أقرت تقديرات إسرائيلية بأن مسيّرات حزب الله باتت واحدة من أبرز التحديات العملياتية أمام الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بعدما تحولت من أداة هجومية محدودة إلى عامل يقيّد حرية الحركة الميدانية للقوات، خصوصاً خلال ساعات النهار، وسط استمرار المواجهات رغم تمديد وقف إطلاق النار.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام عبرية نقلاً عن تقديرات في الجيش الإسرائيلي، فإن تهديد المسيّرات المفخخة التابعة لحزب الله يحدّ بنحو 70 إلى 80 في المئة من حرية عمل القوات الإسرائيلية داخل ما تسميه إسرائيل “الحزام الأمني” في جنوب لبنان، ما يدفع الجيش إلى إلغاء أو تأجيل عمليات ميدانية كثيرة خشية الاستهداف المباشر. كما تشير التقديرات إلى أن نقص وسائل مكافحة المسيّرات داخل الوحدات القتالية يزيد من صعوبة التعامل مع هذا النمط من الهجمات.
وتحولت المسيّرات، ولا سيما المسيّرات الانقضاضية الصغيرة، إلى مصدر قلق متزايد في إسرائيل، بعدما أظهرت قدرة على استهداف جنود وآليات ومعدات عسكرية داخل مناطق انتشار الجيش في جنوب لبنان. وذكرت صحيفة “الغارديان” أن حزب الله بات يعتمد بصورة متزايدة على مسيّرات منخفضة الكلفة ومصنعة محلياً، بعضها يعمل بتقنيات تجعل التشويش الإلكتروني التقليدي أقل فاعلية، وهو ما يزيد صعوبة كشفها واعتراضها.
وتقول التقديرات الإسرائيلية إن حزب الله غيّر نمط عملياته خلال الأيام الأخيرة، منتقلًا من العمل المنظم القائم على هيكلية قيادة واضحة إلى أسلوب أقرب إلى “حرب العصابات”، عبر خلايا صغيرة تتحرك بين قرى الجنوب وتبحث عن فرص هجومية خاطفة. وترى مصادر في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن هذا التحول يرتبط جزئياً باستهداف قيادات ميدانية في “قوة الرضوان”، لكنه لا يعني تراجع قدرة الحزب على تنفيذ ضربات مؤثرة ضد القوات الإسرائيلية.
وفي المقابل، يعكس استمرار هجمات المسيّرات والصواريخ أن حزب الله يحاول تحويل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى عبء يومي، عبر استنزاف القوات وإجبارها على تقليص الحركة، وتغيير ساعات العمل، وزيادة الاعتماد على الإجراءات الدفاعية. وهذا ما يجعل المسيّرات، في القراءة الأمنية، سلاحاً يتجاوز أثره الخسائر المباشرة إلى التأثير في نمط الانتشار والعمليات.
وكان حزب الله أعلن، أمس الاثنين، تنفيذ هجمات جديدة بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد قوات ومواقع إسرائيلية، في وقت قالت وكالة رويترز إن إسرائيل نفذت ضربات في جنوب لبنان، وإن الحزب أعلن بدوره استهداف قوات إسرائيلية، رغم دخول تمديد جديد لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ. كما أفادت رويترز بأن الحرب المتجددة منذ 2 مارس/آذار رفعت حصيلة القتلى في لبنان إلى أكثر من 3 آلاف، وفق وزارة الصحة اللبنانية.
وتقول إسرائيل إن قواتها تواصل العمل في جنوب لبنان لمنع حزب الله من إعادة التموضع قرب الحدود الشمالية، بينما يؤكد الحزب أن هجماته تأتي رداً على الخروقات الإسرائيلية واستمرار الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية. ووفق رويترز، تحتفظ إسرائيل بمنطقة أمنية معلنة ذاتياً في الجنوب، حيث تقول إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات الحزب، في حين تستمر الغارات والاشتباكات في تقويض الهدنة.
أمنياً، تكشف أزمة المسيّرات عن فجوة بين التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي وبين طبيعة السلاح الجديد الذي يستخدمه حزب الله. فهذه المسيّرات لا تحتاج إلى بنية إطلاق كبيرة، ويمكن تشغيلها ضمن خلايا صغيرة، كما أن كلفتها المنخفضة تسمح باستخدامها بكثافة مقارنة بكلفة اعتراضها أو تعطيلها. ويقول خبراء إن تراكم هذا النوع من الهجمات قد يحول التهديد من تحدٍ تكتيكي إلى عامل مؤثر في ميزان المواجهة، خصوصاً إذا واصل الجيش الإسرائيلي العمل داخل بيئة قروية وجبلية معقدة في الجنوب اللبناني.
وتزيد خطورة هذا التحدي في ظل اعترافات إسرائيلية بأن الحل العسكري وحده لا يكفي لإنهاء تهديد المسيّرات والصواريخ. فحتى توسيع العمليات أو تعميق السيطرة البرية لا يضمن القضاء على “آخر مسيّرة” أو “آخر صاروخ”، وفق ما نقلته تقارير إسرائيلية عن مصادر أمنية، ما يعني أن تل أبيب تواجه معضلة مزدوجة: الاستمرار في الضغط العسكري، أو البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية تقلص الاحتكاك وتحد من قدرة حزب الله على الاستنزاف.
وبذلك، تضع مسيّرات حزب الله الجيش الإسرائيلي أمام معادلة جديدة في جنوب لبنان: كل تقدم ميداني يحتاج إلى كلفة حماية أعلى، وكل تمركز ثابت يتحول إلى هدف محتمل، وكل عملية نهارية تصبح مرتبطة بحساب خطر جوي منخفض الكلفة وعالي التأثير. وفي ظل استمرار الخروقات المتبادلة وغياب تسوية ثابتة، تبدو الجبهة اللبنانية مرشحة لمزيد من الاستنزاف، حيث لا تسعى المسيّرات إلى حسم المعركة دفعة واحدة، بل إلى جعل استمرارها أكثر كلفة على الجيش الإسرائيلي.
