في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة وتراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية، حذّر رئيس اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية الفلسطينية بسام الولويل من أن القطاع الصناعي الفلسطيني، ولا سيما الصناعات الغذائية والزراعية، يواجه واحدة من أصعب المراحل منذ سنوات، نتيجة تراكم الضغوط المالية والمعيشية وقيود الاحتلال على الحركة والتجارة والأسواق.
وجاءت تصريحات الولويل التي رصدتها "وكالة قدس نت للأنباء" خلال استضافته في برنامج “حديث الاقتصاد” عبر تلفزيون فلسطين الرسمي، في حلقة ناقشت واقع القطاع الصناعي الفلسطيني في ظل الأزمات الراهنة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الدخل، وانعكاسات احتجاز أموال المقاصة وتوقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل السوق الإسرائيلية.
وقال الولويل إن الاقتصاد الفلسطيني “لم يمر بمرحلة أسوأ من هذه”، مشيرا إلى أن العدوان على قطاع غزة، واستمرار القيود في الضفة الغربية، والحواجز والبوابات العسكرية، ومصادرة الأراضي والثروة الحيوانية، كلها عوامل عمّقت الخنق الاقتصادي وفرضت واقعا بالغ الصعوبة على القطاع الخاص والمواطنين على حد سواء.
وأوضح أن القطاع الخاص الفلسطيني يحاول التأقلم مع الأزمات المتلاحقة، من خلال إعادة ترتيب أولوياته الإدارية والمالية والإنتاجية، مؤكدا أن الشركات الفلسطينية لا تزال تعمل وتستثمر رغم المخاطر، لأن التوقف عن الإنتاج أو إغلاق المنشآت يعنيان، بحسب تعبيره، “تحقيق ما يريده الاحتلال”.
وأشار الولويل إلى أن الناتج القومي الفلسطيني تراجع من مستويات كانت تدور حول 16 إلى 18 مليار دولار قبل الحرب، إلى نحو 13 أو 14 مليارا، وفق تقديراته، في حين ارتفعت الودائع والادخار لدى المواطنين بفعل الخوف من المستقبل وتراجع الميل إلى الاستثمار والاستهلاك. ورغم ذلك، لفت إلى وجود استثمارات صناعية جديدة خلال عامي 2024 و2025، من بينها مشاريع وخطوط إنتاج في الصناعات الغذائية.
وتطرق الولويل إلى توقف التجارة البينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، معتبرا أن منع إدخال المنتجات الفلسطينية إلى غزة شكّل ضربة كبيرة للشركات، خصوصا الغذائية منها، التي كانت تعتمد على سوق غزة بنسبة مهمة من مبيعاتها. كما أشار إلى القيود الإسرائيلية على تسويق منتجات الألبان واللحوم الفلسطينية في القدس، مؤكدا أن بعض الشركات كانت تبيع ما بين 15% و30% من إنتاجها في أسواق القدس.
وقال إن منع المنتجات الفلسطينية من الوصول إلى القدس وغزة يشكل “حصارا مركبا”، ولا سيما على قطاع الألبان، إذ يؤدي فائض الإنتاج إلى الضغط على المصانع والمزارعين في الوقت نفسه. وأضاف أن الاتحاد يدرس الخيارات القانونية لمواجهة هذه القيود، بما في ذلك التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية، مستندا إلى سوابق قانونية تعود إلى عام 2016.
وفي ملف ارتفاع الأسعار، أوضح الولويل أن تكاليف الشحن ومدخلات الإنتاج ارتفعت بنسب كبيرة، وصلت في بعض الحالات إلى 200% و300%، إضافة إلى ارتفاع أسعار الديزل بنحو 40%، ما انعكس مباشرة على كلفة النقل والتشغيل والإنتاج الصناعي. ولفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط يؤثر أيضا في صناعات مرتبطة بالبلاستيك والتغليف، وهي مدخلات أساسية في الصناعات الغذائية والألبان وغيرها.
ورغم هذه الضغوط، أكد الولويل أن الصناعات الغذائية الفلسطينية التزمت بعدم رفع أسعار المواد الأساسية خلال الفترة الأخيرة، مراعاة للظروف المعيشية الصعبة. لكنه دعا الحكومة إلى تقاسم الأعباء مع القطاع الخاص، عبر إجراءات مؤقتة مثل تخفيض ضريبة القيمة المضافة على بعض السلع الأساسية أو دعم قطاعات إنتاجية محددة، مشددا على أن “الحكومة والقطاع الخاص في مركب واحد”.
وفي معرض حديثه عن التضخم العالمي واحتمالات انتقاله إلى السوق الفلسطينية، قال الولويل إن فلسطين جزء من العالم وتتأثر بأي اضطراب في سلاسل التوريد والطاقة، لكنه شدد على ضرورة التفكير في حلول داخلية، أبرزها خفض تكاليف الإنتاج، والتوسع في الطاقة الشمسية، وتعزيز التكامل بين الزراعة والتصنيع الغذائي.
ودعا إلى وضع استراتيجية وطنية للأمن الغذائي، قائلا إن السؤال الأهم اليوم هو: “أين الأمن الغذائي لفلسطين؟”. وطرح أفكارا عملية، منها إنشاء شركات تسويقية زراعية قادرة على شراء الفائض من المزارعين وتخزينه في ثلاجات حديثة ثم طرحه في السوق في الوقت المناسب، بما يحمي المزارع من الخسارة ويعزز استقرار الأسعار.
كما دعا إلى تشجيع الاستثمار في المناطق المصنفة “ج”، لا سيما في الزراعة، من خلال حوافز ضريبية طويلة الأمد، معتبرا أن إعفاء المستثمرين من ضريبة الدخل في تلك المناطق قد يشجعهم على تثبيت الوجود الفلسطيني اقتصاديا وزراعيا في الأراضي المهددة بالمصادرة والاستيطان.
وفي ملف إحلال الواردات، أكد الولويل أن القطاع الصناعي لا يطالب بالحماية المطلقة ولا بإغلاق السوق، بل بتطبيق المعايير نفسها على المنتج المحلي والمستورد. وانتقد ما وصفه بعدم تكافؤ المنافسة، مشيرا إلى أن بعض المنتجات المستوردة تدخل السوق الفلسطينية بشروط مختلفة عن تلك المفروضة على المنتج الفلسطيني، خصوصا في قطاعات الألبان واللحوم.
وطالب الولويل بمبدأ المعاملة بالمثل مع المنتجات الإسرائيلية، قائلا إن منع منتجات فلسطينية من دخول أسواق إسرائيل أو القدس يجب أن يقابله موقف فلسطيني واضح تجاه مثيلاتها القادمة إلى السوق المحلية، معتبرا أن هذا الملف يحتاج إلى قرار سياسي وتنفيذي.
وفي ختام اللقاء، شدد الولويل على أن تراجع الدخل وأزمة الرواتب واحتجاز أموال المقاصة وارتفاع البطالة كلها عوامل ضربت الاستهلاك، وهو المحرك الأساسي للعجلة الاقتصادية. وأوضح أن المواطن الفلسطيني أعاد ترتيب أولوياته الشرائية، فأصبح يركز على السلع الأساسية فقط، ما ينعكس على مختلف القطاعات التجارية والصناعية.
وقال إن صمود المجتمع الفلسطيني يعود جزئيا إلى التكافل العائلي والتحويلات القادمة من الخارج، لكنه حذر من استمرار الضغط على القدرة الشرائية، لا سيما مع ارتفاع أسعار اللحوم والمحروقات وبعض السلع الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
وأكد أن القطاع الخاص الفلسطيني، رغم كل التحديات، سيواصل العمل والاستثمار، لكنه يحتاج إلى سياسات مساندة وقرارات جريئة تعزز الإنتاج المحلي، وتحمي المزارعين، وتفتح الأسواق أمام المنتجات الفلسطينية، وتحوّل شعار الصمود الاقتصادي إلى برنامج عملي قابل للتنفيذ.
