من جلبوع إلى مركزية فتح: صعود زكريا الزبيدي يعيد خلط أوراق القيادة الفلسطينية

زكريا الزبيدي.jpg

لم يكن فوز الأسير الفلسطيني المحرر زكريا الزبيدي بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح مجرد نتيجة انتخابية داخلية في مؤتمر تنظيمي، بل حمل دلالة سياسية أوسع: عودة الرموز الميدانية، وخصوصًا القادمة من مخيمات شمال الضفة الغربية، إلى صدارة المشهد القيادي في الحركة التي تقود السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.

فالزبيدي، ابن مخيم جنين وأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالانتفاضة الثانية وكتائب شهداء الأقصى، ينتقل اليوم من صورة المطارد والأسير وصاحب تجربة “نفق جلبوع”، إلى موقع متقدم داخل أعلى هيئة قيادية في فتح، بعد إعلان النتائج الرسمية غير النهائية لانتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري في ختام المؤتمر العام الثامن للحركة في رام الله. وذكرت وكالة  الأنباء الفلسطينية الرسمية“وفا” أن المؤتمر شهد مشاركة 2595 عضوًا، وأن 59 مرشحًا تنافسوا على 18 مقعدًا في اللجنة المركزية، فيما تنافس 450 مرشحًا على 80 مقعدًا في المجلس الثوري.

وجاء الزبيدي (50 عامًا) في المرتبة التاسعة بين الفائزين بعضوية اللجنة المركزية، بحصوله على 1231 صوتًا، وفق كشف النتائج المنشور عن المؤتمر الثامن لحركة فتح. وفي أول تعليق سياسي على فوزه، قال الزبيدي لوكالة فرانس برس إن وصوله إلى اللجنة المركزية هو “انتصار للشهداء والأسرى والجرحى”، مضيفًا أن اللجنة ستعمل للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وإعادة إعمار قطاع غزة ومخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.

يحمل هذا الفوز رمزية خاصة لأنه يأتي في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد: حرب غزة، أزمة إعادة الإعمار، تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال الضفة، وانسداد الأفق السياسي. ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، تجاوزت حصيلة الشهداء في القطاع 72 ألفًا و700 منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى أكثر من 172 ألف مصاب.

رمزية جنين داخل فتح

ينحدر الزبيدي من مخيم جنين، الذي ظل على مدى عقود حاضرًا في الذاكرة السياسية والأمنية الفلسطينية، خصوصًا منذ الانتفاضة الثانية. ومنذ 21 يناير/كانون الثاني 2025، بات المخيم في قلب عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في شمال الضفة الغربية أطلقت عليها إسرائيل اسم “السور الحديدي”، وامتدت لاحقًا إلى طولكرم ونور شمس. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، تسببت العملية في نزوح عشرات الآلاف من سكان المخيمات، ووصفتها المنظمة بأنها أكبر وأطول أزمة تهجير في الضفة الغربية منذ عام 1967.

من هنا، يبدو حضور الزبيدي في اللجنة المركزية رسالة مزدوجة داخل فتح: من جهة، محاولة استيعاب رمزية المخيمات والأسرى في البنية القيادية؛ ومن جهة أخرى، إعادة وصل الحركة بقاعدتها التاريخية التي ترى في تجربة جنين والانتفاضة الثانية جزءًا من شرعيتها الوطنية.

من العمل المسلح إلى القرار السياسي

برز اسم الزبيدي خلال الانتفاضة الثانية كأحد قادة كتائب شهداء الأقصى في جنين، قبل أن يمر بمحطات متعددة شملت المطاردة والاعتقال والإفراج، ثم الانخراط في العمل الثقافي والاجتماعي والدراسة الأكاديمية. وفي عام 2021 عاد اسمه بقوة إلى الواجهة بعد فراره مع خمسة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عبر نفق، في عملية صارت تعرف فلسطينيًا باسم “نفق الحرية”، قبل أن تعيد إسرائيل اعتقاله لاحقًا.

وأفرجت إسرائيل عن الزبيدي في يناير/كانون الثاني 2025 ضمن الدفعة الثالثة من المرحلة الأولى لصفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في قطاع غزة مع حركة حماس، بعد سنوات من الاعتقال.

فتح بعد المؤتمر الثامن

سياسيًا، لا يمكن فصل صعود الزبيدي عن نتائج المؤتمر الثامن لفتح، الذي انعقد تحت شعار التجديد التنظيمي وإعادة ترتيب البيت الداخلي. وأكد البيان الختامي للمؤتمر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني، وشدد على أن إطلاق سراح الأسرى “مهمة وطنية مقدسة”، كما رفع شعار “لا دولة دون غزة ولا دولة في غزة”، في إشارة إلى تمسك فتح بوحدة النظام السياسي الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

بهذا المعنى، فإن فوز الزبيدي لا يبدو مجرد صعود شخصي لقيادي محرر، بل مؤشر على محاولة فتح إعادة إنتاج خطابها بين الشرعية السياسية والرمزية النضالية. فالرجل الذي عرفته إسرائيل مطاردًا وأسيرًا، وعرفه الفلسطينيون رمزًا من رموز جنين ونفق جلبوع، يدخل اليوم إلى موقع القرار في الحركة، في مرحلة تبحث فيها فتح عن توازن صعب بين إرثها التاريخي وضغوط الواقع الفلسطيني الراهن.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله