تحوّل اعتراض إسرائيل لـ“أسطول الصمود العالمي” المتجه إلى قطاع غزة من عملية بحرية إلى أزمة سياسية ودبلوماسية متصاعدة، بعدما نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مقاطع مصورة تُظهر ناشطين دوليين مكبّلين وجاثين على الأرض في ميناء أسدود، فيما ظهر هو ملوّحاً بالعلم الإسرائيلي وموجهاً عبارات استفزازية إليهم.
وأثار الفيديو موجة انتقادات داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها، يوم الأربعاء 20 أيار/مايو 2026، إذ سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى التبرؤ من طريقة تعامل بن غفير مع الناشطين، معتبراً أنها “لا تنسجم مع قيم إسرائيل ومعاييرها”، ومؤكداً أنه أوعز للجهات المختصة بالإسراع في إجراءات ترحيلهم. كما هاجم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر زميله في الحكومة، قائلاً إن بن غفير ألحق “ضرراً متعمداً” بصورة إسرائيل، وإنه “ليس وجه إسرائيل”.
وبحسب آخر المعطيات، كان على متن الأسطول نحو 430 ناشطاً من قرابة 40 دولة، وقد نُقلوا بعد اعتراض القوارب إلى ميناء أسدود، ثم قالت منظمات متابعة إنهم سينقلون إلى سجن كيتسيعوت في النقب تمهيداً للقاء ممثلين قنصليين ومحامين واستكمال إجراءات الترحيل. وأفادت وكالة رويترز بأن الأسطول أبحر من جنوب تركيا في محاولة جديدة لإيصال مساعدات إنسانية إلى غزة وكسر الحصار البحري المفروض عليها.
وتُظهر المقاطع التي نشرها بن غفير ناشطين وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم، بعضهم جاثٍ ورؤوسهم باتجاه الأرض، بينما كان النشيد الإسرائيلي يُبث في الخلفية. وفي أحد المشاهد، تهتف ناشطة “الحرية لفلسطين”، قبل أن يدفعها عناصر الأمن أرضاً، بينما يرد بن غفير بعبارات ساخرة. كما دعا الوزير اليميني المتطرف نتنياهو إلى إبقاء النشطاء في السجون “لفترة طويلة”، واصفاً إياهم بأنهم “داعمو إرهاب”، وهي الرواية التي تتمسك بها إسرائيل في توصيفها للأسطول.
في المقابل، يقول منظمو “أسطول الصمود العالمي” إن مهمتهم إنسانية وسلمية، وتهدف إلى كسر الحصار وإدخال مساعدات رمزية إلى غزة، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تتحدث عنه تقارير دولية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتقول منظمات إغاثة إن المساعدات ما زالت غير كافية، بينما تؤكد إسرائيل أنها لا تمنع دخول الإمدادات وتعتبر الأسطول “استفزازاً سياسياً” يخدم حماس.
وأصدر مركز “عدالة” الحقوقي بياناً اتهم فيه السلطات الإسرائيلية بانتهاج “سياسة إساءة وإذلال” بحق المشاركين في الأسطول، مشيراً إلى أن محامين ومتطوعين تابعين له يعملون على تقديم المشورة القانونية للمحتجزين والمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم. وقال المركز إن ما جرى يكرر أنماطاً وثّقها سابقاً في تعامل إسرائيل مع ناشطين شاركوا في مهمات بحرية مشابهة باتجاه غزة.
دبلوماسياً، اتسعت دائرة الغضب الأوروبي. فقد وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني معاملة الناشطين بأنها “غير مقبولة” وتمس الكرامة الإنسانية، وطالبت بإطلاق سراح المواطنين الإيطاليين وتقديم اعتذار رسمي، فيما أعلنت روما استدعاء السفير الإسرائيلي لطلب توضيحات. كما أعلنت فرنسا استدعاء السفير الإسرائيلي احتجاجاً على ما وصفته بـ“تصرفات غير مقبولة” من بن غفير، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.
وانضمت كوريا الجنوبية إلى الانتقادات، إذ قال رئيسها لي جاي ميونغ إن احتجاز مواطنين كوريين جنوبيين في المياه الدولية يمثل “تجاوزاً صارخاً”، متسائلاً عن مدى قانونية الخطوة الإسرائيلية. كما دانت تركيا اعتراض الأسطول واعتبرته “عملاً من أعمال القرصنة”، فيما طالبت إندونيسيا ودول أخرى بالإفراج عن رعاياها وضمان سلامتهم.
وتأتي الأزمة في سياق أوسع من الجدل حول الحصار البحري الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، والذي تقول إسرائيل إنه يستهدف منع تسليح حماس، بينما يعتبره منتقدوه شكلاً من أشكال العقاب الجماعي. وقد تكثف هذا الحصار بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها، وسط أوضاع إنسانية قاسية يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، معظمهم نازحون أو يقيمون في خيام ومبانٍ مدمرة.
وبينما تسعى حكومة نتنياهو إلى احتواء الضرر السياسي والدبلوماسي عبر تسريع الترحيل، يواصل بن غفير تقديم الواقعة بوصفها “رسالة قوة”، ما يعكس اتساع التوتر داخل الائتلاف الحاكم بين محاولة وزارة الخارجية تقليل الكلفة الدولية، وخطاب اليمين المتطرف الذي يستثمر المشهد داخلياً. وبذلك، لم يعد اعتراض الأسطول مجرد إجراء أمني بحري، بل صار اختباراً جديداً لصورة إسرائيل الخارجية، ولحدود نفوذ بن غفير داخل حكومة تعيش أصلاً تحت ضغط الحرب والعزلة الدولية المتنامية.
