"فاطمة تغسل الحرب عن ذاكرة القلب" لوفاء المبيّض ... طفولة تنمو رغم الحرب

فاطمة تغسل الحرب عن ذاكرة القلب.jpg

توثّق الكاتبة الفلسطينية "وفاء المبيّض" في روايتها "فاطمة تغسل الحرب عن ذاكرة القلب"، الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" (2026)، والتي تُعدّ الإصدار الرابع ضمن مبادرة "غزّة تبدع"؛ يوميَّات دوّنتها في قلب حرب الإبادة الأخيرة على غزة المحاصرة بفلسطين؛ الحرب التي بدأت بعد السابع من أكتوبر عام 2023 واستمرّت ما يزيد على عامين، والتي عانى الغزّيون ويلاتها من موتٍ وفَقد وتجويع وخراب. ووسط كل تلك الأحداث توثّق الكاتبة حكاية من آلاف الحكايات في غزّة، لأسرة صغيرة وأمّ حديثة العهد، وطفلة في شهرها السادس ما زالت تستشرف الحياة ومعانيها.

تحكي في روايتها الواقعة في 210 صفحات، رحلةَ نموّ طفلتها "فاطمة" خلال الحرب، وكيف استطاعت أن تكبر وسط كل الصِعاب والظروف التي تتحدّى بقاءها على قيد الحياة، بعزم شديد تقاتل عن حقّها في حياةٍ لا تتوفّر لها فيها أبسط المقوّمات. تقول واصفةً حال فاطمة:

"كانت طفلةً، فقط طفلة، تحاول أن تحيا وسط موتٍ لم يتوقّف لثانية!

في الوقت الذي كان فيه أطفالُ العالم يركضون خلف طائرات ورقية، كانت فاطمة تركض خلف صدى انفجارٍ لتتأكّد إن كانت ألعابُها الممزّقة البالية ما زالت بخير".

تبدأ القصّة بوصول الحرب في يومها الثالث إلى أبواب شقّة فاطمة الرضيعة، وسماعها أصوات الأحزمة النارية تدوّي، وفزعها الأوّل في حياتها. تضطرّ الأسرة الصغيرة المكونة من ثلاثة أفراد، حينها إلى ترك منزلها وبدء رحلة نزوحٍ طويلة، من مكان إلى آخر، ومن مجهول إلى مجهول؛ هربًا من الموت المتواصل الذي يلاحقها في كل خطوة.

من أرض الكراج الذي نبتت فيه أولى أسنان فاطمة، إلى مدرسة إيواءٍ، ثم جامعة، ثم إلى الكراج مرّة أخرى وغيرها من الأماكن المؤقّتة التي ارتحلت فيها الأسرة. رحلة لم تعرف فيها فاطمة الصغيرة -كغيرها من أطفال غزّة- معنى البيت والاستقرار، وغابت فيها معاني أخرى كان تُعدّ من الحقوق والمسلَّمات الطبيعية لكلّ طفلٍ في العالم.

توثّق الكاتبة لحظات فاطمة الأولى، والمفارقة الحزينة التي صاحبتها كلّها، فتلك الرضيعة لم تتعلّم كيف تنمو في جوٍّ من الأمان والتشجيع، بلّ ما حفّز نموّها كان خوفها من القصف، وغريزتها للهرب من صوت الانفجارات. كلحظة حبوها لأوّل مرّة في أرض الكراج إثر القصف:

في ظهيرة أحد أيام الحرب، دوّى صاروخ قريب، اهتزّ السقف، وسقطتْ بعض الحجارة من خارج الكراج إلى داخله.

شهقتُ، نظرتُ حولي بفزع، وإذا بفاطمة -التي كانت تلهو قرب كرتونة صغيرة- تتحرّك فجأة نحوّي؛ تزحف للمرة الأولى.

كانت يداها الصغيرتان ترتجفان، تدفعان جسدها في مقاومةٍ غريزية للبقاء، تُصارع الرعب بحركةٍ هي أولى إشارات الحياة.

في تلك اليوميّات نعاين الحربَ عن قُرب بنظرة مختلفة، من خلال عيون فاطمة الصغيرة وعيون الأمّ التي تراقبها وتدوّن الأحداث. كانت مراقبة فاطمة طوقَ نجاةٍ تتشبّث عبره الأمّ بالحياة، وكان التدوين منقذًا من الذوبان في يأس الحرب ومن النسيان الذي يطوّق الذاكرة مع تشابه الأيام وطول الخطر. فالذاكرة قد تخون لكن حبر الكلمات يقيّد الذكرى على الورق، لتكون شاهدة فيما بعد على قصّة النجاة كاملةً.

"بعد ساعة من اللعب، نامت فاطمتي. جلستُ أكتب، لأني أخاف أن تنسى.

أخاف أن يختفي هذا الألم دون أن يُقال، أن تختفي تفاصيلُه كما تختفي الضحكاتُ في زمن الحرب.".

دُوّنت اليوميّات متفرّقة، كأنّها كانت تُسرق من لَهْث الحرب كلما سنحت الفرصة. كثيرًا ما دُوّنت كأحداث دون تاريخ وفي أحيانٍ أخرى تُستهلّ الفصول بسطر يحوي كلمتي: اليوم... التاريخ...

مع فراغ بعدهما، كأن الذاكرة تريد أن توثِّق لكن تشابه أيام الحرب لا يسمح بالتمييز بينها. لم ينجُ من ذلك إلا أحداث نادرة تذكّرت فيها الأوراق تاريخ تدوينها أو شيئًا منه، لتصنع عبرها فاطمة تقويمها الخاص.

"الحرب أكلت التقويم، لكن فاطمة تعيد لي أسماء الأيام؛ يوم الضحك، يوم القمل والشامبو، يوم الحليب الخفيف، ويوم النور.".

وبعكس ذاكرة الأرقام المشوّشة، تبرز ذاكرة الأسماء بقوّة في سطور التدوين. فقد حرصت الكاتبة على ذِكر أسماء الأشخاص في كل مرةٍ تأتي فيها على ذِكرهم.. لا تكتفي بذكر الصفة وحدها من عمٍ وعمة وأب فحسب؛ تقول: "عمّتي مهدية"، "صديقتي شيماء"، "مُحفّظتي أم علاء"، "بابا هاني"... إلخ. كأنّها تحفر الهويّات في ذهن القارئ ليقترب من هذه الشخصيات؛ يحفظها؛ يعايشها؛ يدرك تفرّدها. لا تقبل أن يكونوا مجرّد أرقام أو صِفاتٍ كما يتعامل وعي العالم الجَمعي مع ضحايا حرب الإبادة.

نقل الكتاب جانبًا كبيرًا من حياة الغزّيين وسط الحرب، وكيف أنّها كانت تدور بين قصفٍ ونزوح وبين لحظات يسيرة من السِلم المؤقّت يتلقطون فيها الأنفاس. كانت كلّ لحظة هدوءٍ لا بدّ يتبعها دويّ انفجار أو أنباء فقد أو إجبار على الرحيل، حتى يعود القارئ مع تقدّم الأحداث متوجّسًا من كل هدوء، مترقبًا العاصفة التي لا بدّ تأتي بعده. فتلك الحرب لا تسمح لأحدٍ أن ينسى أو يتناسى وجودها.

ومع ذلك كان إصرار الغزيين على الحياة يظهر جليًّا في كلّ فعل، وبحثهم الحثيث عن البقاء لا يخفت. يصنعون فطورًا من لا شيء، ويوقدون النار بالأغصان اليابسة وزفير الأنفاس، ويشعلونها فوق أحجار من حطام القصف حولهم، ويختلط دخانها بدخان الصواريخ كما تختلط الحياة بالموت. ينظّفون الغرف الضيّقة لتصلح لما يشبه الحياة، ويصنعون من المحالّ الموقّتة ما يشبه البيت ورائحة الاستقرار. نرى الأمّهات يصنعن ركنًا للمطبخ، والآباء يرتّقون النوافذ المحطّمة، والأطفال يتّخذون من الأقمشة البالية ألعابًا ينسجون حولها الخيال.

في إحدى تدويناتها تقول:

"مساحة المعمل ضيقة لا تكفي حتى أن نمدّ أرجلنا، فكيف سيتّسع لعشرين روحًا خائفة؟

مع ذلك… نظّفناه.

مسحنا الغبار كما نمسح عن قلوبنا طبقات الحزن.

رتّبنا الزوايا، أعدنا ترتيب الفوضى بالقليل الذي نملكه… أزلنا الركام، الحجارة، والزجاج المكسور

لأننا نريد أن نبقى؛ نريد أن نمنح فاطمة وأمثالها شيئًا من "البيت"، حتى لو كان مجرد شعور.".

لا يظهر معدن الغزيين في إصرارهم على الحياة وحده، بل في اهتمامهم وعنايتهم ببعضهم حتى في هذه الظروف التي تشبه القيامة؛ حيث ينسى فيها الإنسان ذويه. نرى من الأحداث ما يوثّق الإنسانية الحية في قلوب هؤلاء مع كلّ ما يواجهونه من وحشية وموت. فوسط المجاعة هناك من يوزّع اللحم، ويبحث عن الأطفال لتزويدهم باللبن بعد قنوط أمهاتهم من العثور عليه، وهناك الصديق المتمثّل في "أبي أنس" الذي لا ينسى صديقَه وابنته فيهاديه ملابس جديدة تدخل السرور على قلوب متعَبة.

في تلك اليوميات تتحوّل "فاطمة" إلى رمز غزّيّ حيّ، رمزٍ لكلّ طفل عايش الحرب، للطفولة التي تنمو محرومةً من كل شيء، ومع ذلك تعاند وتنمو مدافعة عن حقّها في الحياة.

"في عينيْ فاطمة، أرى كلّ أطفال هذه الحرب.

أولئك الذين ينتظرون بيضةً في الصباح، أو بطانية تدفّئ أجسادهم من البرد القارص ليلًا، أو شَربة ماء حلو.

أراهم وهم ينامون على الأرض، يستيقظون على الغارات المرعبة، يكبرون وهم محرومون من كلّ شيءٍ بسبب هذه الحرب المؤلمة، التي سرقتْ من الطفولة ألوانَها، وحياتها، ومن الأمهات أحلامهن وأمومتهن!".

تنتهي سطور التدوين دون أن تنتهي الحرب، وتُختتم اليوميات قبل أن تصل الإبادة إلى ختام. لتترك الكاتبة في نهاياتها أمنيةً عالقة في قلب كل أمّ غزّية؛ وأحلامًا تنشُدها لطفلتها وأمثالها؛ حلمًا كان في الأصل حقًّا مؤمَّنًا والآن سُلب ظُلمًا وغدرًا؛ حقَّ الأمن في وطن والاستقرار تحت سقف بيت.

"وفي وسط هذا الركام، لا أملك إلا أن أحبّها أكثر، 

وأحلم لها بأرضٍ تركض فيها بلا خوف، 

وسماءٍ لا تُنذر بالموت، بل تمطر أحلامًا فقط.

حين تنام على صدري وتغفو، كلّ ليلة أهمس في أذنها الصغيرة: "يومًا ما، يا فاطمة، ستلعبين دون خوف. 

ستمشين على أرصفة تعرفينها، وتنامين في بيتٍ لكِ… بلا خيمة، ولا طائرات، ولا أصوات مخيفة.".

تترك "فاطمة تغسل الحرب عن ذاكرة القلب" أثرها عميقًا في نفوس قرّائها، وتتباين تفسيراتهم للنص بحسب تأملاتهم فيها، وهو ما لاحظته لجنة التقييم؛ العين الأولى القارئة، والمشكَّلة من الدكتور باسم الزعبي، والدكتورة عزيزة الطائي. تقول د. عزيزة في تقديمها للكتاب: "تمثّل رواية "فاطمة تغسل ذاكرة الحرب" العتبة الأولى من حالة التطهّر الكتابي، وإحساس الروائية بلذة التعبير في سبيل التخلّص من الشعور بألم الوطن وما يحدث لناسه. نص يجمع بين الهوية والوطنية والثقافة الفلسطينية، وما مرّت به الأسر الفلسطينية منذ بداية الحرب الغاشمة على الأرض الغزية، لذلك جاءت اللغة منسابة، تتنامى مع تصاعد الأحداث، مما شكّل علاقة ملتحمة بين اللغة والشخصية والفضاء. أما موضوعها فيجسد باحترافية مأساة الأسرة الفلسطينية، وما حلّ بها من خوف وعذاب وتهميش، مما عزّز بنية الحدث وتصاعده في مجريات الزمن".

يُذكر أنّ "غزة تُبدع" مبادرة أدبية ثقافية أطلقتها "الآن ناشرون وموزعون"، ومقرُّها العاصمة الأردنية عمّان، لإصدار باقة من الأعمال الإبداعية لكتّاب وكاتبات من قطاع غزة، في خطوة ترمي إلى "نقل التجربة الغزيّة بعيون أهلها، وتوثيق الواقع الفلسطيني من قلب المعاناة عبر الأدب".

وأوضحت الدار في بيان صحفي، أن المبادرة "تأتي استجابة للحاجة الملحّة لإيصال صوت المبدعين الذين يعيشون ظروفاً استثنائية تحت الحصار والعدوان"، مؤكدةً أن "الكلمة قد تكون النافذة الوحيدة المفتوحة حين تُغلَق كل الأبواب".

وقال د.باسم الزعبي، المدير العام للدار: "هذه المبادرة فعل ثقافي مقاوم كما نرى، ونحن نؤمن أن للمبدعين الفلسطينيين الحقّ في أن يُنشر نتاجهم دون عوائق، وأن تصل أصواتهم المحاصَرة إلى القارئ العربي دون حواجز"، وأضاف: "قطاع غزة لا يحتاج فقط إلى الإمدادات الغذائية والطبية والإغاثية وإعادة الإعمار، على أهمية كل ذلك، بل أن تُروى أيضاً حكايته من داخله، بأصوات أبنائه وبناته، شهود الحقّ".

وتابع الزعبي بقوله: "لا يُراد أن تكون هذه الإصدارات مجرد كتب، بل شهادات أدبية حيّة على لحظة تاريخية كُتبت وما تزال بالدم والصبر والأمل رغم كل الظروف".

بدوره، قال الكاتب جعفر العقيلي، المشرف على المبادرة: "تنحاز (غزة تبدع) للحياة التي تُكتَب رغم الموت، وللحكايات التي تُولد رغم الدمار. إنها مبادرة ثقافية وإنسانية، تعكس التزاماً أخلاقياً وجمالياً تجاه مدوّنة لن تجد لها مساحة في نشرات الأخبار، سطَرَها أصحابها وسط الركام والأنقاض وفي ظروفٍ تنعدم فيها أدنى مقومات العيش، لتبقى شاهدةً على العدوان، ولتذكّر باختلال الضمير الإنساني تجاه القضايا العادلة، ولتشكّل وثيقة إدانة لأعداء الحياة".

وأضاف العقيلي: "ستحظى إصدارات المبادرة بتغطية إعلامية واسعة، وسيتم تنظيم سلسلة من الفعاليات الثقافية التي تعرّف بها وتسلط الضوء على المشاريع الإبداعية لأصحابها، ضمن خطة تستمر على مدار العام".

بدوره، قال الناقد والأكاديمي د.خالد الجبر، رئيس لجنة التقييم: "أثمّن عالياً هذه المبادرة الثقافيّة الرائدة، ذات البعد الإنسانيّ الأصيل، والتي تفتح المجال أمام أصوات المبدعين في غزّة؛ ليعبّروا عن ذواتهم وصمودهم وتجاربهم بلغة الفنّ والأمل". وأضاف: "أؤكّد أنّ اللجنة التي تضم نقاداً وأكاديميين وأدباء عرباً، ستلتزم بمعايير شفّافة قوامُها السّويّة والإنصاف، بحثاً عن قوّة الأثر الإنساني والجمالي في النّصوص، وصدق تعبيرها، وأصالتها، مع الحرص على تمثيل تنوّع التجارب والأنواع الأدبية".

وختم الجبر بقوله: "أومنُ بأنّ هذه المبادرة تمثّل جسراً للتّضامُن الإبداعيّ مع نبض غزّة، وروحها التي لا تنكسر".

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - عمَّان