أعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء الجمعة 15 أيار/مايو 2026، أن الغارات التي استهدفت شقة سكنية في عمارة المعتز بمنطقة أبو الكاس في حي الرمال غربي مدينة غزة، جاءت في إطار محاولة اغتيال قائد الجناح العسكري لحركة «حماس» عز الدين الحداد، في تطور ميداني خطير يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار جديد، ويفتح الباب أمام موجة تصعيد واسعة داخل القطاع.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، إنهما أوعزا للجيش الإسرائيلي بتنفيذ غارة في غزة استهدفت الحداد، الذي وصفاه بأنه «قائد الجناح العسكري لحماس» و«أحد مهندسي هجوم السابع من أكتوبر». وأضاف البيان أن الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك» يطبقان سياسة الحكومة القائمة، بحسب التعبير الإسرائيلي، على «عدم احتواء التهديدات وإحباط الأعداء مسبقاً».
وفي لهجة تهديدية مباشرة، قال البيان: «سنواصل العمل بقوة وحزم ضد كل من شارك في هجوم 7 أكتوبر»، مضيفاً: «هذه رسالة واضحة لكل من يسعون لقتلنا: عاجلاً أم آجلاً ستصل إليكم إسرائيل».
وبحسب تقارير إسرائيلية، نقلت عن مسؤول أمني، فإن هناك «مؤشرات أولية» إلى نجاح عملية الاغتيال، غير أن وسائل إعلام عبرية، بينها القناة 12، قالت إنه لا يوجد حتى اللحظة تأكيد إسرائيلي رسمي ونهائي على مقتل الحداد. وبذلك تبقى نتيجة العملية معلقة بين رواية أمنية إسرائيلية تتحدث عن ترجيح كبير، وحذر إعلامي إسرائيلي ينتظر تأكيداً استخبارياً أو إعلاناً عسكرياً واضحاً.
ميدانياً، أفادت مصادر طبية ومحلية في غزة بسقوط شهيد وأكثر من 20 إصابة حتى اللحظة نتيجة القصف الإسرائيلي على الشقة السكنية في حي الرمال، فيما واصلت طواقم الإسعاف والإنقاذ البحث في المكان وسط خشية من ارتفاع الحصيلة. كما أفادت المصادر بوقوع 3 شهداء ومصابين في غارة جوية إسرائيلية أخرى استهدفت مركبة قرب ملعب اليرموك بشارع الوحدة غربي مدينة غزة.
ووفق المعطيات الأولية، فإن الغارة على عمارة المعتز استهدفت شقة داخل مبنى سكني مأهول في منطقة أبو الكاس، وهي منطقة مدنية مكتظة في حي الرمال، ما تسبب بحالة من الهلع بين السكان، خصوصاً مع تزامن القصف مع تحليق مكثف للطائرات الإسرائيلية وسماع انفجارات في مناطق غربي مدينة غزة.
وتحدثت وسائل إعلام عبرية عن أن العملية نُفذت بتنسيق جوي مكثف، وشملت استهداف «شقة اختباء» ومركبة يُعتقد أنها كانت معدة للفرار في الوقت نفسه، في محاولة لضمان عدم نجاة الهدف. وذهبت تقارير عبرية إلى القول إن المعلومات الاستخبارية كانت «دقيقة»، وإن التقديرات الأمنية ترجح تصفية الحداد بنسبة عالية، من دون أن يرافق ذلك إعلان رسمي حاسم.
ويُعد عز الدين الحداد، المعروف في بعض التقارير بلقب «شبح حماس»، أحد أبرز القادة العسكريين في كتائب القسام داخل قطاع غزة. وسبق أن وضعته إسرائيل على قائمة أهدافها بعد اغتيال عدد من قادة الحركة، إذ هدده وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أيار/مايو 2025 بالقول إن «عز الدين الحداد في غزة وخليل الحية في الخارج... أنتم القادمون في الدور»، وفق ما نقلته تقارير عربية ودولية حينها.
وتصف تقارير إسرائيلية وغربية الحداد بأنه من القيادات العسكرية القليلة التي بقيت داخل غزة بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصفين السياسي والعسكري في «حماس»، كما أشارت وكالة «أسوشييتد برس» في تقرير سابق إلى أن الجناح العسكري للحركة داخل غزة يقوده الحداد، وأنه من الشخصيات التي لها وزن في ملف الأسرى الإسرائيليين وقرارات الميدان.
وتأتي محاولة اغتيال الحداد في سياق تصعيد إسرائيلي متواصل داخل قطاع غزة، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، إذ كانت تقارير دولية قد أشارت خلال الأيام الماضية إلى أن إسرائيل كثفت هجماتها على غزة بذريعة أن «حماس» تعيد بناء قدراتها العسكرية، بينما يحذر الفلسطينيون من أن الغارات والاغتيالات تشكل خرقاً مباشراً للهدنة ومسار التهدئة.
وتكمن خطورة العملية في أنها لا تستهدف شخصية عسكرية فحسب، بل تضرب في قلب معادلة وقف النار الهشة. فإسرائيل تقول إن الحداد رفض تطبيق الاتفاق المرتبط بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنزع سلاح «حماس» وتجريد غزة من السلاح، بينما ترى الفصائل الفلسطينية أن تل أبيب تستخدم ملف السلاح ذريعة لاستئناف الاغتيالات وإعادة فرض السيطرة العسكرية على القطاع.
كما أن اختيار حي الرمال، وسط مدينة غزة، مسرحاً للعملية، يعيد إلى الواجهة نمط الاغتيالات داخل الأحياء السكنية المكتظة، حيث تتحول الشقق والمركبات والمباني المدنية إلى أهداف عسكرية، وتدفع العائلات والسكان المحيطون الثمن الأكبر من الشهداء والجرحى والدمار.
وفي حال تأكد مقتل الحداد، فإن العملية ستشكل واحدة من أبرز الضربات الإسرائيلية ضد البنية العسكرية لـ«حماس» منذ وقف إطلاق النار، وقد تفتح الباب أمام ردود ميدانية أو سياسية من الحركة، خصوصاً إذا رأت أن إسرائيل تجاوزت قواعد الهدنة وانتقلت من خرقها تدريجياً إلى نسفها عبر سياسة الاغتيالات المباشرة.
أما إذا لم تتأكد العملية، فإنها ستظل رسالة إسرائيلية عالية السقف بأن الاغتيالات عادت إلى صدارة أدوات نتنياهو وكاتس في غزة، وأن «وقف النار» لم يعد يعني وقف الاستهداف، بل إعادة صياغة الحرب بشكل متقطع: غارات دقيقة، محاولات اغتيال، توسيع سيطرة ميدانية، وتضييق متواصل على السكان.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن استهداف «رأس عسكري كبير»، والرواية الميدانية التي تسجل شهداء ومصابين في شقة سكنية ومركبة وسط مدينة غزة، تبدو غزة مرة أخرى أمام مشهد شديد الخطورة: هدنة على الورق، نار في الميدان، واغتيالات قد تعيد الحرب إلى نقطة الانفجار.
