دخلت الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، مساء الجمعة 19 يونيو/حزيران 2026، مرحلة اختبار دقيقة، بعد إعلان مسؤول أميركي التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، في أعقاب يوم هو الأعنف منذ بدء مفاعيل التفاهم الأميركي الإيراني الأخير، إذ شهد الجنوب والبقاع موجة غارات إسرائيلية واسعة، واشتباكات ميدانية في محيط مرتفع علي الطاهر وكفر تبنيت، بالتزامن مع سقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي وارتفاع حصيلة الضحايا في لبنان.
وبحسب ما نقلته رويترز عن مسؤول أميركي، فإن الهدنة دخلت حيّز التنفيذ عند الساعة الرابعة عصرًا بتوقيت لبنان، بوساطة شاركت فيها الولايات المتحدة وقطر، وبمساعدة من إيران. غير أن الساعات الأولى بدت أقل من أن تمنح وقف النار صفة الاستقرار، إذ تحدثت مصادر لبنانية عن ضربات إسرائيلية بعد الموعد المحدد، بينما قالت روايات إسرائيلية إن الجيش لم ينفذ عمليات بعد الساعة الخامسة، في مؤشر إلى هشاشة التفاهم وتعدد تفسيراته الميدانية والسياسية.
وجاء إعلان وقف إطلاق النار بعد اتصالات أميركية مكثفة، أبرزها ما نقلته شبكة “إن بي سي” عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال إنه تحدث مع الجانب الإسرائيلي وطلب منه الموافقة على وقف إطلاق النار مع حزب الله، مضيفًا، في لهجة عكست ضيق واشنطن من مسار التصعيد: “أحيانًا عليك أن تهدأ وتستخدم عقلك”. ورفض ترامب، وفق النقل نفسه، توضيح ما إذا كان قد تحدث مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
يوم دامٍ قبل الهدنة
ميدانيًا، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية منذ منتصف الليل أسفرت عن سقوط 47 قتيلًا وإصابة 97 آخرين في الجنوب والبقاع. وتركزت الضربات على بلدات عدة في منطقة النبطية ومحيطها، إضافة إلى مواقع في شرق لبنان، وسط حركة نزوح كثيفة من القرى التي طالها القصف أو خشي سكانها توسع العمليات البرية.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده في جنوب لبنان، بينهم قائد كتيبة مدرعات، في ضربة استهدفت دبابة في منطقة كفر تبنيت قرب النبطية، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن إصابة جنود آخرين. وشكلت هذه الخسائر نقطة تحول في وتيرة الرد الإسرائيلي، إذ أعلن نتنياهو أنه أمر الجيش بضرب حزب الله “بقوة”، مؤكدًا أن إسرائيل ستجعل الحزب “يدفع ثمنًا باهظًا”.
أما حزب الله فقال إن مقاتليه رصدوا محاولة تقدم لقوة إسرائيلية مؤلفة من مدرعات ومشاة باتجاه شمال مرتفع علي الطاهر، وإنهم استدرجوها واشتبكوا معها بمختلف الأسلحة، معلنين تدمير ثلاث دبابات “ميركافا” بصواريخ موجهة، ثم استهداف قوة أخرى حاولت التقدم لسحب القتلى والجرحى. ولا يمكن التحقق مستقلًا من كامل تفاصيل الرواية الميدانية، لكنها تتقاطع مع تأكيدات إسرائيلية بوقوع خسائر بشرية في منطقة العمليات نفسها.
الهدنة كجزء من تفاهم أكبر
لا تقف الهدنة عند حدود الجنوب اللبناني. فالتطورات جاءت في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، عقب مذكرة تفاهم أميركية إيرانية تهدف إلى وقف العمليات العسكرية على عدة جبهات، بما في ذلك لبنان، وفتح الطريق أمام مفاوضات لاحقة حول الملف النووي الإيراني وترتيبات إقليمية أوسع.
وتشير مصادر أميركية وإقليمية إلى أن استمرار القتال في لبنان كاد يطيح بجولة محادثات أميركية إيرانية كانت مقررة في سويسرا، بعدما أصرّت طهران على أن وقف النار في لبنان شرط ضروري لاستمرار المسار التفاوضي. وبالفعل، أُرجئت التحركات الدبلوماسية الأميركية والإيرانية، بما في ذلك سفر وفود كانت ستشارك في المحادثات، ريثما يتضح ما إذا كان وقف إطلاق النار قابلًا للصمود.
بهذا المعنى، لم تعد الجبهة اللبنانية مجرد ساحة مواجهة حدودية بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبحت اختبارًا مباشرًا لقدرة واشنطن وطهران على إلزام حلفائهما أو شركائهما المحليين والإقليميين بمقتضيات التهدئة. كما تحولت إلى مقياس لمدى استعداد إسرائيل لقبول قيود على عملياتها داخل لبنان مقابل الحفاظ على الإطار الأكبر للتفاهم مع إيران.
واشنطن بين دعم إسرائيل وكبحها
في واشنطن، بدا الخطاب الأميركي أكثر حدة تجاه الحكومة الإسرائيلية مقارنة بمراحل سابقة من الحرب. فترامب، الذي شدد أكثر من مرة على دعمه لإسرائيل، ظهر في الوقت ذاته راغبًا في منع نتنياهو من توسيع المواجهة اللبنانية بما يهدد الاتفاق مع إيران. وذهبت تصريحات أميركية أخرى، بينها مواقف لنائب الرئيس جي دي فانس، إلى انتقاد أصوات إسرائيلية متشددة رأت في التفاهم الأميركي الإيراني تنازلًا يمس بحرية الحركة الإسرائيلية.
وتكشف هذه اللهجة عن معادلة أميركية مزدوجة: ضمان أمن إسرائيل من جهة، ومنعها من نسف ترتيبات إقليمية تسعى إدارة ترامب إلى تقديمها كإنجاز استراتيجي من جهة أخرى. ومن هنا تبدو الهدنة في لبنان، بالنسبة إلى واشنطن، أكثر من وقف نار موضعي؛ إنها شرط سياسي للحفاظ على مسار تفاوضي أوسع مع إيران، وعلى استقرار ممرات الطاقة في الخليج، وعلى صورة الإدارة الأميركية كوسيط قادر على ضبط حلفائه لا خصومه فقط.
الموقف اللبناني: وقف شامل وسلطة الدولة
لبنانيًا، تلقى الرئيس جوزاف عون اتصالًا من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله بحث الأوضاع في لبنان والمنطقة في ضوء التصعيد الأخير. وبحسب الرئاسة اللبنانية، أكد روبيو دعم الولايات المتحدة لأمن لبنان واستقراره وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ودعم المؤسسات الشرعية والأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الجيش.
وشدد عون على أن وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق وقف شامل لإطلاق النار يشكلان المدخل الضروري لأي مسار تفاوضي لاحق، ولا سيما المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن. وفي السياق نفسه، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان “لن يساوم على أي شبر من أرضه”، وأن السيادة تعني أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، مع التشديد على حصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها.
يعكس هذا الموقف الرسمي محاولة لبنانية للموازنة بين رفض الاحتلال أو أي منطقة أمنية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وبين التأكيد للمجتمع الدولي أن الدولة اللبنانية، لا أي طرف مسلح، يجب أن تكون الجهة الحصرية المخولة التفاوض والقرار الأمني والعسكري.
إسرائيل والمنطقة الأمنية
في المقابل، يصر نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس على بقاء القوات الإسرائيلية في ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان طالما اقتضت “حماية بلدات الشمال”. وتقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف بنى حزب الله التحتية ومواقع إطلاق وقيادة، وإنها ستحتفظ بحرية العمل ضد أي تهديد ناشئ.
لكن هذا الموقف يضع الهدنة أمام تناقض جوهري: فحزب الله وإيران يربطان تثبيت وقف النار بانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بينما تعتبر إسرائيل أن الانسحاب الكامل قبل تفكيك تهديد الحزب سيحوّل الهدنة إلى فرصة لإعادة تموضعه. وبين الموقفين، تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بتوسيع انتشار الجيش جنوبًا، واستعادة القرار الأمني، ومنع أي ذريعة لاستمرار الاحتلال أو القصف.
حزب الله: رفض اتهامات الخرق
من جانبه، نفى حزب الله اتهامات إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار، واتهمها بأنها لم تلتزم أصلًا بأي تفاهم سابق، منذ اتفاقات الهدنة السابقة وصولًا إلى التفاهم الأميركي الإيراني الأخير. وقالت غرفة عملياته إن المقاومة ستبقى “بالمرصاد” لأي اعتداء إسرائيلي، معتبرة أن العمليات التي نفذها مقاتلو الحزب جاءت ردًا على محاولات تقدم إسرائيلية وعلى استمرار القصف والاحتلال.
وفي خطاب سياسي متزامن، اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية اللبنانية بالخضوع للضغوط الأميركية والإسرائيلية، مؤكدًا أن الحزب لا يرى في خسائره سببًا للاستسلام، وأن “المقاومة” لا تزال حاضرة في الميدان. ويكشف هذا الخطاب أن التوتر الداخلي اللبناني حول سلاح الحزب ودور الدولة لن يتراجع تلقائيًا مع وقف النار، بل قد يصبح أحد ملفات المرحلة التالية، خاصة إذا انتقلت المفاوضات من تثبيت الهدنة إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
السيناريوهات المقبلة
تتوقف المرحلة المقبلة على ثلاثة مسارات مترابطة. الأول ميداني، ويتعلق بقدرة وقف إطلاق النار على الصمود في الجنوب، خصوصًا في المناطق التي تحتفظ فيها إسرائيل بوجود عسكري أو تعتبرها جزءًا من منطقة دفاعية متقدمة. والثاني سياسي، ويتصل بما إذا كانت واشنطن ستتمكن من الضغط على إسرائيل لمنع توسيع العمليات، وفي الوقت نفسه الضغط على إيران وحزب الله لضمان وقف الهجمات. أما الثالث فلبناني داخلي، ويتمثل في قدرة الدولة على تحويل فرصة التهدئة إلى مسار سيادي واضح: انتشار الجيش، عودة النازحين، وقف الخروقات، وفتح باب تفاوض لا يتم على حساب وحدة القرار اللبناني.
حتى الآن، تبدو الهدنة أقرب إلى “تجميد نار” منها إلى اتفاق مستقر. فكل طرف يحتفظ بروايته وبشروطه وبأوراق قوته. غير أن الكلفة البشرية العالية، والضغط الأميركي المباشر، وخشية إيران من انهيار تفاهمها مع واشنطن، كلها عوامل قد تمنح وقف إطلاق النار فرصة محدودة للتماسك، شرط ألا تتحول الخروقات الأولى إلى ذريعة لجولة أعنف.
وفي انتظار اتضاح مسار الساعات المقبلة، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: وقف نار هش تحت سقف تفاهم دولي إقليمي، واحتلال إسرائيلي معلن في الجنوب، وسلاح حزب الله كعنوان انقسام داخلي، ودولة تحاول استعادة قرار الحرب والسلم وسط ضغوط لا تصنعها وحدها ولا تتحكم بكل أطرافها.
