دخلت الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما أفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن فريق التفاوض في طهران أوقف تبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء، احتجاجاً على التصعيد الإسرائيلي في لبنان وغزة. ويأتي التطور في ظل تداخل متزايد بين ملفات الحرب الإقليمية، ووقف إطلاق النار، والبرنامج النووي الإيراني، والحصار الأمريكي المفروض على إيران.
ونقلت شبكة «إن بي سي» عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إنه لم يُبلّغ مسبقاً بقرار إيران تعليق تبادل الرسائل، معتبراً أن طهران قد تكون «أفضل في التفاوض من القتال»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة ستنتقل إلى قصف واسع داخل إيران، بل ستبقي الحصار قائماً. وأضاف ترامب أن واشنطن «تحدثت أكثر مما ينبغي»، ملمحاً إلى أن الصمت قد يكون خياراً مناسباً لفترة طويلة، ومؤكداً أن بإمكانه انتظار إيران «مهما طال الوقت» لأنها، بحسب تعبيره، تخسر مبالغ طائلة تحت وطأة الحصار.
وبحسب «رويترز»، فإن وكالة «تسنيم» قالت إن فريق التفاوض الإيراني قرر وقف تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء بسبب الهجمات على لبنان، في وقت تستمر فيه الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأمريكية ـ الإيرانية المستمرة منذ أشهر. وأضافت الوكالة الإيرانية أن طهران و«جبهة المقاومة» وضعتا على جدول أعمالهما خيارات تصعيدية، بينها تشديد الضغط في مضيق هرمز وتفعيل جبهات أخرى، بما في ذلك باب المندب.
وجاء الرد الإيراني الرسمي أكثر وضوحاً في تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي قال إن أي وقف لإطلاق النار بين طهران وواشنطن يجب أن يُفهم باعتباره وقفاً شاملاً على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. واعتبر عراقجي أن أي خرق في ساحة واحدة يمثل خرقاً للاتفاق كله، محمّلاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية العواقب.
في المقابل، اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي واشنطن وتل أبيب بنقض وقف إطلاق النار، قائلاً إن التصعيد الإسرائيلي في لبنان يهدف إلى تقويض المسارات الدبلوماسية. وأضاف أن طهران تراقب التطورات وستتخذ ما تراه ضرورياً لحماية أمنها وسيادتها، في حين نقلت «الجزيرة» عن بقائي أن لبنان جزء لا يتجزأ من أي وقف شامل للحرب في المنطقة.
وتزامن الموقف الإيراني مع تصعيد ميداني في لبنان، بعدما أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش بتنفيذ ضربات في الضاحية الجنوبية لبيروت، عقب اتهام إسرائيل لحزب الله بخرق وقف إطلاق النار وإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل. وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن سكاناً من الضاحية غادروا المنطقة بعد التحذيرات الإسرائيلية، في وقت استمرت المواجهات في جنوب لبنان واتسعت رقعة العمليات العسكرية.
دبلوماسياً، تحاول واشنطن منع انهيار المسار التفاوضي عبر خطة جديدة لخفض التصعيد في لبنان. وقال مسؤول أمريكي لـ«رويترز» إن وزير الخارجية ماركو روبيو بحث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقترحاً يقوم، في مرحلته الأولى، على وقف حزب الله هجماته على إسرائيل مقابل امتناع إسرائيل عن التصعيد في بيروت، بما يفتح المجال أمام خفض تدريجي للتوتر ووقف فعلي للأعمال القتالية.
غير أن الموقف اللبناني، كما تنقله مصادر قريبة من رئاسة البرلمان، يذهب باتجاه وقف شامل ومتبادل لا وقف جزئي. ونقل موقع «أكسيوس» عن علي حمدان، مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن بري أبلغ الإدارة الأمريكية أن حزب الله مستعد لوقف كامل وفوري لإطلاق النار مع إسرائيل، وأنه يضمن التزام الحزب إذا التزمت إسرائيل بدورها. ووفق المصدر ذاته، فإن بري رفض منطق وقف النار الجزئي الذي يوقف هجمات حزب الله على شمال إسرائيل فقط مقابل عدم قصف بيروت، مطالباً بوقف شامل على البر والجو والبحر.
وتشير هذه التطورات إلى أن تعليق طهران للمحادثات لا يقتصر على الخلاف النووي أو العقوبات، بل يعكس محاولة إيرانية لربط أي تفاهم مع واشنطن بمسار أوسع يشمل لبنان وغزة وجبهات إقليمية أخرى. أما واشنطن، فتسعى إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً من دون التخلي عن أدوات الضغط، وفي مقدمتها الحصار، بينما تتحرك إسرائيل ميدانياً تحت عنوان الرد على هجمات حزب الله.
وبذلك، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية: إيران تلوّح بتجميد الدبلوماسية وتوسيع أوراق الضغط، وترامب يرد بالإبقاء على الحصار مع استبعاد القصف الواسع حالياً، فيما يحاول الوسطاء منع انفجار الجبهة اللبنانية وتحولها إلى عامل ينسف أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.
