يدفع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، باتجاه خوض حزبي “عوتسما يهوديت” بزعامة إيتمار بن غفير و“الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش الانتخابات المقبلة ضمن قائمة مشتركة، في محاولة لمنع تشتت أصوات معسكر اليمين وضمان عدم سقوط أي من الأحزاب الحليفة تحت نسبة الحسم.
وتأتي هذه التحركات في ظل استعدادات مبكرة لمعركة انتخابية تبدو شديدة التعقيد بالنسبة إلى نتنياهو، بعدما أظهرت استطلاعات إسرائيلية في الأشهر الأخيرة تراجع قدرة معسكره على ضمان أغلبية مستقرة في الكنيست، مقابل صعود قوى يمينية ووسطية معارضة تسعى إلى إنهاء حكمه.
عرض من الليكود لتشجيع الوحدة
وبحسب ما أوردت القناة 12 الإسرائيلية، عرض نتنياهو منح مواقع مضمونة في قائمة الليكود لمرشحين من حزبي بن غفير وسموتريتش، بما يتيح لهم دخول الكنيست عبر الحزب الحاكم، إذا وافق الطرفان على خوض الانتخابات في قائمة مشتركة.
وذكرت القناة أن العرض يشمل صيغة “اتحاد تقني”، أي خوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة ثم إمكانية الانفصال بعد دخول الكنيست. ويرى نتنياهو أن هذه الصيغة قد توفر مخرجا للطرفين، إذ تمنح بن غفير وسموتريتش فرصة لتجاوز الخلافات الشخصية والتنظيمية من دون الذوبان الكامل في إطار سياسي واحد.
وتشير التقديرات داخل الائتلاف إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال فشل “الصهيونية الدينية” في تجاوز نسبة الحسم إذا خاضت الانتخابات منفردة، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع عشرات آلاف الأصوات داخل معسكر اليمين، وربما حرمان نتنياهو من القدرة على تشكيل حكومة جديدة.
خلافات بين بن غفير وسموتريتش
ورغم أن الحزبين ينتميان إلى المعسكر الديني القومي واليمين المتطرف، فإن العلاقة بين بن غفير وسموتريتش شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة، سواء على خلفية التنافس على زعامة جمهور المستوطنين واليمين الأيديولوجي، أو بسبب الخلاف على ترتيب المرشحين داخل أي قائمة مشتركة.
وتقول القناة 12 إن بن غفير لا يبدي حماسة لخوض الانتخابات مع سموتريتش، خصوصا أنه يعتقد أن حزبه قادر على تحقيق نتيجة جيدة منفردا. في المقابل، لا يرغب سموتريتش في دخول قائمة يكون فيها عمليا في موقع الشريك الأضعف، بعدما أظهرت استطلاعات عدة تراجع قوة حزبه مقارنة بحزب بن غفير.
لكن نتنياهو يحاول، من خلال عرض المقاعد المضمونة في الليكود، تحويل الحسابات الشخصية والحزبية إلى صفقة انتخابية أوسع، عنوانها الحفاظ على الكتلة اليمينية ومنع تكرار سيناريوهات سابقة ضاعت فيها أصوات أحزاب حليفة فشلت في عبور نسبة الحسم.
هاجس “الأصوات الضائعة”
يشكل النظام الانتخابي الإسرائيلي أحد أسباب القلق داخل معسكر نتنياهو. فالأحزاب التي لا تتجاوز نسبة الحسم لا تدخل الكنيست، ولا تُحتسب أصواتها في توزيع المقاعد. وفي انتخابات متقاربة، قد يكون سقوط حزب صغير كافيا لتغيير هوية المعسكر القادر على تشكيل الحكومة.
ومن هنا، لا ينظر نتنياهو إلى وحدة بن غفير وسموتريتش باعتبارها تفصيلا حزبيا، بل كشرط محتمل لبقاء معسكره قادرا على المنافسة. فخسارة حزب يميني صغير قد تمنح المعارضة أفضلية عددية، حتى لو بقي الليكود الحزب الأكبر في الكنيست.
وتكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية في ظل الحديث عن انتخابات مبكرة أو انتخابات في الخريف المقبل، بعد بدء مسار حل الكنيست وتزايد الخلافات داخل الائتلاف، لا سيما بشأن قانون تجنيد الحريديم والأزمة بين نتنياهو وحلفائه الدينيين.
تعزيز ماكينة الإعلام والدعاية
بالتوازي مع هذه التحركات الحزبية، أفادت هيئة البث العام الإسرائيلية “كان 11” بأن مكتب رئيس الحكومة بدأ ملء عدد من مناصب الإعلام والدعاية التي بقيت شاغرة لسنوات، وذلك قبل أشهر قليلة من الانتخابات المتوقعة.
وبحسب التقرير، يعمل مكتب نتنياهو على تعيين رئيس لمنظومة المتحدثين باسم مكتب رئيس الحكومة، ليشرف على مجمل النشاط الإعلامي للمكتب، إضافة إلى استكمال إجراءات تعيين مدير لهيئة الإعلام القومي، وهو منصب لم يكن مشغولا منذ يناير/كانون الثاني 2023.
وذكرت “كان” أن الحكومة تتجه إلى تعيين مدير هيئة الإعلام القومي لمدة ست سنوات، ومن دون مناقصة، في خطوة لافتة بالنظر إلى أن المنصب بقي شاغرا طوال فترة الحرب متعددة الجبهات. كما أشارت إلى أن الهيئة تضم نحو 18 موظفا وتدير ميزانية تقدر بنحو 11 مليون شيكل.
وكانت الحكومة قد عينت في وقت سابق الوزيرة والسفيرة السابقة تسيبي حوتوبيلي رئيسة لمنظومة “الهسبراه”، أي الدعاية والدبلوماسية العامة الإسرائيلية، بعد فترة طويلة من الشغور في هذا المنصب أيضا.
انتخابات في ظل الحرب وتراجع الثقة
تتحرك هذه الاستعدادات بينما لا تزال إسرائيل تعيش تحت تأثير الحرب المفتوحة على أكثر من جبهة، وتداعيات هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والحرب في غزة ولبنان والتوتر مع إيران. وقد أضعفت هذه الملفات صورة نتنياهو الأمنية، التي شكلت لعقود إحدى ركائز قوته السياسية.
ومع ذلك، لا يزال نتنياهو يراهن على تفوق الليكود كأكبر حزب منفرد، وعلى قدرته التاريخية على إدارة التحالفات الصغيرة وتفكيك خصومه. لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن فوزه بالمركز الأول لا يكفي وحده، إذ إن تشكيل الحكومة في إسرائيل يحتاج إلى أغلبية ائتلافية من 61 مقعدا في الكنيست المؤلف من 120 عضوا.
ولهذا السبب، تبدو معركة الأحزاب الصغيرة في اليمين حاسمة بقدر معركة الليكود نفسه. فبقاء بن غفير وسموتريتش داخل الكنيست، أو سقوط أحدهما تحت نسبة الحسم، قد يكون عاملا فاصلا بين حكومة جديدة برئاسة نتنياهو أو انتقال السلطة إلى معسكر آخر.
ترامب يشكك في رغبة نتنياهو بالاستمرار
وفي سياق متصل، نقل كبير مراسلي شبكة “إيه بي سي نيوز” في واشنطن، جوناثان كارل، عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إنه غير متأكد مما إذا كان نتنياهو يريد فعلا خوض انتخابات جديدة أو الاستمرار في منصبه بعد الحرب.
وقال ترامب، بحسب ما نقل عنه كارل، إن نتنياهو “كانت له مسيرة سياسية مذهلة”، متسائلا عما إذا كان “بيبي” يريد مواصلة الطريق. وأضاف أن نتنياهو رئيس حكومة في زمن حرب، قبل أن يقارن ذلك بوضعه هو أيضا بوصفه رئيسا في زمن حرب.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تباينات متزايدة بين ترامب ونتنياهو بشأن إدارة التصعيد الإقليمي، ولا سيما الملف الإيراني. ورغم العلاقة الوثيقة التي جمعت الرجلين في مراحل سابقة، فإن تصريحات ترامب الأخيرة توحي بأنه لم يعد يتعامل مع بقاء نتنياهو السياسي كأمر مفروغ منه.
معركة بقاء سياسية
تظهر التحركات الأخيرة أن نتنياهو بدأ فعليا إدارة معركة انتخابية مبكرة على أكثر من مستوى: هندسة تحالفات اليمين، منع ضياع الأصوات، تعزيز ماكينة الإعلام الرسمي، ومحاولة الحفاظ على موقعه كمرشح لا غنى عنه داخل معسكره.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه عقبات عدة؛ أبرزها الخلافات بين بن غفير وسموتريتش، وتراجع ثقة قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي بالحكومة، واستمرار الحرب، ووجود معارضة تسعى إلى تحويل الانتخابات المقبلة إلى استفتاء على حقبة نتنياهو كلها.
وعليه، فإن مساعي توحيد اليمين المتطرف لا تبدو مجرد مناورة انتخابية محدودة، بل جزءا من معركة أوسع يخوضها نتنياهو لضمان أن تدخل كل ورقة يمينية ممكنة إلى الكنيست، وألا تتحول نسبة الحسم إلى الفخ الذي ينهي أطول مسيرة سياسية في تاريخ إسرائيل الحديث.
