تقرير أمريكي يكشف قاعدتين إسرائيليتين سريتين في صحراء العراق.. ومقتل راعٍ يفجر أزمة سيادة في بغداد

راعٍ عراقي يقود قطيعاً من الأغنام مع غروب الشمس في بلدة مشخاب العراقية جنوب النجف (أ.ف.ب).webp

كشفت تقارير صحفية أمريكية عن تفاصيل جديدة بشأن وجود مواقع عسكرية سرية استخدمتها إسرائيل داخل الصحراء الغربية العراقية، خلال عملياتها العسكرية ضد إيران، في تطور أثار جدلًا واسعًا داخل العراق، وفتح الباب أمام تساؤلات حول السيادة العراقية وحدود الدور الأمريكي في هذه العمليات.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز”،  الأحد 17 أيار/ مايو 2026، فإن إسرائيل أقامت قاعدتين سريتين في الأراضي العراقية، إحداهما جرى التحضير لها منذ أواخر عام 2024، واستخدمت خلال المواجهة الإسرائيلية الإيرانية في حزيران/ يونيو 2025، فيما ظل وضع القاعدة الثانية غير واضح. ووفق التقرير، خُصصت هذه المواقع لتقصير مسافات الطيران نحو إيران، وتقديم دعم لوجستي لسلاح الجو الإسرائيلي، إضافة إلى استخدامها من قبل قوات خاصة وفرق إنقاذ تحسبًا لسقوط طيارين إسرائيليين.

وتتمحور القضية حول منطقة النخيب في الصحراء الغربية العراقية، قرب محافظتي النجف وكربلاء، حيث تحدثت تقارير عن موقع عسكري يضم خيامًا ومروحيات ومدرجًا ترابيًا للطائرات. وذكرت وكالة أسوشيتد برس، نقلًا عن مسؤولين عراقيين وأمريكيين، أن قوة إسرائيلية أقامت موقعًا مؤقتًا في الصحراء العراقية مع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فيما وصف مسؤول أمريكي الموقع بأنه “منطقة تمركز مؤقتة” لا قاعدة عسكرية دائمة.

وبحسب رواية نقلتها “نيويورك تايمز”، فإن راعيًا عراقيًا يدعى عوض الشمري، 29 عامًا، عثر مصادفة على الموقع في 3 آذار/ مارس الماضي أثناء توجهه لشراء احتياجات عائلته من بلدة قريبة، وشاهد جنودًا ومروحيات وخيامًا ومدرجًا للطائرات، قبل أن يبلغ القيادة العسكرية العراقية بما رآه. وتقول شهادات نقلها التقرير إن مروحية لاحقت شاحنته وأطلقت عليها النار مرارًا، قبل أن تعثر عائلته لاحقًا على المركبة محترقة وجثمانه متفحمًا بجوارها.

وأثار مقتل الشمري غضبًا في محيطه المحلي، خصوصًا بعد حديث شهود من المنطقة عن شاحنة مثقوبة بالرصاص وآثار احتراق كثيف. ووفق ما نقلته التقارير، فإن عائلة الشمري تعتقد أنه قُتل بسبب اكتشافه الموقع العسكري وإبلاغه السلطات العراقية عنه.

ولم تتوقف التداعيات عند مقتل الراعي، إذ أفادت مصادر عراقية بأن وحدة استطلاع عسكرية أُرسلت لاحقًا إلى المنطقة للتحقق من البلاغ، لكنها تعرضت لهجوم جوي أدى إلى مقتل أحد عناصرها وإصابة اثنين آخرين، قبل انسحاب القوة. وأكدت وزارة الدفاع العراقية لوكالة أسوشيتد برس أن قوة عراقية تحركت بعد ورود معلومات عن “قوة عدوة صغيرة” في صحراء النجف، وأنها تعرضت لهجوم جوي أثناء اقترابها من الموقع.

وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد سبقت إلى الكشف عن موقع عسكري إسرائيلي سري في العراق، قالت إنه أُنشئ لدعم الحملة الجوية على إيران، وإنه ضم قوات خاصة ومركزًا لوجستيًا لسلاح الجو الإسرائيلي وفرقًا للبحث والإنقاذ. ونقلت رويترز عن تقرير الصحيفة أن الموقع أُقيم بعلم الولايات المتحدة، لكن رويترز أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق من التقرير بشكل مستقل، كما لم يصدر تعليق فوري من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وأظهرت صور أقمار صناعية، بحسب أسوشيتد برس، أثر مسار مستقيم محفور في قاع بحيرة جافة في صحراء النخيب، بطول يقارب 1.5 كيلومتر، وهي مسافة تكفي نظريًا لهبوط وإقلاع بعض الطائرات. وتقع المنطقة على مسافة بعيدة نسبيًا عن التجمعات السكانية، ما يجعلها ملائمة لموقع مؤقت يصعب رصده بسهولة.

في المقابل، حاولت السلطات العراقية التقليل من فكرة وجود قاعدة دائمة. فقد قال رئيس أركان الجيش العراقي، خلال زيارة ميدانية إلى المنطقة، إن الاعتقاد السائد هو أن القوة كانت صغيرة ولم تمكث أكثر من 48 ساعة. كما قال متحدث باسم وزارة الدفاع العراقية إن القوات التي عادت إلى الموقع لاحقًا لم تجد دلائل على وجود تمركز طويل الأمد.

ورغم ذلك، عمّقت التقارير الجديدة الإحراج السياسي في بغداد، إذ يرى نواب ومسؤولون عراقيون أن وجود قوة إسرائيلية أو أي قوة أجنبية معادية على أراضٍ عراقية، خصوصًا إذا تم بعلم واشنطن، يمثل خرقًا خطيرًا للسيادة العراقية. ونقلت تقارير عراقية عن نواب شاركوا في إحاطات برلمانية سرية أن ما جرى يطرح أسئلة حول دور الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل الاتفاقات التي تنظم وجودها العسكري في العراق.

وامتنع الجيش الإسرائيلي مرارًا عن التعليق على التقارير المتعلقة بالمواقع السرية في العراق أو بمقتل الراعي عوض الشمري، كما امتنع البنتاغون عن تقديم تعليق تفصيلي بشأن ما أوردته التقارير. وفي الوقت نفسه، لم تؤكد الحكومة العراقية رسميًا أن القوة كانت إسرائيلية، رغم تأكيد مسؤولين عراقيين وأمريكيين، تحدثوا لوسائل إعلام غربية دون كشف هوياتهم، أن الموقع كان مرتبطًا بإسرائيل.

وتأتي هذه التسريبات في لحظة حساسة بالنسبة للعراق، الذي يحاول تفادي الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. كما تخشى بغداد أن تستغل الفصائل المسلحة الموالية لإيران هذه القضية لتبرير الاحتفاظ بسلاحها أو توسيع نفوذها العسكري تحت عنوان حماية السيادة العراقية.

وبينما تؤكد التقارير أن الموقع المكتشف في النخيب لم يعد عاملًا، يبقى السؤال الأبرز متعلقًا بحجم التنسيق الأمريكي الإسرائيلي داخل الأراضي العراقية، وما إذا كانت بغداد على علم بما جرى، أم أن أراضيها استخدمت كساحة خلفية في الحرب على إيران من دون علمها الكامل.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - بغداد