أعاد اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لـ«كتائب القسام»، طرح سؤال أمني قديم جديد: كيف تمكّنت إسرائيل، بعد أشهر طويلة من التعثر الاستخباراتي داخل قطاع غزة، من الوصول إلى عدد من القيادات العسكرية والسياسية في حركة «حماس»؟ وتذهب روايات ميدانية نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» إلى أن جزءاً من الإجابة يرتبط بتعقب عائلات القيادات ومحيطهم القريب، واستغلال لحظات التواصل أو الزيارة أو الانتقال، لا باختراق أمني مباشر في كل الحالات.
منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واجهت إسرائيل صعوبات كبيرة في الوصول إلى قادة الصف الأول في «حماس» و«القسام»، خصوصاً أولئك الذين اعتمدوا على شبكة الأنفاق للتخفي والتنقل. لكن تغيّر ظروف الحرب، واتساع التدمير داخل الأنفاق، وتقدم العمليات البرية، دفع قيادات عدة إلى التحرك فوق الأرض أو الانتقال بين شقق ومنازل وخيام نزوح، ما جعل دوائرهم العائلية نقطة مراقبة محتملة، بحسب مصادر ميدانية في الحركة تحدثت إلى «الشرق الأوسط».
وتقول الصحيفة، نقلاً عن أربعة مصادر ميدانية في «حماس»، إن بعض القيادات وصلتهم إسرائيل بعد تواصلهم مع عائلاتهم أو لقائهم بها، فيما لم تثبت تحقيقات الحركة، وفق هذه المصادر، أن أفراد تلك العائلات كانوا متعاونين مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وبحسب الرواية ذاتها، فإن كل عملية اغتيال كانت تُفتح بعدها مراجعة داخلية للبحث عن الثغرة التي قادت إلى الهدف.
في حالة الحداد، تتقاطع روايات إسرائيلية وفلسطينية عند نقطة واحدة: العائلة كانت جزءاً من مسار الرصد. فقد نقلت الجزيرة عن «يديعوت أحرونوت» أن عودة الحداد إلى شقة مخفية تابعة لعائلته كانت “نقطة التحول” التي مكّنت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من تثبيت الهدف، وأن جهاز «الشاباك» والاستخبارات العسكرية «أمان» شاركا في بناء الصورة الاستخباراتية قبل الضربة.
غير أن مصادر ميدانية في «حماس» قدمت، عبر «الشرق الأوسط»، رواية مختلفة لتفاصيل اللحظات الأخيرة، إذ قالت إن الحداد لم يُقتل داخل الشقة كما روجت مصادر إسرائيلية، بل داخل مركبة كان يقودها برفقة زوجته وابنته بعد مغادرته المكان. ووفق هذه الرواية، مرّت نحو 15 دقيقة بين قصف الشقة واستهداف المركبة، وأن الحداد لم يكن يعلم بقصف الشقة حين واصل تنقله.
إسرائيلياً، أكد الجيش مقتل الحداد في غارة على غزة، ووصف رئيس الأركان الإسرائيلي العملية بأنها “إنجاز عملياتي مهم”، فيما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش إسرائيل كاتس إن العملية جاءت في إطار ملاحقة المسؤولين عن هجوم السابع من أكتوبر. كما ذكرت «جيروزاليم بوست» أن الضربة اعتمدت على معلومات استخباراتية تراكمت لسنوات، وأن سلاح الجو نفذ قبلها عملية تمويه لتجنب كشف التحضير للهجوم.
وأكدت «حماس» مقتل الحداد مع زوجته وابنته، وعدّته خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار. ووفق الجزيرة، استهدفت الضربات حي الرمال غرب مدينة غزة، وأسفرت عن شهداء وجرحى، بينهم نساء وطفل، بينما قالت الحركة إن الاغتيال يأتي ضمن استمرار الهجمات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار.
ولا تبدو واقعة الحداد معزولة، وفق ما أوردته «الشرق الأوسط». فاغتيال محمد الضيف ورافع سلامة في يوليو/تموز 2024 ارتبط، بحسب مصادر الصحيفة، بمكان تعود صلته بسلامة وبحركة مراقبة طويلة حوله، إضافة إلى رصد شخص كان ينقل رسائل إلى سلامة وتبين لاحقاً أنه يعمل لصالح إسرائيل. كما تورد الصحيفة حالات أخرى، بينها أيمن نوفل، وحكم العيسى، وحذيفة الكحلوت المعروف باسم «أبو عبيدة»، ورائد سعد، باعتبارها أمثلة على قيادات قُتلت بعد اقترابها من عائلاتها أو وجودها في أماكن مرتبطة بمحيطها الشخصي.
وتشير هذه الروايات إلى تحوّل في نمط الملاحقة الإسرائيلية: من البحث عن القائد داخل بنية عسكرية مغلقة إلى مراقبة “الهامش الإنساني” المحيط به؛ الزوجة، الأبناء، الأشقاء، الأقارب، أماكن النزوح، الشقق البديلة، ورسائل الاطمئنان. غير أن هذا لا يعني، وفق المصادر ذاتها، وجود تعاون عائلي، بل يعني أن ظروف الحرب الطويلة وانهيار المساحات الآمنة جعلت التواصل العائلي نفسه عبئاً أمنياً على القيادات الملاحقة.
وتربط التحليلات الإسرائيلية بين اغتيال الحداد ومحاولة منع «القسام» من إعادة بناء قدراته بعد الحرب. فالجزيرة نقلت عن محللين أن الحداد كان يمثل ضربة رمزية ومعنوية كبيرة للحركة، لكن تأثير اغتياله العملياتي قد يبقى محدوداً بسبب الطبيعة اللامركزية لبنية «القسام»، حيث تعمل وحدات كثيرة باستقلالية نسبية وبخطط خلافة معدة مسبقاً.
في المقابل، ترى «حماس» أن الاغتيالات المتواصلة، ولا سيما خلال فترة وقف إطلاق النار، تكشف سعياً إسرائيلياً لفرض وقائع أمنية وسياسية جديدة في غزة. وتضع الحركة هذه العمليات في سياق ما تصفه بـ“الخروقات اليومية” للاتفاق، بينما تؤكد إسرائيل أنها تواصل ملاحقة من تعتبرهم مسؤولين عن هجوم السابع من أكتوبر وعن احتجاز الأسرى الإسرائيليين.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن تفوق استخباراتي وعمليات “دقيقة”، والرواية الفلسطينية التي ترى أن إسرائيل تستغل لحظات الضعف العائلي والإنساني، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة مصادر غير معلنة وتحقيقات مغلقة. لكن الثابت أن الحرب الطويلة نقلت ملاحقة القيادات من ساحات القتال والأنفاق إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تحولت الزيارة العائلية أو الرسالة أو الشقة المؤقتة إلى احتمال أمني قاتل.
