الأسواق الفلسطينية تحت ضغط الأزمة المالية: ركود حاد قبل العيد وتراجع القدرة الشرائية يربك التجار والمستهلكين

تجمّع الفلسطينيون في سوق للمواشي في الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، في 22 مايو/أيار 2026، لشراء وبيع الأغنام استعدادًا لعيد الأضحى.صورة: مأمون وزواز

تعيش الأسواق الفلسطينية واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل تداخل الأزمات المالية والسياسية والمعيشية، وتراجع السيولة، واستمرار احتجاز أموال المقاصة، وتعطل آلاف العمال عن أعمالهم داخل الخط الأخضر، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حركة البيع والشراء وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية والموسمية.

وفي حلقة من برنامج "حديث الاقتصاد" عبر تلفزيون فلسطين الرسمي تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء"، قال رئيس غرفة تجارة وصناعة رام الله والبيرة، عبد الغني العطاري، إن الأسواق الفلسطينية تشهد حالة ركود واضحة وغير مسبوقة، مشيرا إلى أن مظاهر العيد تكاد تكون غائبة عن الأسواق رغم قرب الموسم، الذي كان يشكل في الأعوام السابقة فرصة لتنشيط الحركة التجارية.

وأوضح العطاري أن الأزمة الحالية لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تراكم مجموعة من الضغوط، أبرزها استمرار احتجاز أموال المقاصة، والإغلاقات والحواجز، وتعطل حركة المعابر التجارية، إضافة إلى توقف العمال الفلسطينيين عن العمل داخل أراضي عام 1948، ما أفقد السوق الفلسطيني مصدرا مهما للسيولة اليومية والشهرية.

وبحسب ما ورد في الحلقة، فإن الاقتصاد الفلسطيني انكمش بأكثر من الثلث منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما تراجعت حركة الأسواق بنسب كبيرة وصلت في بعض القطاعات إلى ما بين 50% و60%، وقد تصل في قطاعات أخرى إلى نحو 70%، تبعا لطبيعة النشاط التجاري ومدى ارتباطه بالطلب الاستهلاكي المباشر.

وأشار العطاري إلى أن القطاعات الأكثر تضررا هي القطاعات غير الأساسية، مثل الملابس والأحذية وبعض السلع الموسمية، في حين بقي قطاع المواد الغذائية الأقل تضررا نسبيا، رغم تأثره هو الآخر بسبب ضعف القدرة الشرائية. وقال إن المواطن الفلسطيني بات يركز إنفاقه على الاحتياجات الأساسية، مثل الأرز والزيت والمواد التموينية الضرورية، في ظل غياب السيولة وتراجع الدخل.

وفيما يتعلق بأسعار اللحوم والأضاحي، أقر العطاري بوجود ارتفاعات في الأسعار، عازيا ذلك إلى زيادة الطلب الموسمي، وارتفاع كلف النقل، والقيود المفروضة على الاستيراد، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين على المزارعين ومصادرة المواشي في عدد من المناطق، ما يضغط على الكميات المتاحة في السوق. وأكد أن الغرف التجارية تتابع الملف مع وزارة الاقتصاد والجهات المختصة ونقابات أصحاب الملاحم والمستوردين بهدف الحد من الارتفاعات والحفاظ على الأسعار قدر الإمكان.

..عبد الغني العطاري رئيس غرفة تجارة وصناعة رام الله و البيرة
 

كما تناولت الحلقة أزمة فائض الشيكل، التي ما تزال تشكل عائقا أمام التجار والقطاع المصرفي، إذ أشار العطاري إلى أن البنوك الفلسطينية تعاني من تكدس كميات كبيرة من العملة الإسرائيلية في خزائنها، في ظل صعوبة توريدها إلى الجانب الإسرائيلي. وبيّن أن هذه الأزمة تعطل قدرة التجار على إيداع أموالهم وتحويل التزاماتهم، ما ينعكس على الاستيراد وسلاسل التوريد وحركة السوق عموما.

وفي هذا السياق، لفت العطاري إلى أن التحول الرقمي قد يساعد في الحد من التعامل النقدي، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية مناسبة وتدرج في التطبيق، خصوصا في المناطق الريفية والمخيمات والمناطق المصنفة، حيث لا تمتلك كثير من المنشآت الصغيرة حسابات بنكية أو أدوات دفع إلكترونية.

أما بشأن انخفاض سعر الدولار وعدم انعكاسه بوضوح على أسعار السلع، فقد أوضح العطاري أن انخفاض العملة الأميركية قابله ارتفاع في تكاليف عالمية أخرى، خاصة كلف النقل والطاقة، ما حدّ من أثر انخفاض الدولار على الأسعار النهائية. وأضاف أن بعض التجار يضطرون إلى شراء الدولار من السوق بسعر أعلى من السعر المعروض على الشاشات الرسمية بسبب صعوبة إيداع الشيكل في البنوك، الأمر الذي يخلق فجوة إضافية في كلفة الاستيراد.

تجمّع الفلسطينيون في سوق للمواشي في الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، في 22 مايو/أيار 2026، لشراء وبيع الأغنام استعدادًا لعيد الأضحى.صورة: مأمون وزواز
 

وفي ملف العمال، شدد العطاري على أن توقف مئات آلاف العمال الفلسطينيين عن العمل داخل الخط الأخضر أدى إلى فقدان السوق الفلسطيني مئات ملايين الدولارات شهريا، وهو ما انعكس مباشرة على الاستهلاك وحركة الأسواق. واعتبر أن معالجة هذه الأزمة تحتاج إلى تفكير خارج الصندوق، عبر دعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وتعزيز القطاعات الإنتاجية، لا سيما الزراعة والصناعة المحلية، وتقليل الاعتماد على مصادر دخل مرتبطة بالاحتلال.

وأكد أن المنشآت الصغيرة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني، وأن استمرار الأزمة دون تدخلات فاعلة قد يهدد بقاء كثير منها. ودعا إلى توفير برامج تمويل ودعم تساعد العمال وأصحاب المشاريع الصغيرة على خلق فرص عمل بديلة، ولو بشكل تدريجي، للتخفيف من البطالة والركود.

وتخلص الحلقة إلى أن السوق الفلسطيني يدخل موسم العيد هذا العام في ظل ظروف استثنائية، عنوانها الأبرز تراجع السيولة، وضعف القدرة الشرائية، وتآكل مداخيل الأسر، وارتفاع المخاطر على القطاع الخاص. وبينما يحاول التجار الحفاظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان، تبقى الأزمة المالية والسياسية الأوسع هي العامل الحاسم في مستقبل الحركة الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله