الحركة الوطنية الفلسطينية: بين الانكفاء التاريخي وإمكانية استعادة الأمل

بقلم: جمال زقوت

جمال زقوت.jpg

بقلم: جمال زقوت

تبدو الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم وكأنها بلغت ذروة الإنهاك التاريخي؛ إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على مواجهة الاحتلال، بل تمدّد إلى أزمة بنيوية عميقة داخل النظام السياسي نفسه، تتجلى في أزمة تمثيل وشرعية، وفي تراجع القدرة على إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز إدارة الواقع إلى محاولة تغييره، أو حتى إلى فتح كوة أمل في جدار الانسداد الوطني والسياسي.

منذ التحولات الكبرى التي أعقبت أوسلو، ثم الانقسام وتعدد مراكز القرار، تراجعت الفكرة المؤسسة للحركة الوطنية من مشروع تحرر وطني إلى منظومة لإدارة واقع سياسي شديد التشظي. وهكذا، لم يعد السؤال المركزي: كيف تُواجه منظومة الاحتلال؟ بل كيف تُدار الحالة الفلسطينية داخل حدود سياسية ضيقة فقدت قدرتها على إنتاج إجماع وطني، أو حتى على فتح أفقٍ ممكن.

هذا التآكل لا يلغي استمرار الفعل الوطني، لكنه يكشف انتقاله من مستوى المشروع إلى مجرد الحفاظ على البقاء، ومن أفق التحرر إلى هندسة الممكن المحدود. ومع ذلك، فإن جوهر القضية لم يُكسر؛ فالشعب لم يتخلَّ عن حقه، والتاريخ لم يُغلق، والاحتلال لم ولن يتحول إلى واقع طبيعي أو مشروع.

وفي قلب هذا التناقض، يبقى المعنى الأخلاقي للنضال حاضرًا، حتى وإن جرى تهميشه سياسيًا. فما زالت هناك انحيازات وطنية راسخة داخل الوعي الفلسطيني تعتبر الحرية شرط وجود لا بندًا تفاوضيًا أو خيارًا تكتيكيًا. ومن هنا، تتحول الرموز إلى أكثر من مجرد مكانة أو موقع سياسي؛ تصبح تجسيدًا حيًا لفكرة أن التضحيات لم تُهدر، وأن الشرعية الوطنية لا تُقاس بالسلطة، بل بالفعل والتاريخ.

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد متعلقًا بالرموز ذاتها، بل بكيفية توظيفها؛ هل تُستدعى كجسر لإعادة بناء المشروع الوطني، أم تُستخدم كغطاء رمزي لملء فراغ سياسي مزمن ومتراكم؟

خداع "التجديد" وإعادة إنتاج الأزمة

في هذا السياق، لا يعود انعقاد المؤتمرات أو إجراء الانتخابات داخل القوى المهيمنة على المشهد الفلسطيني مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل يتحول إلى لحظة سياسية كاشفة تُقاس من خلالها قدرة هذه القوى على مواجهة أزمتها بصدق ومسؤولية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتبدّل الأسماء أو تدوير المواقع القيادية، بل بوجود إرادة فعلية لمراجعة المسار السياسي والتنظيمي الذي قاد إلى هذا المأزق، وإعادة تعريف الدور الوطني ووظيفة العمل السياسي.

أما حين يُختزل "التجديد” في إعادة ترتيب الوجوه داخل البنية ذاتها، فيما تُغلق أبواب المساءلة وتُؤجَّل المراجعات الحقيقية باستمرار، فإن الأمر لا يعدو كونه إعادة إنتاج للأزمة نفسها، ولو بأدوات وشعارات مختلفة. عندها تصبح المؤتمرات والانتخابات مجرد محاولة لإضفاء شرعية جديدة على واقع مأزوم، بدل أن تشكل نقطة انطلاق نحو استعادة الفاعلية الوطنية والخروج من حالة العجز وفقدان الأفق.

والأخطر من ذلك، حين تُستدعى الرمزية التاريخية لا بوصفها مصدر إلهام ورؤية، بل كمظلّة تُستخدم للتغطية على الانسداد وتعطيل أي مراجعة جادة. عندها تتحول الذاكرة الوطنية من قوة دفع إلى أداة تجميد. ولعل ما جرى مع وثيقة الأسرى يشكل مثالًا دالًا، إذ لم تحظَ تلك الوثيقة، رغم ما تمثله قيادة الحركة الأسيرة من مكانة وطنية ، بالاهتمام الذي يليق بدلالاتها وإمكاناتها التوحيدية.

الطليعة وإعادة كسر الجمود

في مواجهة هذا الانسداد، لا تظهر “الطليعة” كترف فكري أو ادعاء نخبوي، بل كضرورة تاريخية تنبع من عمق المجتمع نفسه، بوصفها وعيًا نقديًا يرفض اختزال اللحظة الفلسطينية في مجرد إدارة أزمة بلا أفق.

ويتجلى دورها في ثلاثة مستويات مترابطة: أولها تفكيك الجمود الرمزي، ورفض تحويل الرموز إلى بديل عن المشروع الوطني أو إلى أقنعة سياسية لغياب الفعل الحقيقي. وثانيها إعادة ربط السياسة بمعناها التأسيسي، باعتبارها أداة تحرر لا مجرد إدارة لتوازنات القوة. أما ثالثها، فهو فتح أفق يتجاوز الانقسام الذهني والسياسي، ليس عبر القفز فوق الواقع، بل بإعادة طرح السؤال الوطني من جذوره وهو كيف يُستعاد المشروع الوطني، لا كيف يُدار الواقع وفق شروطه؟

الانقسام واغتيال المعنى الوطني

ولعل أخطر ما أنتجه الانقسام الفلسطيني أنه لم يقتصر على تقسيم الجغرافيا والمؤسسات، بل امتد إلى جوهر الشرعية الوطنية نفسها. فقد تحول التمثيل من عقد وطني جامع إلى حالة تنازع مفتوح على السلطة والوظيفة والرمزية، بحيث بات كل طرف يحتكر جزءًا من الحقيقة لتبرير انفصاله عن الكل الوطني.

وهكذا تآكلت الفكرة الجامعة، ولم يعد السؤال: من يمثل من، بل ماذا تبقى أصلًا من فكرة التمثيل الوطني؟ إن استمرار هذا الواقع، دون مراجعة جذرية، يعني عمليًا إنتاج شرعيات متوازية وهشة، تتغذى على الإنهاك المتبادل بدل التكامل، وتُحَوِّل المشروع الوطني من إطار تحرر تاريخي إلى ساحة لإدارة التناقضات الداخلية، تُستنزف فيها التضحيات بدل أن تتحول إلى رافعة لاستنهاض الإرادة الوطنية.

إن إعادة بث الأمل في الحالة الفلسطينية ليست مسألة ذهنية أو عاطفية، بل فعل مقاومة ضد الانطفاء. ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إصرار على أن التاريخ لم يُحسم بعد، وأن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، ليست خاتمة السردية الفلسطينية.

ولهذا، يتحول السؤال من “هل ما زال هناك أمل؟” إلى سؤال أكثر عمقًا وقسوة وهو كيف يمكن منع تحويل الأمل نفسه إلى خطاب فارغ يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك عند أول اختبار؟

الإجابة لا تأتي من مركز واحد أو خطاب واحد، بل من إعادة إنتاج وعي فلسطيني جديد، يرفض أن تتحول الحرية إلى شعار، أو التضحيات إلى ذكرى، أو الرموز إلى أدوات تبرير.

وفي هذا السياق، يصبح معيار الحكم على أي مشروع سياسي، ليس قدرته على إدارة المرحلة، بل قدرته على استعادة بوصلته الأصلية بأن الحرية ليست هدفًا مؤجلًا، بل جوهر الفكرة الوطنية نفسها.

الجمرة الأخيرة للفكرة

في النهاية، حين تتآكل البنى وتتراجع الأدوار، لا تكمن القضية في امتلاك الشعارات، بل في القدرة على الإمساك بجوهرها. فكما أن من يقبض على جمرة الثورة لا يفعل ذلك هربًا من الألم، بل حمايةً للفكرة ومنعًا لسقوطها في الفراغ أو الاستحواذ الضيق، كذلك تبقى القضايا الكبرى حيّة بقدر ما يبقى هناك من يرفض ترك مضمونها يتآكل.

إنه فعل قاسٍ بقدر ما هو ضروري؛ إذ لا معنى لفكرة وطنية تُترك لتبرد وتنطفئ، ولا لقضية تتحول إلى مجرد ذكرى بلا حياة. ومن يتمسك بالجمرة لا ينجو من ألم نارها، لكنه يحمي ما هو أعمق من ألم الجسد؛ يحمي روح الفكرة من الانطفاء. هكذا، لا تبقى الثورة حدثًا في الماضي، بل اختبارًا دائمًا للسؤال الجوهري: هل ما زالت الفكرة حيّة، أم أنها تُدار بوصفها مجرد أثرٍ باهتٍ لذاكرةٍ تتآكل؟

أما الجديد حقًا، فهو أن الزمن الفلسطيني لم يعد يحتمل “تجديدًا” يعيد إنتاج الفشل، بل يحتاج إلى استنهاضٍ يقطع مع مرحلة استمراء الفشل، ويعيد للفكرة الوطنية معناها وقدرتها على الفعل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت