تصاعدت في إسرائيل التحذيرات الأمنية من انتقال تهديد الطائرات المسيّرة إلى الضفة الغربية، بعد تقارير عبرية أفادت بأن قوات الجيش الإسرائيلي صادرت مئات الطائرات بدون طيار في مناطق مختلفة من الضفة، وسط تقديرات بأن هذا الملف بات يُنظر إليه كتهديد ميداني آخذ في الاتساع، لا يقتصر على المستوطنات القريبة، بل قد يمتد إلى مناطق في وسط إسرائيل.
وبحسب ما نشره المراسل العسكري في قناة i24NEWS العبرية ينون شالوم يتاح، فإن “مئات المسيّرات” ضُبطت في الضفة الغربية، في وقت يرفع فيه الجيش الإسرائيلي مستوى الجهوزية للتعامل مع هذا النوع من التهديد. وأشار التقرير إلى أن الجيش ينظر بقلق إلى احتمال إطلاق مسيّرات من الضفة باتجاه مستوطنات قريبة أو مناطق أوسع تشمل الشارون وغوش دان.
وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي قد نشرت قبل أيام أن الجيش صادر نحو 100 طائرة مسيّرة خلال أسبوعين فقط في الضفة الغربية، فيما أوردت مواقع عبرية أن هذا الرقم يشكل جزءا كبيرا من إجمالي ما صودر منذ بداية العام. كما سبق للشرطة الإسرائيلية أن أعلنت في مارس/آذار الماضي مصادرة 111 طائرة بدون طيار من متجر في كفر قليل قرب نابلس، بدعوى أن بيعها أو حيازتها محظوران بموجب أمر عسكري إسرائيلي في الضفة.
وتأتي هذه المعطيات رغم أن التقارير العبرية تشير إلى انخفاض نسبي في عدد الإنذارات المتعلقة بعمليات في الضفة مقارنة بعقود سابقة، وهو ما تعدّه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية “إنجازا” في زمن الحرب. غير أن بروز ملف المسيّرات يعكس، وفق القراءة الأمنية الإسرائيلية، تحولا في طبيعة المخاطر من العمليات التقليدية إلى تهديدات منخفضة الكلفة وصعبة الرصد.
وتوقفت التقارير العبرية عند حادث وقع الخميس الماضي في منطقة "بنيامين" الاستيطانية قرب رام الله، حيث أطلق جنود إسرائيليون النار باتجاه طائرة مدنية بدون طيار بعدما اعتقدوا أنها مسيّرة تهدد القوة. وبحسب i24NEWS، يجري التحقيق في الحادثة، لكنها فتحت نقاشا داخل المؤسسة الأمنية حول ضرورة تنظيم المجال الجوي المنخفض القريب من الأرض، خصوصا في بيئة مكتظة ومعقدة مثل الضفة الغربية.
ويعكس هذا القلق امتدادا مباشرا للتجربة الإسرائيلية على جبهة لبنان، حيث تحولت مسيّرات حزب الله، ولا سيما المسيّرات الانتحارية أو الموجهة بالألياف البصرية، إلى تحدٍّ عسكري مؤثر للقوات الإسرائيلية. وذكرت وكالة رويترز أن شركة “إلبيت” الإسرائيلية تعمل مع وزارة الجيش على تطوير حلول سريعة لمواجهة المسيّرات، بما في ذلك أنظمة تعتمد على الطاقة والليزر، في ظل صعوبة اعتراض بعض هذه الطائرات بوسائل الدفاع التقليدية أو التشويش الإلكتروني.
وفي السياق ذاته، صادق وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هذا الأسبوع على ميزانية تقارب ملياري شيكل لتطوير حلول تكنولوجية لمواجهة تهديد المسيّرات القادمة من لبنان. ونقلت i24NEWS عنه قوله إن مواجهة التهديد لا تكون بالدفاع فقط، بل “بتغيير قواعد اللعبة”، داعيا إلى رد عسكري واسع على مصادر إطلاق المسيّرات.
كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية “كان” عن مصادر مطلعة أن رئيس الأركان إيال زامير قال في اجتماع أمني مصغر إن على إسرائيل مهاجمة مبانٍ في بيروت ردا على تهديد مسيّرات حزب الله. وجاءت هذه التصريحات بعد سلسلة هجمات بالمسيّرات ضد قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، وسط تصاعد الدعوات داخل الحكومة الإسرائيلية لتوسيع الرد العسكري.
وتشير هذه التطورات إلى أن إسرائيل باتت تتعامل مع المسيّرات بوصفها تهديدا استراتيجيا لا تكتيكيا فقط؛ فالمشكلة لا تتعلق بحجم الطائرة أو كلفتها، بل بقدرتها على تجاوز الحواجز، والتحليق على ارتفاعات منخفضة، واستهداف قوات أو مواقع حساسة، أو إرباك منظومات الإنذار والرصد.
وفي الضفة الغربية تحديدا، تبدو الحساسية أكبر بسبب القرب الجغرافي من القدس ومناطق وسط إسرائيل، وكثافة الوجود العسكري والاستيطاني، إضافة إلى صعوبة الفصل بين الاستخدامات المدنية والتجارية والتصويرية للطائرات بدون طيار وبين الاستخدامات التي تعتبرها إسرائيل “أمنية خطرة”.
وتعكس الحملة الإسرائيلية على المسيّرات في الضفة توجها نحو تشديد الرقابة على المعدات ذات الاستخدام المزدوج، مع احتمال توسيع عمليات التفتيش والمداهمة والمصادرة في المدن والقرى والمخازن والمتاجر. وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد أشارت سابقا إلى أمر عسكري يحظر حيازة المسيّرات في الضفة دون تصريح، ويشمل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
وبذلك، ينتقل ملف الطائرات بدون طيار من كونه ساحة مواجهة بارزة في لبنان وغزة إلى ملف أمني متصاعد في الضفة الغربية، بما قد يفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات العسكرية الإسرائيلية تحت عنوان “منع تهديد المسيّرات”، في وقت تبقى فيه التداعيات الميدانية والسياسية لهذا التوجه مفتوحة على احتمالات واسعة.
