واشنطن وطهران تقتربان من “مذكرة إسلام آباد”: تفاهم مشروط لإنهاء الحرب وفتح هرمز ومرحلة تفاوض نووي خلال 60 يوماً

علما إيران والولايات المتحدة. (رويترز).jpeg

دخلت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حاسمة، وسط مؤشرات متزايدة إلى اقتراب الطرفين من توقيع مذكرة تفاهم أولية تهدف إلى وقف الحرب وفتح الطريق أمام اتفاق أوسع يتناول الملفات النووية والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، في وقت لا تزال فيه بنود الاتفاق محل تضارب واضح بين الروايتين الأميركية والإيرانية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مساء الجمعة 12 يونيو/حزيران 2026 إن “مذكرة إسلام آباد” بين طهران وواشنطن “لم تكن أقرب مما هي عليه الآن”، داعياً وسائل الإعلام إلى تجنب التكهنات بشأن مضمونها إلى حين إنجازها وإعلان تفاصيلها رسمياً. وتأتي تصريحات عراقجي بعد سلسلة تسريبات نسبت إلى مصادر إيرانية تحدثت عن وثيقة من 14 بنداً تتضمن وقفاً شاملاً للأعمال القتالية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وآليات للإفراج عن أموال إيرانية مجمدة.

في المقابل، أكدت واشنطن أن الاتفاق، إذا تم توقيعه، لن يمنح طهران مكاسب اقتصادية فورية بمجرد التوقيع، بل سيجعل أي تخفيف للعقوبات أو إفراج عن أموال مجمدة مرتبطاً بتنفيذ إيران التزامات محددة، خصوصاً في الملف النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز. وقال مسؤول أميركي كبير إن المفاوضين “قريبون جداً” من خط النهاية، لكنه شدد على أن الاتفاق لم ينجز نهائياً بعد.

نص “نهائي” وفق باكستان… وتوقيع محتمل خلال أيام

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن “نصاً نهائياً ومتفقاً عليه” لاتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران قد تم التوصل إليه، مشيراً إلى أن إسلام آباد تعمل مع الجانبين لتحديد الخطوات التالية. وتلعب باكستان، إلى جانب قطر ودول إقليمية أخرى، دوراً محورياً في الوساطة بين الطرفين منذ اتساع رقعة الحرب وما تبعها من إغلاق أو تعطيل شبه كامل لحركة الطاقة عبر الخليج.

ورغم إعلان شريف، لا تزال العواصم المعنية تتعامل بحذر مع الملف. فالمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن اتفاق “قريب جداً” لكنه غير مكتمل، فيما تقول طهران إن النص لم يوقع بعد وإن التفاصيل قد تتغير قبل الإعلان الرسمي.

ماذا تتضمن مذكرة التفاهم؟

بحسب الرواية الأميركية، تقوم المذكرة على ثلاثة محاور أساسية: إنهاء الحرب، إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الطبيعية، وبدء مفاوضات تقنية لمدة 60 يوماً لمعالجة تفاصيل الملف النووي والعقوبات. وتقول واشنطن إن النص يتضمن التزاماً إيرانياً بعدم تطوير أو اقتناء أسلحة نووية، إضافة إلى آلية لاحقة للتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بما في ذلك تدميره أو خفض تخصيبه أو إخراجه من البلاد تحت ترتيبات رقابية.

أما الرواية الإيرانية، كما نقلتها وسائل إعلام قريبة من طهران، فتضع أولوية أكبر لإنهاء الحرب “على جميع الجبهات”، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وفتح مضيق هرمز وفق ترتيبات لا تنتقص من السيادة الإيرانية، وبدء مسار للإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات النفطية والمالية. كما تؤكد طهران أن لبنان يجب أن يكون جزءاً من أي وقف شامل للأعمال القتالية، وهو مطلب ربطه عراقجي في رسائل سابقة باستمرار دعم إيران لحزب الله وبضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.

لبنان في قلب الخلاف

يشكل لبنان أحد أكثر بنود التفاهم حساسية. فطهران تقول إن أي إنهاء للحرب يجب أن يشمل الجبهة اللبنانية، بما يعني وقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله وخروج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة أو المناطق التي دخلتها خلال التصعيد الأخير. وتعتبر إيران أن استبعاد لبنان من أي تفاهم سيجعل وقف الحرب هشاً وغير قابل للاستمرار.

في المقابل، لا تبدو إسرائيل طرفاً مباشراً في التفاوض الأميركي–الإيراني، لكنها ترفض، بحسب مواقف معلنة لمسؤولين إسرائيليين، أي اتفاق يقيّد حرية عملها العسكرية ضد حزب الله أو الشبكات المرتبطة بإيران. ويزيد هذا الموقف من تعقيد أي صيغة نهائية، لأن واشنطن تستطيع التعهد بسلوكها العسكري والسياسي، لكنها ستواجه اختباراً صعباً إذا تعارضت بنود التفاهم مع حسابات إسرائيل في لبنان وسوريا وغزة.

تضارب حول الأموال والعقوبات

من أكثر النقاط خلافية مسألة الأموال الإيرانية المجمدة. تقول مصادر إيرانية إن التفاهم سيشمل الإفراج عن مليارات الدولارات ورفعاً تدريجياً للعقوبات على النفط والقطاع المالي. لكن واشنطن تنفي أن تكون وافقت على إفراج تلقائي أو فوري عن الأموال، وتقول إن أي مكاسب اقتصادية لطهران ستكون “مشروطة بالأداء”، أي مرتبطة بتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

وكتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البنود التي “سربتها إيران” لا تعكس ما تم الاتفاق عليه كتابة، بينما قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن الإيرانيين لن يحصلوا على أموال أو مزايا اقتصادية لمجرد توقيع وثيقة أو حضور اجتماع. وتشير هذه التصريحات إلى أن المعركة لم تعد فقط حول النص، بل حول طريقة تسويقه داخلياً لدى الطرفين: طهران تريد إظهار أنها انتزعت تنازلات كبرى، وواشنطن تريد تأكيد أن الاتفاق يحقق أهدافها الأساسية ولا يكافئ إيران قبل الامتثال.

مضيق هرمز والأسواق

يعد مضيق هرمز بنداً مركزياً في أي تفاهم محتمل. فقد تسبب تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق، الذي تمر منه نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية، في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والمخاطر الأمنية. وبحسب المسؤولين الأميركيين، فإن إعادة فتح المضيق أمام حركة النفط والغاز ستكون من أوائل نتائج الاتفاق، مقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية وإطلاق مسار تفاوضي أوسع.

وتفاعلت الأسواق فوراً مع الأنباء، إذ تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوى في نحو شهرين مع تنامي التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق. غير أن محللين يحذرون من أن عودة التدفقات الطبيعية لن تكون فورية، وأن المخاطر ستبقى قائمة إذا تأخر تنفيذ التفاهم أو انهارت المفاوضات الفنية خلال فترة الستين يوماً.

دور إماراتي لافت

بالتوازي مع المسار الأميركي–الإيراني، برزت تقارير عن موافقة الإمارات على إتاحة مليارات الدولارات لإيران، في خطوة وصفت بأنها جزء من جهود خفض التصعيد الإقليمي. وبحسب مصادر مطلعة، جرى توفير شريحة أولى من الأموال، بينما لا يزال مصدر تلك الأموال وطبيعة ترتيباتها محل غموض. وتقول أبوظبي إن سياستها تقوم على خفض التوتر وحماية شعوب المنطقة من تداعيات الحرب، في حين يقرأ مراقبون الخطوة باعتبارها محاولة لإعادة بناء قنوات أمنية واقتصادية مع طهران بعد أسابيع من الهجمات والتوتر.

الملف النووي: اتفاق أولي لا يحسم كل شيء

لا تحسم مذكرة التفاهم، بصيغتها الأولية، جميع تفاصيل البرنامج النووي الإيراني. فالمطروح هو إطار سياسي وأمني يفتح الباب أمام مفاوضات تقنية خلال 60 يوماً، يتوقع أن تكون معقدة للغاية. وتشمل القضايا المنتظرة مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، نطاق التفتيش الدولي، مستقبل منشآت التخصيب، ومدى قدرة الطرفين على تحويل التعهدات العامة إلى آليات قابلة للتحقق.

وتقول طهران إن برنامجها النووي سلمي وإنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، بينما تصر واشنطن وحلفاؤها على ضمانات عملية تمنع إيران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي. لذلك، قد تكون المذكرة بداية مسار تفاوضي أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً.

قضية قضائية في الخلفية الأميركية

في سياق متصل بالتوترات الأميركية–الإيرانية، سمحت قاضية اتحادية أميركية بالإفراج بكفالة عن مهندس أميركي من أصل إيراني قبل محاكمته في قضية تتعلق بتصدير تكنولوجيا يمكن استخدامها في أنظمة ملاحة للطائرات المسيّرة إلى إيران. ورأت المحكمة أن الحرب غيّرت ظروف تقدير خطر الهروب إلى إيران، ما جعل الإفراج المشروط ممكناً مع فرض إقامة جبرية ومراقبة إلكترونية. ورغم أن القضية ليست جزءاً من المفاوضات، فإنها تعكس حجم الملفات القانونية والأمنية المتشابكة بين واشنطن وطهران.

الخلاصة

تبدو الولايات المتحدة وإيران أقرب من أي وقت مضى إلى مذكرة تفاهم أولية، لكنها ما زالت محاطة بتناقضات كبيرة في الروايات، خصوصاً بشأن الأموال المجمدة، لبنان، وترتيبات الملف النووي. وإذا تم التوقيع خلال الأيام المقبلة، فسيكون الاتفاق بداية هدنة سياسية وعسكرية مشروطة، لا نهاية نهائية للصراع. أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ في اليوم التالي للتوقيع: هل يفتح مضيق هرمز فعلاً؟ هل تتوقف الجبهات المرتبطة بإيران؟ وهل يمكن تحويل وعود التفكيك والرقابة النووية إلى خطة عملية خلال 60 يوماً؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - واشنطن – طهران – إسلام آباد