل السلطة الفلسطينية، وترتيبات ما بعد الحرب في غزة، والعلاقة بين مؤسسات منظمة التحرير والسلطة وحركة «فتح».
وتسعى قيادة الحركة إلى تقديم المؤتمر بوصفه محطة لتجديد الشرعية الداخلية وتداول المواقع القيادية، بينما يرى منتقدون أن حجم التنافس، واتساع القوائم، وحضور الحسابات الإقليمية، كلها مؤشرات إلى أن المؤتمر سيكون أيضاً ساحة لإعادة توزيع النفوذ داخل الحركة.
وبين رهانات التجديد ومخاوف الانقسام، يدخل مؤتمر «فتح» الثامن أيامه الحاسمة وسط سؤال مركزي: هل تنجح الحركة في الخروج بقيادة أكثر تماسكاً وتمثيلاً، أم أن الانتخابات ستكشف عمق التباينات بين مراكز القوة في الداخل والخارج؟
